الأدب والتاريخ
الأدب والتاريخ
بقلم: د. ممدوح أبوالوي
يقول الشاعر محمود درويش (فلسطين) في قصيدةٍ بعنوان (لا تكتب التاريخ شعراً)، جاءت في ديوانه (لا تعتذر عما فعلت)، الذي صدر عام 2004:
لا تكتب التاريخ شعراً، فالسلاحُ هو المؤرخ..
والتاريخُ يومياتُ أسلحةٍ،
مدوّنةٌ على أجسادنا..
إنّ الذكيَّ العبقريَّ هو القويُّ،
وليس ليس للتاريخِ عاطفةٌ
ليس للتاريخِ مرآةٌ
ووجهٌ سافرٌ..
لا تكتبهُ، لا تكتبه شعراً..
كان محمود درويش شاعراً كبيراً، ولم يكن روائياً، ولو كان روائياً لقال: "لا تكتب التاريخ رواية"، ويبدو أنَّ الشاعر محمود درويش يرى أنّ التاريخ لا يُكتب شعراً ولا رواية، وإنما تكتبه دماء الشهداء.
بعد مرور عامين على صدور ديوان محمود درويش، أيّ عام 2006صدر كتاب لشاعرٍ فلسطينيّ هو الدكتور عز الدين المناصرة بعنوان (علم التناص المقارن)، يقول فيه: (هناك منهجان شائعان في الدراسات المقارنة العربيّة: الأول: المنهج التاريخيّ، حيث محاولات إثبات صلة التأثير والتأثر، وقراءة تاريخ هذه الصلات، وعقد مقارنات بين نصوص عربيّة ونصوص أجنبيّة، في إطار تقديم إشارات وتعليقات على أوجه التأثير والتأثر، وفق المنهج الفرنسيّ التقليديّ، كما هو حال مدرسة الدكتور محمد غنيمي هلال في الأدب المقارن، التي أدت دوراً مهماً في ترسيخ المنهج التاريخيّ، منذ عام 1953 حتى مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وقد تأثر به معظم المقارنين العرب.
الثاني: منذ أوائل الثمانينيات ظهر تيار جديد من المقارنين العرب، لم ينفصل تماماً عن المنهج التاريخيّ الفرنسيّ، لكنه بدأ ينفتح على دراسات التوازي، التي تهتم بالموضوعات المتشابهة، والأشكال المتشابهة، بعيداً عن مقولة التأثير والتأثر، أي أنّ الناقد المقارن يمارس النقد أولاً للعملين المتشابهين، ثم يقرأ المتوازيات أو المتشابهات بينهما قراءة نقدية وفق المنهج الأمريكيّ الذي لا يركز على دراسة المصادر.. وقد تجلى هذا التيار في أعمال مؤتمرات عقدت في الجزائر ومصر والمغرب وسورية..
ويرى الدكتور عز الدين المناصرة أنّ هناك مَن مزَج بين التيارين السابقين مثل الدكتور إحسان عباس (1920-2003) في كتابه (ملامح يونانية في الأدب العربي القديم) الذي صدر عام 1977.
يتحدّث عن التاريخ كلّ من المؤرخ والروائي، ولكلٍ منهما طريقته في التعامل مع الأحداث والشخصيات التاريخيّة، ولعل الفيلسوف والناقد الإغريقيّ أرسطو (322-384 ق. م.) هو أول من ميّز بين عمل المؤرخ وعمل الشاعر، وذلك في كتابه (فن الشعر)، يقول أرسطو: (وواضحٌ كذلك مما قلناه أنّ مهمة الشاعر ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلاً، بل في رواية ما يمكن أنْ يقع.. إمّا بحسب الاحتمال، أو بحسب الضرورة، وذلك أنّ المؤرخ والشاعر لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعراً، والآخر يرويها نثراً، فقد كان من الممكن تأليف تاريخ هيرودوتس نظماً، ولكنه كان سيظل مع ذلك تاريخاً، سواء كُتب نظماً أو نثراً، وإنّما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلاً، بينما يروي الشاعر الأحداث التي يمكن أنْ تقع..). وهكذا فإنّ عمل الأديب يتميّز بالخيال والذاتية.
ويتحدّث تولستوي (1828- 1910) عن الموضوع ذاته في مقدمة روايته الفريدة (الحرب والسلام) (1863- 1869). يقول الروائي الروسيّ: (أريد أنْ أقول كلمةً في أمر الاختلاف بين وصفي لأحداث التاريخ وبين ما يذكره المؤرخون. إن هذا الاختلاف ليس طارئاً عارضاً، وإنما هو أمر لا مفر منه ولا معدى عنه. فالمؤرخ والفنان حين يرسمان صورة لعصر من العصور يستهدفان أمرين مختلفين كل الاختلاف. إنّ المؤرخ ليخطئ إذا هو أراد أن يصور شخصاً من أشخاص التاريخ تصويراً تاماً يتناوله كله ويرسم مجموع علاقته المعقدة بجميع جوانب الحياة). ويتابع تولستوي: (والاختلاف بين المؤرخ والفنان يكون في وصف الأحداث أشد وأعمق. فأما المؤرخ فإنه يهتم بنتائج حادث من الأحداث، وأما الفنان فإنه يعنى بالحادث نفسه.