مشاريع النهضة والعقلنة والتحديث ومعوقاتها
مشاريع النهضة والعقلنة والتحديث ومعوقاتها
بقلم: شاكر فريد حسن
شهد العالم العربي الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، موجات من الحركات الاجتماعية الفكرية والتيارات الدينية العقلية والنهضوية التنويرية، التي تنادي بالإصلاح والحداثة والعصرنة والتجديد الديني. ولكن للأسف أن جميع هذه الحركات والتيارات أخفقت في إحداث وتحقيق نقلة نوعية على صعيد تجديد وعقلنة الفكر الديني، وإجراء إصلاحات جذرية عميقة، وتجسيد تطلعات وأماني شعوبنا ومجتمعاتنا العربية الإسلامية في التقدم والعصرنة والتمدن والتطور العلمي الحضاري. وكان المصلح الاجتماعي الطهطاوي أول من وقف على رأس حركة النهضة العلمية الثقافية التي أسس لها هو وجيل التنويريين والإصلاحيين المؤمنين بالتغيير، أبرزهم: جمال الدين الافغاني، رائد الإصلاح الديني الذي اضطلع بدور ثقافي وسياسي هام وحاسم في مصر وجمع حوله عدداً من المثقفين ورجالات العلم والفكر والثقافة من مختلف الأطياف والمشارب والمذاهب الفكرية والاجتماعية والسياسية. وقد سعى في البداية الى هدم وتدمير السور الذي اقيم في أعقاب حرق مؤلفات الفيلسوف العربي الإسلامي ابن رشد، بين الإسلام والفلسفة، معتبراً أن الإسلام هو دين العقل والاجتهاد والجدل، وأن الايمان الحقيقي هو الايمان المستند الى الدليل والبرهان العقليين. كذلك مثّل تيار الإصلاح الديني الإسلامي الإمام محمد عبده والمصلح عبد الرحمن الكواكبي، وهذا التيار رأى أن المجتمعات العربية الإسلامية تعيش حالة انحطاط ثقافي واجتماعي وسياسي، ولن تجتازها نحو المستقبل الحضاري الا من خلال مشروع إصلاحي مجتمعي تغييري يشكل رافعته إسلام عقلاني متنور منفتح على العلم. وقد ركز محمد عبده على الحرية الفردية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، موضحاً أن الأصل الثالث للإسلام هو البعد عن التكفير، بينما الإمام عبد الرحمن الكواكبي اهتم بالحرية السياسية مؤكداً أن الاستبداد هو عامل أساسي ورئيسي لتخلف المجتمعات العربية الإسلامية وحجر عثرة في طريق تقدمها ونهوضها ورقيها، معلناً بصوت واضح أن هناك علاقة عضوية جدلية بين سيطرة الجهل على الأمة وسيادة الاستبداد.
وفي خضم حركات التحرر الوطنية التي تبلورت ونضجت في ظل الأنظمة العربية التقدمية بعد جلاء الاٍستعمار، نشأ جيل من دعاة العصرنة والعقلنة والإصلاح الثقافي والاجتماعي، مستنداً الى ركائز أساسية، منها: النهضة العلمية والفكرية والإصلاح الديني، والثورة الاجتماعية الديمقراطية. وتمثل هذا الجيل بالشيخ الأزهري العلامة علي عبد الرازق، صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي يعتبر أهم كتاب في نقد الفكر السياسي العربي والإسلامي، وأثار حين صدوره عاصفة هوجاء وبسببه جرّد من مشيخة الأزهر، ومن خلال كتابه هذا أوضح علي عبد الرازق بأن الإسلام لا يتعارض مع العلمانية، بل في وسعه التعايش معها. وقد فتحت أفكاره هذه آفاقاً جديدة أمام تطور الإصلاح الديني في المجتمعات العربية والإسلامية، وتنامي وتصاعد دور التيار العلماني التقدمي العقلاني في العالم العربي. كما تمثل هذا التيار بطروحات وأفكار أحمد لطفي السيد وطه حسين والشيخ الأحمر عبد اللـه العلايلي وغيرهم. ولا ريب أن محاولات فرض العصرنة والإصلاحات الثقافية والاجتماعية بشكل فوقي، ناهيك عن التجارب التحديثية الخاطئة، أدت بالتالي الى نكوص واضمحلال حركة الإصلاح الديني وانطفائها، والى ولادة وانبثاق الأصوليات الإسلامية الراديكالية ونمو الخطاب الديني السلفي وتبلور ايديولوجية الإسلام السياسي ممثلة بحركة الأخوان المسلمين عبر أقطابها سيد قطب وحسن البنا. وأذا ألقينا نظرة سريعة الى أحوال وأوضاع الأقطار العربية الإسلامية نجد حجم الفشل والإخفاق الذريع الذي منيت به حركة النهضة ومشروعها التنويري النهضوي، ونرى أيضاً، الردّة الفكرية والظلامية والتضليل الفكري في بنية الخطاب السلفي، علاوة على السطوة غير المسبوقة للأصوليات الإسلامية الراديكالية المعادية للحداثة والعلم والحضارة، التي تحجب أي تطور واجتهاد إصلاحي وراء أدخنة الإرهاب ودعوات التكفير ومحاكم التفتيش، التي طالت عدداً من النخب الثقافية التي تؤمن وتتبنى الفكر العلماني التقدمي الإشعاعي النيّر، وكذلك ازدهار التعصب الديني على حساب العقل والتنوّر. وإزاء تصاعد المدّ الأصولي المتأسلم، ووسط دعوات الأنغلاق والتقوقع على الذات ووسط زعيق وضجيج القوى التكفيرية المتطرفة، وفي مواجهة الخطاب الديني المتشدد المتنكر لشرعية الاختلاف، شهدت الساحة الفكرية العربية بروز عدد من المفكرين والمثقفين النقديين العقلانيين المتنورين الداعين الى تجديد الفكر الإسلامي وإحياء التراث النقدي العقلاني فيه. ومن أبرز هؤلاء المثقفين والتنويريين الجدد: محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وصادق جلال العظم، ومحمد عابد الجابري، والشيخ الراحل خليل عبد الكريم وسواهم. وها هم يخوضون معارك سجالية حضارية وفكرية شرسة ضد الشطط التكفيري، وينتقدون الخطاب الإسلامي السائد، خطاب التعصب والسلفية المعادية للعقل. وذلك عبر مساهماتهم النيّرة وجهودهم الأكاديمية وبحوثهم الفكرية والتاريخية الجادة، سعياً لتأسيس نهضة إصلاحية جديدة وتأصيل قواعد الحداثة العقلية في المجتمع العربي الإسلامي من خلال تجديد الفكر الديني المعاصر وتنويره بالعقل، بدلاً من بقائه إرثاً متحجّراً يرزح تحت نير الأفكار والطروحات السلفية والغيبية، التي تقف سداً منيعاً أمام تطلعات الشعوب العربية المقهورة والمستلبة نحو الحرية وبناء مجتمع الرخاء والعدالة الاجتماعية. ويشير نصر حامد أبو زيد في كتابه "نقد الخطاب الديني" الى ان دعوة الإسلام في جوهرها هي دعوة لتأسيس العقل في مجال الفكر والعدل وفي مجال السلوك الاجتماعي وذلك بوصفهما نقيضين للجهل والظلم، ويميّز بين الدين، بما هو مجموعة نصوص مقدسة ثابتة تاريخياً وبين الفكر الديني بما هو اجتهادات بشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها، ليصل الى فكرته المركزية حول اختلاف الاجتهادات من عصر الى عصر ومن بيئة الى بيئة.
وأخيراً يمكن القول، أن مجتمعاتنا العربية في هذه المرحلة التاريخية المظلمة تحتاج الى ثورة ثقافية ومعرفية نقدية وعلمية ديمقراطية، وتنمية وعي معرفي عقلاني بهدف استكمال مسيرة النهضة الفكرية والعلمية التي بدأه الطهطاوي، واستعادة قيم التنوير لأجل انجاز نهضة معرفية جديدة من خلال مشروع نهضوي حضاري عربي إسلامي قادر على تجديد الفكر الديني وتخليص الشعوب العربية المضطهدة من مظاهر وأشكال التخلف والجهل والتبعية، وتأسيس المجتمع المدني المتطور والمتجدد المتفاعل مع ذاته والمنفتح على الحضارات الانسانية الأخرى.