كلمة الشاعر هنري زغيب في افتتاح المؤتمر الصحافي لإطلاق الكتاب الصوتي "أسمع بيروت بأقلامهم"

جماليا - بيروت قرأها 1,862
 

كلمة الشاعر هنري زغيب في افتتاح المؤتمر الصحافي

لإطلاق الكتاب الصوتي "أسمع بيروت بأقلامهم"

(مجلس المؤلفين والملحنين في لبنان – الاثنين 31 آب 2009)

جماليا - بيروت

لأنها بيروتُ، الحبيبة بيروتُ، عاصمةٌ عالمية للكتاب، كان هذا الكتاب الصوتي "أَسمع بيروت بأقلامهم". وأقلامُهم، شِعراً ونثراً كتبَت، بِحُبٍّ كثيرٍ وإيمانٍ عميق ببيروت ودورها ورسالتها وحضورها.

عاصمةٌ عالمية للكتاب؟؟؟ وكيف لا تكونُها، وهي أُمُّ الكتاب والكتابة والكتّاب؟

بيروت التي نَجمتُها أجملُ النجمات، أقلُّ فَرَحِنا بِها عاصمةً عالَميةً للكتاب، أن نُنْتِجَ فيها من الأنشطة أبقاها، ومن الاحتفالات أرقاها، ومن السِمعة العالَمية أنقاها، هي التي تشهد على تاريخ الكتاب منذ الصفحة الأولى من كتاب التاريخ.

بيروت التي يقال فيها الشِعر والنثر، فلا الشِعر يرتوي ولا يكتفي النثر، ويبقى كلُّ كلامٍ عليها دون وهجها في التاريخ، ودون وهجها في الحاضر، ودون وهجها في قلوبنا التي تعتز بانتمائها إليها عاصمةً غنيةً بكنوز المعرفة والثقافة، ونعتزّ بانتمائنا الى ثقافتها ونتاجها وإرثها الحضاري ومواعيدها الدائمة مع الإبداع،

بيروت التي يحلم كلّ شاعر عربي أن يقف على منبرها، وكلّ فنان عربي أن يمثِّل على خشبتها، أو يعرض أعماله في غاليرياتها أو يعزف في صالاتها، بيروت الكتاب الذي تيتَّم أيام كانت بيروت تحت النار والدمار.

فما الذي يَجمُلُ بنا أن نقدّمه لـ"بيروت عاصمة عالمية للكتاب"؟

***

مع تَقَدُّم العصر، لم يتغيَّر حضورُ الكتاب. وجميع تسهيلات الوسائل التكنولوجية والإلكترونيّة لم تُخَفِّفْ من وهجه وأهَمِّيَّته. وبعدما سعى الخبراءُ الى تبسيط الكتاب وتقريبه من القارئ بِجعله في متناول الجميع عبْر نقل مضمونه الى المسرح أو التلڤِزيون أو السينما، أو الرسوم المتحركة، أو الكتُب المصوّرة والمزيَّنة، أو نَشْره فصولاً في الصحافة، ترُوجُ اليوم في الغرب ظاهرةُ "الكتابُ الصوتيّ" شكلاً جديداً بتكنولوجيا العصر، أُسطوانات ومواقع إلكترونية متخصصة، لغاياتٍ نبيلةٍ، منها إيصال النص الى من تَحجبهم عن القراءة عاهةٌ أو إعاقة، ومنها تسهيل "قراءة" الكتاب "سَمعياً" في السيارة (خصوصاً خلال زحمة السير) أو في البيت، أو خلال رياضة المشي، أو التمارين الرياضية في النادي، أو النّزهة في الطبيعة. وبعدما كانت رفيقةَ المستمع أسطوانةُ الموسيقى والأغاني (في بيته وسيارته ومكتبه ومدرسته ونزهته وسويعات مشيه الرياضي)، فلتكن رفيقَتَه أيضاً بعد اليوم أسطوانةُ الكتاب المسموع.

ولأن بيروت هذا العام هي العاصمة العالمية للكتاب، كان البدء بكتاب مسموعٍ عن بيروت، يكون لبنانُ فيه رائداً كما هو رائدٌ في نَواحٍ أخرى إبداعيةٍ وثقافية، فيروج "الكتاب المسموع" في لبنان مثلما هو رائج في الغَرب. فالكتاب الصوتي يوسّع فرص الإصغاء إليه حين يلقيه صوتٌ مُحترف يُشدِّد على كلماتٍ معيَّنةٍ في النص، ويؤدي العبارات بشعورٍ ملوَّن، وبقراءةٍ فيها تشويق للمتابعة، ويعطي نبرةً إلقائيةً على معانٍ قد تفوت القارئ عند قراءته الصامتة في الكتاب، ما يلفت المصغي الى لغة الكتاب أو معانيه أو مضمونه العام. ففي السمْع شعور بالتلقّي لا يبلغ القارئ في قراءته الحيادية. السمْع يُدخِلُُ الى ذاكرة المصغي ما لا تُدخله عين القارئ. الصوت ينده المصغي ويُبقيه يقظاً، بينما العينان لا تشدّانه الى انتباه متواصل.

وكما بيروت رائدةٌ في الكتاب المطبوع، ها هي اليوم تطل رائدةً في هذا الكتاب المسموع "أَسْمَعُ بيروت بأَقلامهم" حاملاً مَجموعةَ نصوص شعرية ونثرية عن بيروت، بصوت الشاعر هنري زغيب (للنصوص العربية) والإعلامية الفرنسية/اليونانية داناي دوراكيس (للنصوص الفرنسية)، رافقَتْها جميعَها خلفيةٌ موسيقيةٌ من تأْليف وجدي شيّا (للنصوص العربية) وفرح شيّا (للنصوص الفرنسية).

النصوص العربية هي للأخطل الصغير (لبنان)، نَـنُّـوز (اليونان-القرن الخامس)، غازي القصيبي (السعودية)، لَميعة عبّاس عمارة (العراق)، منصور الرحباني (لبنان)، سُعاد الصُّباح (الكويت)، نزار قباني (سوريا)، مَحمود درويش (فلسطين). والنصوص الفرنسية هي لناديا خوري داغر، أندريه شديد، ناديا تويني، كلير جبيلي.

بعد إطلاق هذا الكتاب المسموع، نستشرف أن تَروج ظاهرتُهُ وتتّسع الى إصدار "كتب مسموعة" أخرى لروائع الأدب في كتب مسموعة تحمل نصوصاً كاملةً تُسَهِّل وصولَ الأدب اللبنانِيّ فالعربي، شِعراً ونثراً، الى مساحةٍ أوسع من المتلقين. وتتعمّم فائدة "الكتاب المسموع" أكثر، حين تستخدمه المدارس في الصفّ، بُلوغاً الى فوائد عدّةٍ (النص في ذاته، طريقة الإلقاء، قواعد اللغة، مَخارج الحروف، نبْرَة الوقف،...) ما يَجعل "الكتاب المسموع" حاجةً تربوية وتعليمية تتنامى وتتعمّم بين التلامذة الى جانب "الكتاب المطبوع".

ذاك كان الهدف من إطلاق هذه التجربة، كي تؤسس لتجربة تاليةٍ أوسع، نَحو كتب مسموعة مقبلة يُعِدُّها اختصاصيون تنهض معهم لدينا مكتبة مسموعة متنامية للأدب وحقول معرفية أخرى.

***

بِهذه الرؤية الجديدة صدر هذا الكتاب الصوتي "أسمع بيروت بأقلامهم".

شكراً لجهود فريق العمل في منسقية "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"،

شكراً لوزارة الثقافة التي، بسهر الوزير الصديق تَمّام سَلام، ترعى هذه الجهود التي لا تعرف التعب ولا تعرف الراحة، تماماً كبحر بيروت الذي لا يعرف التعب ولا الراحة، وكسماء بيروت التي لا تعرف ضنى الوساعة لوسع ما تزدهي بنجومها في شَعّة الجمال.

شكراً للزملاء الحاضرين معنا اليوم من وسائل الصحافة والإعلام.

هنيئاً لنا في بيروت ازدهارُ مواسمها الثقافي.

ها هي الحبيبة بيروت عادت لؤلؤةَ الأزرق المكتنِزةَ فكراً وحضارةً لا الى غياب.

تستاهل بيروت بعد، تستاهل كثيراً. وتستاهل التفاتة العالم كلِّه صوبَها هذا العام، عاصمةَ الكتاب الذي وُلِد على شواطئنا، ومنها أَبْحر الى أصقاع الدنيا يُؤَبْجِد العالَم.

هكذا تظلُّ بيروت نَجمتَنا البهيةَ في مشوار العمر.

وإليها، الى نجمة بيروت، نُهدي هذا "الكتاب المسموع" قُبلةَ وفاءٍ على جبينها العالي.