حماس وسعودة المجتمع الفلسطيني
حماس وسعودة المجتمع الفلسطيني
مهند صلاحات
بدأت حركة حماس مؤخراً بفرض مظاهر السَعوَدَة في داخل قطاع غزة الذي سيطرت عليه قبل سنتين وأعلنته "إمارة إسلامية" غير واضحة المعالم، حيث بدأت أولى مظاهر السَعوَدَة تلك بمحاكمةِ صحافيةٍ جلست على شاطئ البحر، فتم اعتقالها من قِبَلِ "درك الداخلية" بحجة عدم وجود محرمٍ معها أثناء جلوسها مع البحر الذي اعتبره أفراد الحركة أجنبياً.
هل يعقل أن يصبح البحر غريباً وأجنبياً عن أهل غزة؟ ومنذ متى كان الجلوس مع البحر جريمة يحاكم عليها القانون، ويستلزم وجود محرَمٍ بالغٍ عاقلٍ راشد!؟
أي قانون هذا الذي يجيز سحب البشر بالشوارع، وإعلان المواقف السياسية من فوق منابر المساجد، متجاهلاً التعددية التاريخية داخل المجتمع الفلسطيني، ليصبح المسجد هو مقر اجتماعات القيادة السياسية، ويمنع الخلوة بالبحر باعتبارها خلوة بأجنبي؟.
كثيرون من غير المتحزبين إسلامياً، والعلمانيين أيضاً تعاطفوا مع حركة حماس في بعد سيطرتها على غزة، لم يكن حباً في نهج حماس "الإخواني" بقدر ما كان ذلك موقفاً رافضاً لفساد محمد دحلان وعصابته. وزاد ذلك التعاطف والتضامن مع حركة حماس أكثر بعد حرب إسرائيل الأخيرة التي شنتها على القطاع، وتكاتفت كافة قوى المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن القطاع حتى خرج الإسرائيليون مدحورين منها. لكن حماس اليوم تقطع على معظم هؤلاء المتعاطفين معها الطريق، حين بدأت بسَعوَدَة المجتمع الفلسطيني بغزة، وتوشيحه بالسواد على الطريقة السعودية.
اليوم، بدأت الحركة بفرض الحجاب على الأطفال "فتيات المدارس" اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين السادسة والثامنة عشر عاماً، مهدِّدة ومتوعدة من لا يلتزم بالزيّ السعودي بأن تقوم بحرمانها من استكمال دراستها الأساسية، وهو ما يحرم الإنسان الغزاوي، من أبسط حقوقه المدنية، لتتحول حركة حماس بذلك من حركة مقاومة إلى حركة قمع وتنكيل وسَعوَدَة، وليظهر جلياً أن حربها الأخيرة على السلفيين الذين حاولوا في غزة إعلان "إمارة إسلامية ثانية" إلى جانب إمارة حماس لم تكن إلا على مبدأ "النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله".
فحماس "الإسلامية" الطابع، السعودية الثقافة، كما يظهر اليوم، تقوم وبشكل وقح بسَعوَدَة مجتمعنا الفلسطيني وفصله عن إرثه التاريخي بفرض ثقافة دخيلة عليه قسراً، دون أن تولي أي اهتمام لمحتواه الثقافي والفكري والإنساني، في حين تتباكى على قيام مصر بمنع إدخال المواد الغذائية والأساسية للقطاع. فكيف تريدنا حماس اليوم أن نتضامن معها ضدّ النظام القمعي في مصر وهي تفعل بغزة ما ترفض أن يقوم به النظام المصري وإسرائيل ضدها وضد شعب غزة المحاصر؟. هل هي حقاً سيكولوجيا المقموع التي تدفعه لأن يمارس القمع المفروض عليه تجاه من هو أضعف منه؟
ربما لا تزال الفرصة سانحة لأن تتراجع حماس عن قراراتها المجنونة والهوجاء، وأن تنظر لأمور أكثر أهمية؛ كالقضاء على الأمية في قطاع غزة، وتعزيز موقفها الدفاعي عن الحق بالمقاومة الذي يرفضه أبناء منظمة التحرير اليوم، بدلاً من تكريس التخلف والجهل والأمية عبر منع طالبات المدارس من متابعة تعليمهن الإلزامي دون الالتزام بالملابس السعودية التي قد لا يملك أهاليهن ثمناً لها.
هي دعوة لقيادات حماس لمراجعة أنفسهم مرة أخرى، بما يقومون به في غزة، حتى تظل غزة قلعة الصمود الفلسطيني الأخيرة بعد أن تحولت بقية مدننا الفلسطينية في الضفة مرتعاً للمحتل يدخله متى يشاء ليعتقل ويقتل وينكّل في السكان، وكي لا تلعب هي ذات الدور الذي نرفض كفلسطينيين أن يمارسه أيٌ كان علينا كشكل من أشكال القمع، وإن كنا لا زلنا من منطلق واقعي نطالبها أصلاً بحل ما تسميه "حكومة إسماعيل هنية"، والعودة لنهج المقاومة، فنموذج محاولة بناء الدولة في الضفة فشل ولن ينجح كيان آخر في غزة محاصر من إسرائيل ومصر، والبحر الذي تعتبره حماس أجنبياً.
* كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الأردن