المُشبَّهُ بالفِعل

أحمد زكارنة قرأها 328
  

المُشبَّهُ بالفِعل

بقلم: أحمد زكارنة *

من مأثورات الفعل الإنساني القول: إننا لا نكذب ولكننا نتجمل.. لتُكتشف الكارثة الكبرى.. إننا لا نكذب ولا نتجمل، ببساطة شديدة لأننا لا نملك جرأة الفِعل. كانت في طريقِها تَعبرُ بين الكلمات حينما توقفت لتقولَ: كيف لي أن أمرَّ من هنا على عجلةٍ من أمري..؟! تعال أحدثكَ عن ثلاثِ خوالج قُيدت بين شفتي دون أي مبرر.

*

يوماً ما فتحت بريدي الذي أغلقته منذ زمنٍ ما الذي ظهر لي ..؟!

رسالة من ملاك مُرسَل "كفاكِ غياباً ف لن تموتي"!!

أنا بنفسي شهدت جنازتي في ظل أوضاعنا الراهنة.. فكيف قرأت هذه الرسالة وكيف فعلاً لم أمت..؟!

*

هي لم تنه حديثها بعد، ولكن سؤالها المثقل بالتفاصيلِ الخانقة كان كالصاعقة، وقعُ خُطاي تخطى الحدود إلى قاعِ أعماقِِ قلبي العليل.. ضارباً كياني كما يضرب الزلزال الأرض.. للحظات انتابني شيء من الارتباك. ولكن سرعان ما جمعت قواي قائلاً:

سيدتي أما فيما يخصّ جدلية "الزمكان" تلك النظرية التي وضعها السيد "اينشتاين" ورحل، وحتى لا نُفسّر الماء بعد الجهدِ بالماء.. جديرٌ بنا الإدراك: أن أكثرَ القلوبِ غربةً، تلك التي تعرفُ أنها في صلبِ كيانِها غريبةً، أو لربما تكون في أفضلِ حالاتِ حضورِها، معلقة في النسيان. وللدلالة أكثر.. لك سيدتي أن تنظري كيف يعيش الإنسان في وطنهِ لاجئاً.. ممنوعاً من الفكر.. ممنوعاً من الاجتهاد.. ممنوعاً من العمل.. والأهمُ أنه ممنوعٌ من النظرِ في الأمل، حتى أنني لا أشك لحظةً في قدرتِهم على الحيلولة دون تواصل الرجل وزوجه، والحقّ يُقال إننا جميعاً لاجئون في أوطاننا. نعم أنا أدرك حقاً أنك استقبلتِ رسالة ذلك الملاك المُرسل، وتستغربين كيف قرأتها وأنت في حضرةِ الموت؟! أعتقد أنني لا أشي بسرٍّ لو قلت: إنه انبعاثُ حبٍّ ضَخ بين جوانبكِ شيئاً من الحياة.. حبّ فاضح انتظرتهِ طويلاً في زمنٍ قصير القامة، إلى أن أتاك على غفلةٍ متأخراً عن سنن التقويم، بينما كنت في غيابك القسري تقرئين أولى حروف البسملة.

على أيةِ حال وحتى لا أُطيل، كانت تلك أولى الخوالج، فماذا عن الثانية؟؟. قالت:

طفلٌ صغير شدَّ طرف معطفي وأنا في الحافلة وبيده دفتر ما؛ يبدو أنه مجدٌّ وإلاَّ ماكان ليسألني: - خالة خالة، ماهو إعراب "إنَّ مصير التفكير الشرقي فاضح"، وكيف نقدّر جواب حرف المشبه بالفعل..؟ التزمت الصمت طويلاً أمامه، فبالإضافة إلى ضعفي في نحت مصير هذه الأمة قد قرعت أذني ما قاله آخراً.. "مشبهٌ بالفِعل".

قلت ما بك سيدتي: لا تطرحين إلا تلك الأسئلة المعكوسة؟!. أما المُشبهُ بالفعل بحسب اللغة هو ذاك الحرف "إنّ" أو "أنّ".. ولكن صغيرنا هنا تخطّى بفكره حدود اللغة ضارباً على أوتارِ وجع تلك الأمة، فهو برغم حداثة سنه أدرك أن التفكيرَ العربي في حلِّ قضية الوطنِ الفلسطيني، إنما كان كمن يُشبع رغبة المحتل في الاحتلال.. فمنهم من راح ينبطح، ومنهم من أشاح بوجه من شدة الانكسار، ومنهم من مسخ فكر الآخر، ومنهم من هرب، ومن توارى، ومن في ذاتيته انتحر. صغيرنا سيدتي.. يبدو أنه كان هناك ينافس الشاعر في حب القدس مدينته حينما قال: "في القدس.. من في القدس إلا أنت" ونحن نستمع، ونستمتع. ونصفق.. لكن صغيرنا أبى إلا أن يبرهن عن حبه للقدس، فأشاح بالأقنعة عن وجوهنا.. عن صمتنا.. عن قبحنا.. عن ذلنا، ليصرخ معلنا أن مصيرَ الأمة وفكرها وفعلها قد افتضح.. أتعلمين لماذا سيدتي؟! لأنها أهملت فلسطين، ونست العراق، ولم تشبع حنين لبنان، وتركت سوريا ما بين بين.. فقط عقدت مؤتمراتها واجتماعاتها لتعلنها في وجه العالم صرخة مدوية: إن في فض غشاء البكارة تكمن كل الفضائح!!.

سيدتي بالله عليك لا ترهقي قلبي، يكفي أنه بات لا يميز بين سنوات العمر والعهر.

قالت: ولكنك لم تجبني عن سؤالي الثالث والأخير، كي أتمكن من تحديد حجم خسارتي فقط جراء تحرير هذه النقاط..!!.

قلت: سريعاً هاتي ما عندك.

قالت: غصةٌ تقتلني كلما أدرت اسطوانتي لأُباشر الرقص على أغنيتك المفضلة هل أنا بخير أم أن غموض الوتر جعل مشاعري معلقة في رسائلِ هات ..؟! وماذا عن الوطن وحضنه الدافئ؟!.

قلت: بالله عليك إلى أين تسيرين بي؟!. هل لرجل شرقي أنهكته الحياة أن يحصر جل تفكيره في الرقص والأغنيات.. عفواً سيدتي لقد نسيت أنك حرّرت تلك النقاط، وأن هناك بوناً شاسعاً ما بين قديم أغنياتنا وحديثها، وان أولي الأمر منا كلما اجتاحنا محتل وضعوا كل خزائن الدولة تحت تصرف منتجي الفيديو كليبات.. حتى أن مشاعرنا أصابها العطب بعدما كانت تتمايل كأغصان الشجر كلما تمايل اللحن على أنغام صوت سيدة الغناء العربي "أم كلثوم"، أو حينما كنا نهيم شوقاً عندما تقرع الآذان رقة وعذوبة العندليب، فهل تعتقدين أن هكذا قلوب ترضى لك الخسائر، أو أنها فقط ستحصر الفعل في تلك الرسائل. ورغم ذلك سيدتي أذكر أننا تحدثنا سابقاً عن" الرقص على أوتار الجنون".. عندما رأيتك هناك وأنت تتمايلين كحورية ترقص بين مروج الهذيان، معلنةً أن العقلَ قد فُقد ما بين الحقول، وأن المشاعر كالجنون لا تعلق في رسائل هاتف، فكيف لنا أن نخلط السمّ بالعسل؟!. وهل هناك من دفءٍ يُشبه دفء حض الوطن آدم، أو إن شئت فلنقل آدم الوطن؟!.

لك سيدتي حرية التفكير ولي الآن أن أرحل.

* كاتبوإعلامي فلسطيني نائب رئيس نقابة العاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيونة الفلسطينيةالتوقيع: مجنونةٌ انت حقا .. ولكن جنونك طهرٌ من الخطايا وواحةُ ايمان.. لو أدركهابن آدم لتوضأ داخله الشيطان..

ahmadzeko1971@hotmail.com