نداء إلى الشيعة: العلمانية هي الحل
نداء إلى الشيعة: العلمانية هي الحل
طالب المولي
أبرز ما نتج عنه البرلمان الجديد (في الكويت) هو الزيادة في عدد النواب الشيعة، وهذا ما استدعى أن يشعر الشيعة بالحبور لهذه النتيجة والذين لم يحصلوا على هذا العدد منذ عام 1975، وجعل الكثير من أبناء الطائفة يستبشرون خيراً بالعدد الكبير لنوابهم في مجلس الأمة، ولكن المثير أن الكثير من أبناء الطائفة الشيعية من أتباع التيارات الدينية كانوا من أشد المعارضين لشخص "د. معصومة المبارك" لأنها تمثل تياراً وطنياً و"د. رولا دشتي" لأنها غير محجّبة، وفي سؤال تم طرحه عليها عما إذا كانت تنتمي إلى الطائفة الشيعية؟ أجابت بل هي تنتمي إلى الكويت الوطن الكبير، وكانت بعيدة كل البعد عن استغلال المذهب، خصوصاً في دائرة الطائفة الشيعية، ناهيك عن الطامة الكبرى التي اقترفتها الدكتورة معصومة بنظرهم، وهي مصافحتها للرجال، وهي جريمة لا تغتفر، وهذه الغضبة المفتعلة لم تكن إلا من أجل التسويق لفكرة الحفاظ على الكيان الشيعي في البرلمان وضرورة وجود الصوت الشيعي الديني، والذي وضع نفسه قيّماً على الأخلاق والمتطلبات المذهبية الضيقة التي لا تتعدّى مسجداً هنا أو حسينية هناك.
وهذا ما حدا بالنائب الوطني السابق المرحوم سامي المنيس بمطالبة أن تراعي الدولة أثناء توزيع المناطق السكنية الجديدة تحديد المساجد لكل طائفة في كل منطقة سكنية حتى يتم الابتعاد عن الغبن الذي يمكن أن يقع على طائفة دون أخرى، ولكن لم يكن لهذا الاقتراح أي صدى من الحكومة، مما يجعلنا نفكر ونتيقن بأن الحكومة وراء هذا التأزيم الخاص بمساجد الشيعة لا المتشددين من السُنّة.
والإشكالية التي لا يستنكف أبناء الطائفة على بثها ونشرها هي أن الوجود الشيعي معرض ومهدّد لضربات المتشددين من المذهب المخالف أو الطائفة المضادة، وكأننا نعيش حالة حقيقية من الصراع بين المذهبين، وهي في الحقيقة لا تتعدى أن تكون حالة خلقها الكهنة الدينيون المتسلطون على المذهبين لديمومة هذا الصراع لضمان بقائهم ووجودهم.
إن حالة الاحتقان الطائفي بين المذهبين سببه ضعف وعي أبناء الطائفة بأن الحقوق العقدية والدينية، قد كفلها الدستور الكويتي الذي يقسم عليه جميع النواب بلا استثناء، ومنها ما يختص بحرية المعتقد المادة (35): 'حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب'.
وبهذه المادة تستطيع الطوائف الدينية المختلفة أن تعيش في ظل هذا القانون دون أدنى شعور بالخوف من هيمنة طائفة على أخرى، ولكن لوجود هذا الضعف في الوعي والتغييب المتعمد لثقافة الديمقراطية تظل الطائفة تعيش في 'غيتوهات' معزولة عن المجتمع الكويتي إلى مجتمع طائفي ضيق يسهل اختراقه وعزله عن الوطن الأم، كما حدث لليهود في العصور القديمة في أوروبا، ما حدا بالفيلسوفين الكبيرين مندلسون وسبينوزا اليهوديين بالدعوة إلى ضرورة اندماج اليهود في أوطانهم ومشاركتهم لمجتمعاتهم، حيث كان اليهود يشعرون بنفس العقدة والشعور بالخوف من تلاشي ثقافتهم وفقدانهم للهوية اليهودية.
وما ذكره د. سعد البازعي في كتابه القيم 'المكوِّن اليهودي في الحضارة الغربية' حول دور اليهود الأساسي والمهم في تأسيس الفكر العلماني الخاص بفصل الدين عن الدولة، وتأصيل فكرة الدولة المدنية القائمة على حقوق المواطنة بمعناه الشامل والواسع، ولإبعاد اليهود عن الغيتوهات وحالة الانعزال عن المجتمع. وهذا ما يمكن أن يطلق على الشيعة في الخليج وحالة الانعزال من المشاركة الحقيقية والفعالة في المجالس النيابية بطرح مشاريع لتأصيل قيم الديمقراطية والمشاريع التنموية من خلال المشاركة مع التيارات الوطنية لا الدينية.
ولكن لايزال الفكر العلماني ونظامه العالمي، هاجساً يقلق المتأسلمين خوفاً على سلطة النظام الديني وضياع نظامهم القائم على نبذ الآخر بل إلغائه، التأسيس للنظام العلماني بات ضرورة ملحة لانتشال المجتمع من هوة سحيقة، نتيجة التجاذبات الفقهية العقيمة حول عقائد يدور حولها الخلاف منذ القدم وتستمر في الوقت الراهن ويرجح تواصلها في القادم من الأيام.