الخروج من كبرياء الذات
الخروج من كبرياء الذات
بقلم: د. اسكندر لوقا
إنه حقاً الامتحان الصعب هذا الذي أشير إليه في العنوان. أن يخرج الإنسان من منزله أو من مكان عمله، مسألة لا تحتاج إلى تفسير. بيد أن خروجه من ذاته للقاء الآخر مسألة تحتمل لا التفسير فقط بل حتى الدراسة، ذلك لأن الإنسان حين ينغلق على ذاته، ينقلب إلى ما يشبه الصدفة التي تروح وتجيء مع الموج على شاطئ البحر، إلى أن تلتقطها يد تلهو بها أو تدوسها بالقدم.
الخروج من الذات طرف من أطراف هذه المعادلة الصعبة، أما أن يخرج المرء من كبرياء ذاته فتلك مهمة لا يقاربها في الصعوبة سوى التخلي عن القيم كافة، تلك التي تضفي عليه صفة الإنسان بين شركائه في الإنسانيّة بالدرجة الأولى والانتماء إلى الوطن بالدرجة الثانية.
هذه المعادلة يتجنب الأخذ بها العديد من الناس، وخصوصاً هؤلاء الذين يعتقدون أنهم فوق صنف البشر، والأقرب من سواهم إلى السماء، كأنما تضخيم الـ "أنا" ينفع صاحبها، وبالتالي يجعله يؤمن بأنه حقاً يفوق من حوله حكمة ونفوذاً، بينما الأصح هو اعتبار التواضع لا الترفّع مدخلاً للحكمة والنفوذ، هذا في حال توافرت مكونات بناء الشخصية لدى صاحب هذه الـ "أنا" المريضة على سبيل المثال.
إن مجتمعاتنا الراهنة، لا يضيرها أن تكون فقيرة أو سائرة على درب المعرفة أو الاكتفاء، مقارنة مع مجتمعات أخرى لم يسبق لها أن تعرَضت لما تعرّضت له مجتمعاتنا لأسباب موضوعية لا ذاتيّة، ومن هنا لا نرى صحة المقولة التي تفيد بأن الفقر ضعفٌ في المكانة بين البشر وأن الغنى قوةٌ في المكانة إياها. إن الفقر مرض يكمن في الرأس والنفس، ولهذا لا يضير الفقير أن يكون بحاجة للبحث عن المعرفة، كما يضير الغني أو القوي الادّعاء بأنه الأقدر على إذلال الآخر لأن ذلك لا يجدى نفعاً "على حد تعبير الأب الدكتور جورج مسوح في سياق مقالة له سبق أن نشرت في إحدى الصحف العربية"، ذلك لأن سلوكاً كهذا، كما أتصور، مع رؤية الأب مسّوح للمسألة "ينفر ويبعث على الشرذمة، والأخطر من ذلك كله أنه يفضي إلى الانقسام" وبمعنى ما يفضي إلى الانقسام في البيت الواحد أو المجتمع الواحد، ما يدعوني إلى القول بأن تخطّي معادلة التواضع في التعامل مع الآخر، كالسير على شفا هاوية لا يدري السائر متى تنزلق قدمه ويسقط على الأرض .
السيد المسيح غسل أقدام تلاميذه، وترك قطيعاً من الأغنام بحثاً عن غنمة واحدة ضلّت طريقها، ولم يهدأ له بال حتى أعادها إلى القطيع. كذلك هو واجب القاضي تحت قوس العدالة، والمعلم بين تلاميذه في قاعة الدرس، والضابط في معسكر التدريب، والمفكر في مخاطبة قرائه أو المستمعين إليه، والكاهن والشيخ في قاعة الكنيسة وبهو المسجد .
في سياق هذه المعادلة يستقيم الخلق، وتتوافر لدى الإنسان مكونات جعله قدوة يسير من خلفه الآخرون، بل ويسعون إلى تقليده مثلاً أعلى لهم وفي أعينهم. ومثل هذه المعادلة تزداد اتساعاً كلما كانت القدوة قدوة حقيقية في نظر الصغار قبل الكبار، والجهلة قبل المتعلمين والمرضى قبل الأصحّاء.
فهل تراه يتّعظ من يظن أنه الأقدر على ممارسة الفوقية لا التفوّق وهذا هو الأهم بين أطراف هذه المعادلة، معادلة التوازن في الذات أو مصالحتها بتعبير آخر؟
إن التقوقع داخل الذات يقارب حالة حبْسها، وبإرادة صاحبها، داخل قفص حتى إذا كان هذه القفص مصنوعاً من ذهب.