الزمن في الرواية السورية
الزمن في الرواية السورية
بقلم: نـذيـر جعفـر
بعد عدد من الكتب والدراسات النظرية النقدية عن مفهوم وبنية الزمن الروائي وأنواعه، ووظائفه، وعلاقته بالزمن الفيزيائي، والزمن التاريخي، ثم بالمكان، أصبح من الضروري الالتفات إلى تمظهراته وآليات اشتغاله في العمل الروائي عبر قراءات تطبيقية تبرز أشكاله وخصوصيته وتقنياته في كلّ نصّ على حدة.
وفي هذا السياق تأتي هذه القراءة للزمن في الرواية السورية من خلال عدد من النصوص التي تتلاقى حيناً، وتتباين حيناً آخر، في سبل الاشتغال عليه وتوظيفه فنيّاً بما يعزّز مقاصدها الدلالية والجمالية.
الزمن وتقنياته:
أطلق تودوروف على زمن المادة الحكائية الخام، أي الأحداث في شكلها ما قبل الخطابي، مصطلح: (زمن القصّة). فيما أطلق عليه الشكلاني الروسي توماشفسكي مصطلح: (زمن المتن الحكائي). ويمكن الاستدلال على هذا الزمن والمدة التي يستغرقها من خلال التأريخ للأحداث، أو الإشارات الزمنية المتناثرة، أو ذكر بعض الوقائع، والشخصيات المرجعية، والمعارك، والمعاهدات، والثورات، التي تحيل ضمناً لا نصّاً على تاريخها.
أما (زمن الخطاب) الذي أطلقه تودوروف على نظام ظهور الأحداث، وأسماه توماشفسكي: (زمن المبنى الحكائي)، فهو الزمن الذي تعطى فيه القصّة زمنيتها الخاصّة. وهو زمن خطّي، لا يتطابق أو يتوازى مع زمن المتن، بل يتقاطع معه ويعيد تشكيله تبعاً للنظام الذي يظهر فيه عبر تقنيات الاسترجاع (السرد الاستذكاري)، والاستباق (السرد الاستشرافي). وتلعب تقنيتا الوقف، الاستراحة (Passe)، والمشهد (Scene) دورهما في تبطيء أو تعطيل إيقاع الزمن، كما تلعب تقنيتا الخلاصة، والحذف (الإسقاط، القفز)، دورهما في تسريع إيقاع الزمن.
إنّ الرواية غالباً ما تعنى بتحديد زمن متنها، سواء أكان ذلك تصريحاً أم تلميحاً، بغرض تأطير أحداثها من جهة، والإيهام بواقعيتها من جهة ثانية، وإحداث أثر نفسي وجمالي من جهة ثالثة، ولا سيّما في الروايات التي يشكّل فيها الزمن وانعكاساته وإحالاته الاجتماعية والسياسية ثيمة رئيسة.
ويمكن تصنيف الرواية السورية ودراستها زمنيّاً تبعاً لنسقها الزمني الصاعد، أو نسقها الزمني المتقطّع، أو نسقها الزمني الهابط.
ـ النسق الزمني الصّاعد:
يعرض لنا هذا النسق بداية زمن الحكاية، ثم تتتابع الأحداث فيه تتابعاً زمنياً (كرونولوجياً) كما تتتابع الجمل على الورق، ونجد مثاله في رواية حنّا مينه الأولى: (المصابيح الزرق)، وفي روايتي محمد أبي معتوق: (جبل الهتافات الحزين)، و(القمقم والجنّي).
ففي رواية حنّا مينه: (المصابيح الزرق) يتم تحديد زمن المتن الحكائي ببداية الحرب العالمية الثانية ونهايتها، وذلك عبر الإشارة الزمنية الصريحة لبدء تلك الحرب صبيحة الثالث من أيلول عام (1939). وينحو الخطاب منحى النسق الزمني الصاعد الذي تتتابع فيه الأحداث خطّيّاً، عبر متوالية تعلّق اللاحق بالسابق، بعيداً عن توظيف تقنية الاسترجاع إلا فيما يتعلّق بحكاية هروب أبي فارس من معسكر الجيش التركي. وفيما تؤدي الوقفات الوصفية (وصف الطبيعة بشكل خاص ص65)، والمشاهد الحوارية دورها في تبطيء إيقاع الزمن. فإن تقنية الحذف: (سنة ونصف السنة مرت على اليوم الذي أوقف فيه فارس ص 159). وتقنية الخلاصة: (كان بشارة القندلفت هذا خادماً قديماً في إحدى كنائس المدينة، ولم يكن على تناسب مع مهنته، فلا هو بتقيٍّ، ولا هو بصالحٍ، على أنه خادم كنيسة وكفى ص 83). تسهمان في تسريع هذا الإيقاع.
ويتّخذ محمّد أبو معتوق من الوحدة السورية المصرية 1958، وما تلاها من تحوّلات في الستينيات والسبعينيات متناً حكائياً لروايته: (القمقم والجنّي). وتبرز في سياق هذا المتن أحداث مفصلية لها وقعها الخاص في الذاكرة الجمعية وفي وعي أبطال الرواية، منها الانفصال في العام 1961، ونكسة حزيران 1967، وثورة آذار 1963، ورحيل عبد الناصر 1970. ويتم تخطيب هذا الزمن عبر تتابعه الخطيّ (الكرونولوجي) الصاعد الذي يراعي المنطق الخارجي لتتابع الأحداث كما في روايته السابقة: (جبل الهتافات الحزين)، لا عبر المفارقات والاستباقات والاسترجاعات التي تشظّيه وتكسر تسلسله ورتابته.
ويلجأ الراوي في تسريع وتيرة السرد والتقدّم بالأحداث إلى تقنية الحذف التي تسقط فترة زمنية محدودة من زمن الحكاية، مستخدماً إشارات معيّنة في ذلك: (بعد سنوات نجحت حميدة الهلالي.. ص37)، (بعد أسبوع تم الزواج ، ودخلت انتصار إلى عش الزوجية ص318)، (بعد ليال من اختفاء عاتكة الجلالي واحتراق الفرن وموت حمزة الواقدي.. ص113). كما يوظف تقنية التلخيص التي تختزل فترة زمنية طويلة للغرض نفسه دون إشارات تذكر: (كبرت وعد السيوفي في ظلال والدها ووحدته العاتية. وعندما لم تنفع كل الوسائل في استعادة الأم، قرّر أن يتزوّج ص 317).
إن روايات هذا النسق الزمني غالباً ما تخلص لمفهوم الحبكة التقليدية على مستوى الأحداث وزمنها: (بداية وسط نهاية)، أو (بداية عقدة حل)، متوخيّة جذب القارئ، وخلق وحدة الانطباع لديه عن الأحداث والشخصيات ومصائرها.
ـ النسق الزمني المتقطّع:
يعرض لنا هذا النسق فترة ما من زمن الحكاية الراهن، ثم تتوالى الأحداث فيه متقطّعة بتقطّع أزمنتها عبر سيرها الهابط من الحاضر إلى الماضي، أو الصاعد من الحاضر إلى المستقبل. ونجد أمثلته في رواية هاني الراهب:(المهزومون)، ورواية حيدر حيدر: (الزمن الموحش)، ورواية عبد الكريم ناصيف: (الخروج من عنق الزجاجة)، ورواية نبيل سليمان: (دلعون)، ورواية فوّاز حدّاد: (المترجم الخائن)، ورواية حسن حميد: (أنين القصب)، ورواية غسّان كامل ونّوس: (أوقات بريّة)، ورواية عادل محمود: (إلى الأبد ويوم).
ففي رواية هاني الراهب: (المهزومون)، يمتد زمن المتن من طفولة الراوي في الخمسينيات حتى شبابه في مطلع الستينيات، زمن كتابة الرواية. ونستدلّ عليه من الوحدة القائمة بين مصر وسورية، والثورة الجزائرية، والاضطرابات التي شهدتها العراق آنذاك. ويتم تخطيب هذا الزمن عبر تقنية الاسترجاع في المقام الأول، التي تقوم على التذكّر والتداعيات والانتقال من اللحظة الراهنة إلى الماضي. وتسهم هذه التقنية في إضاءة الشخصيّة من الداخل وملء الفجوات التي تثريها وتعمّق دلالتها، كما تشدّ الانتباه وتكسر رتابة السرد.
وفي رواية حيدر حيدر: (الزمن الموحش)، يتحدّد زمن المتن في أواخر الستينيات، لكن هذا الزمن الذي يشكّل ثيمة رئيسة فيها يمتد عبر الاسترجاعات البعيدة والقريبة ليستعيد أحداثاً وشخصيّات من التاريخ، وليشمل طفولة الراوي وشبابه أيضاً. ونستدل على راهنيته من هزيمة حزيران، وعلى ماضويته من الشخصيّات التاريخية المرجعية مثل الحجّاج، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية. وتلعب المفارقات الزمنية ما بين الراهن، والماضي، والمستقبل، دوراً رئيساً في تخطيبه.
ويبدو زمن المتن الحكائي في رواية عبد الكريم ناصيف: (الخروج من عنق الزجاجة) ممتدّاً من الوقت الراهن إلى الماضي القريب الذي يغطي مرحلة الشباب في حياة الشخصيات الرئيسة. ويتمّ تخطيب هذا الزمن بالانتقال من الحاضر إلى الماضي عبر تقنية الاسترجاع التي تنفتح على ماضي الشخصية بشكل خاص، بغرض تصوير المفارقة بين ما كانت عليه وما آلت إليه. ويتناوب نوعان من الأزمنة على النهوض بالبرنامج السردي: الأزمنة التقريرية المرتبطة بالمشاهد الحوارية الدرامية بين وداد ووديع، وبالتأملات الفلسفية لنذير العزّوز والأزمنة السردية المرتبطة بوصف رحلة الصيد إلى أرواد، والسهرات الليلية عند الغجر، وولائم الطعام. وفي حين يستدعي النوع الأول التوتّر والانفعال العاطفي والوجداني، فإن النوع الثاني يستدعي الاسترخاء والتذكّر.
وفي رواية (دلعون) لنبيل سليمان، يمتدّ المتن الحكائي من أواخر السبعينيات حتى الوقت الراهن، ويمكن الاستدلال عليه من خلال الإشارات الزمنية المرتبطة بأحداث العنف المسلّح، وأسماء القوى التي كانت طرفاً فيه، والصحف التي كانت توزّع سرّاً، وموديل سيارة الغولف 1977، واتفاقية أوسلو، والعناوين الحقيقية لبعض الروايات الصادرة، وأسماء بعض الكتّاب والشعراء المعاصرين: أدونيس، سليمان العيسى، إلياس خوري، بو علي ياسين، حيدر حيدر، هاني الراهب، الطيّب صالح. لكن هذا الزمن يخترق بإرجاعات بعيدة تمتدّ أحياناً إلى طفولة الشخصيّة المحورية (دريد)، ولا يقدّم بتواتره التتابعي، إنما يتم تخطيبه عبر نسق متقطّع قوامه التداخل والاسترجاع والاستباق والمفارقات التي تتناوب ما بين الحاضر والماضي في حركة بندولية دائبة.
ويمكن الاستدلال على زمن المتن الحكائي في (المترجم الخائن) لفواز حدّاد من خلال الإشارات الزمنية التي ترد في سياق البنية السردية: (قبل بضع سنوات، في الشهر الأخير من عام مضطرب، كان العالم مشغولاً بالتهديدات الأمريكية للعراق ص17)، (بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 اهتزت صورة العالم في نظرها ص163)، (ففي 20 آذار من عام 2003 شنّت قوات التحالف الأمريكية البريطانية حرباً كاسحة على العراق ص 405). تلك الإشارات تحدّد زمن المتن بسنوات قبل الحرب على العراق وأثناءها وبعدها، لكن زمن الخطاب لا يتواتر بهذا الشكل الخطيّ بل يبدأ من الراهن، ثم ينتقل عبر تقنيتي الاسترجاع والاستباق ممتداً إلى الماضي البعيد والقريب، فالمستقبل في حياة البلد والشخصيات والمشهد السياسي والثقافي. ويسهم هذا اللعب بالزمن في ترهين الماضي على مستوى الأحداث والشخصيات ليبدو مستمراً وساخناً حتى اللحظة الحاضرة، كما يحرّر السرد من رتابته الناجمة عن أحادية الراوي الكليّ المعرفة الذي لا يصوّر الشخصية وهي تفعل، قدر تصويره إياها وهي تقول. إنه زمن درامي بامتياز، فهو زمن الأحلام والمقاومة والالتزام والشعارات الثورية، كما هو زمن الإحباط، وزمن تراجع المشروع القومي والأممي أيضاً في وجه العولمة المتوحّشة.
ويمتد زمن المتن في رواية حسن حميد: (أنين القصب) من الانتداب البريطاني على فلسطين، مروراً بنكبة 1948، ووصولاً إلى نكسة 1967 وما بعدها. لكن هذا الزمن لا يتواتر في المبنى الروائي بشكله التتابعي بل يتم تخطيبه عبر تقنية الاسترجاع، والحواشي، والتذييلات، بالانتقال من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى الحاضر. وهذه التشظية للزمن تترافق وتتناغم مع تبدل في المكان والأحداث والشخصيّات مما يمنح السرد حيويته، وقدرته على شدّ انتباه القارئ، وتحفيزه على الربط بين مسافة سردية وأخرى، وإطلاق مخيّلته في إعادة تشكيل سياق النّص ومآله.
إن زمن (أنين القصب) زمن تراجيدي يرشح بمأسويته التي ما زالت تلقي بظلالها حتى اليوم. إنه زمن اغتصاب الأرض، وقتل وتهجير أصحابها، كما أنه زمن المقاومة الشعبية والتضحيات الكبيرة.
ويمتدّ زمن المتن الحكائي في (أوقات بريّة) لغسان كامل ونّوس، ما بين الماضي(السبعينيّات) والحاضر(الثمانينيّات) وُيستدل عليه من الإشارات الزمنية المتعلقة بالحرب الأهلية اللبنانية، والتفجيرات التي حصدت أرواح الأبرياء. لكن هذا الزمن لا يقدّم في الخطاب بتتابعه الخطيّ، بل يخترق عبر تقنيتي الاسترجاع والاستباق بأنساق زمنية متقطّعة من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى الحاضر أو ما بينهما. فالاستباق يتكرّر على لسان الراوي سعيد: (سيمضي وقت طويل قبل أن تستطيع التعرّف على مفردات الحارة، كائنات وعناصر وعلاقات ص5). (سيأتي إليك بعد قليل، وسترافقه إلى مكان اعتاد أن يذهب إليه ص100). فيما يبدو الاسترجاع تقنية أثيرة لدى الراوي في استعادة صور الماضي سواء أكانت ذكريات، أم أحداثاً، أم شخصيات: (كان حدثاً غير عادي أن صار في ضيعتنا سيّارة. لم نفكّر في نوعها، شكلها، أو لونها، يكفي أنها تمشي على دواليب ص 102).
وفي رواية عادل محمود: (إلى الأبد ويوم) يمتد زمن المتن الحكائي ما بين 1948 و2007. وهو الزمن الذي يبتدئ بنكبة فلسطين، وتأسيس جيش الإنقاذ، مروراً بالوحدة السورية المصرية 1958، والانفصال 1961، وهزيمة 1967، ثم حرب تشرين 1973 التي شارك فيها الراوي، فأحداث الثمانينيات، وصولاً إلى الوقت الراهن.
ويتم تخطيب هذا الزمن التاريخي عبر تقنيات الاستباق والاسترجاع التي تكسر تتابعه ليغدو زمناً متعدّد الأبعاد يتداخل فيه الحاضر بالماضي، والمعيش بالمتذكّر في اللحظة نفسها. وهذا اللعب بالزمن يسرّع وتيرة السرد ويحرّره من رتابته، ويحفّز المتلقي على الانتباه عند الانتقال من مسافة سردية إلى أخرى.
إن ذكر سنوات بعينها لم يأت اعتباطاً، إنما جاء ليشير إلى مفصليتها وأهميتها في حياة الراوي، وحياة مجتمعه وجيله. وهي سنوات ارتبطت بالهزائم والخيبات والأحلام أيضاً. وهذا ما يجعل من زمن الرواية زمناً درامياً يخفي في طياته أشكالاً متعدّدة من الصراع في الداخل والخارج تنعكس على أبطال الرواية عبر مواجهتهم لأنفسهم وشروط حياتهم القاسية في مجتمع متحوّل تتناهبه آمال ومصالح وتيارات عدّة.
إنّ روايات هذا النسق غالباً ما تحاول التجريب والمغامرة على مستوى التعامل مع الزمن، وتراهن على قارئ نوعي يعيد ترتيب مفارقات زمن الخطاب فيها من خلال الخيط الرفيع الذي يربط ما بين الأحداث وفواعلها. كما تتحرّر من ترسيمة الحبكة التقليدية، فتبدأ من نقطة ما قد تكون في الوسط أو البداية أو النهاية ثم تناور زمنياً عبرها ما بين الأزمنة الثلاثة في المشهد الواحد أو حتى في العبارة الواحدة أحياناً.
ـ النسق الزمني الهابط:
يعرض لنا هذا النسق نهاية زمن الحكاية، ثم يبدأ بالنزول تدريجيّاً عبر المفارقات الزمنيّة وصولاً إلى بدايتها أو أصلها. ونجد أمثلته في رواية وليد إخلاصي: (رحلة السفرجل)، ورواية خيري الذهبي: (لو لم يكن اسمها فاطمة)، ورواية نهاد سيريس: (حالة شغف)، ورواية لؤي علي خليل: (عين جوريّة)، ورواية نيروز مالك: (جبل السيّدة).
في رواية وليد إخلاصي (رحلة السفرجل) التي أطلق عليها مسمّى (حكاية) يستغرق زمن المتن ثلاثة أيام فحسب، تبدأ باستيقاظ الراوي عبد المعين الذي يعيش وحيداً في منزله، وتنتهي بركوبه القطار المسافر إلى دمشق. لكن هذا الزمن القصير يُخترَق باسترجاعات زمنية بعيدة وقريبة تغطّي فترة طفولته، ودراسته الثانوية، والجامعيّة، وأحداث الثمانينيات، وعمله بعد التخرّج، ومشاريعه الهندسيّة، وأحلامه، وقصّة حبه لثرّيا، وخطبته لفاطمة وزواجه، ثم حياته الأسرية مع بناته.
وما بين اللحظة الراهنة التي يعيشها السفرجل والماضي البعيد والقريب تتوالى الأحداث المُسترجعة والمعيشة عبر التداعي والتذكّر والمونولوج والديالوج لتضيء العالم الداخلي للسفرجل وشبكة علاقاته الخارجية التي تربطه بالوسط المحيط.
أمّا في رواية خيري الذهبي: (لو لم يكن اسمها فاطمة) فإن زمن المتن يمتدّ من الأربعينيات حتى مطلع الألفية الثالثة. ونستدل عليه من الإشارات الزمنية المتعلّقة بتأريخ اللوحة التي رسمتها فاطمة في العام 1943، ومن فترة الاستعمار الفرنسي لسورية، والحرب العالمية الثانية، ومن تاريخ تسلّم الحزب للسلطة في الستينيات، وكتابة ونشر الرواية التي تبدأ أحداثها في الزمن الراهن(2003).
ولا يُقدّم هذا الزمن في الخطاب بتتابعه (الكرونولوجي) من الأقدم إلى الأحدث، أو عبر ترسيمة تعلّق اللاحق بالسّابق كما في رواية حنّا مينه الأولى (المصابيح الزرق)، إنما عبر تشظيّه ما بين الوحدات السردية من الحاضر إلى الماضي، أو من الماضي إلى الحاضر، من خلال تقنيات الاستباق والاسترجاع والمونولوج الداخلي. مما يمنح السرد ديناميته وحيويته، ويتيح للراوي في صيغه المتعدّدة إمكانية اللعب الزمني، وحرية الانتقال والحركة بين أزمنة مختلفة في المشهد الواحد.
وفي (حالة شغف) لنهاد سيريس يتحدّد زمن المتن في العام 1998، ويتم اختراقه بأنساق زمنية من الماضي تمتد ما بين عامي: 1936 و 1950، وهي الفترة التي تستغرق جزءاً من سيرة الشيخ نافع وعلاقته بوداد. ومن هنا فإن زمن الخطاب الروائي لا يتوالى على نسق واحد من الماضي إلى الحاضر، إنما يتناوب زمنياً ما بين الحاضر والماضي، والماضي والحاضر.
ويلجأ لؤي علي خليل في روايته : (عين جورية) في سرده للأحداث، وتصويره للشخصيّات، إلى تقنيتي الاسترجاع، والتلخيص، بشكل خاص. وعبرهما ينتقل من الراهن إلى الماضي، ومن الماضي إلى الراهن في حركة بندولية تسرّع إيقاع السرد ولا تتوقف عند حدّ. وهذا ما نلاحظه في استرجاع ماضي الشيخ يوسف في حلب بنزعته النوستالوجية التي تكشف عن ولعه بأحيائها وعاداتها، على الرغم من الذكريات التي تثير الأسف والحزن في نفسه عليها. وفي استرجاع ماضي الأستاذ رشيد الديك في اللاذقية ودمشق وأحيائهما وما فيه من علاقات ومغامرات جنسية متعددة ألّبت عليه جيرانه حيثما ارتحل وحلّ. وفي استرجاع حياة أبي صلاح في الجيش وذكرياته في الحروب التي خاضها، وفي استرجاع ماضي الشيخ غزوان وبيت عابدين وصراعاتهما على المخترة. وغالباً ما يأتي هذا الاسترجاع تلخيصاً للخطوط العريضة في حياة الشخصيّة الروائية كاشفاً عن انتمائها وعقيدتها وأحلامها وعلاقاتها وسلوكها، والفجوة بين ماضيها وحاضرها.
ويمتد زمن المتن الحكائي في رواية نيروز مالك: (جبل السيّدة) ما بين دخول حامد إلى (خمارة الشباب) وخروجه منها ثملاً، ثم وصوله إلى البيت! لكن هذا الزمن القصير الذي لا يتجاوز بضع ساعات يُخترق بإرجاعات زمنية بعيدة وقريبة تغطي فترات متعدّدة من حياة حامد، وحياة الشخصيات المحيطة به: (فاطمة، مراد، زينب).
وتلعب تقنية الاسترجاع عبر التداعي أو التذكّر أو المونولوج الدور الرئيس في تخطيب تلك الإرجاعات الزمنية. فحامد يسترجع أيام عمله في السكك الحديدية، وفاطمة تسترجع طفولتها في القرية، وحكاية جارهم عبد الجواد وزوجته زليخة مع الجنّ. وزينب تسترجع أحلام شبابها، وعلاقتها مع (الفرسان الأربعة) بعدما رماها حظها العاثر في أحضانهم، ومراد يسترجع حكاية زواجه من زينب، والظروف التي أبعدته عن أهله.
خلاصة واستنتاجات:
إن الغاية من هذه القراءة النقدية لتمظهرات الزمن في نماذج مختلفة من الرواية السورية ليست إصدار أحكام القيمة على هذا العمل أو ذاك، وليست التصنيف ووضع الحدود بين نسق زمني وآخر، فهذه الأنساق تتداخل أحياناً في العمل الواحد إلى الحدّ الذي يصعب فيه الفصل ما بينها. إنّما الغاية مقاربة أشكال اشتغال الرواية على الزمن وتقنياته، ومعرفة المستوى الفنّي الذي بلغته في هذا المجال. وقدا بدا للدارس أن الروائي السوري حقّق إنجازاً مهماً في اشتغاله على الزمن، وفي توظيفه فنيّاً ودلالياً، بما يعزّز تجربته ويدفع بمغامرته الإبداعية إلى أوسع مدى. كما بدا له أن نسق الزمن المتقطّع يكاد يهيمن على مجمل التجارب الإبداعية الجديدة التي تتوخّى التجريب وكسر المألوف، فيما يتراجع نسق الزمن الصاعد الذي لازم الرواية التقليدية على وجه الخصوص، وما يزال النسق الزمني الهابط يحافظ على موقعه بين هذين النمطين بوصفه تقنية للتشويق، وعنصراً بنائياً في الحبكة الروائية القائمة على الحكاية أولاً وأخيراً.
كما لاحظ على مستوى المتن الحكائي انشغال الروائيين بفترتي الخمسينيات والستينيّات بشكل خاص، فيما تعاملت مقارباتهم للزمن الحاضر المستمر بشيء من الحذر الموسوم بالتلميح العابر دون الدخول في التفاصيل ومعاينتها.