من يريد استعادة زوج مثل هذا؟ - قصة قصيرة

نبيل عودة قرأها 931
  

من يريد استعادة زوج مثل هذا؟

قصة قصيرة

بقلم: نبيل عودة

وصلت مدام نديم برفقة صديقتها الى محطة الشرطة، قلقة ومضطربة وتكاد الدموع تتدفق من عينيها.. ولولا صديقتها المخلصة التي تتأبط ذراعها وتمسح عرقها وتهمس لها مطمْئنة: "سنجده.. ستجده الشرطة.. لا تقلقي"، لسقطت على الأرض مغشياً عليها.

كانت متوترة للغاية.. وفوراً توجهت للشرطي المناوب:

-       زوجي ضاع.. خرج ولم يعد.. أريد أن تجدوه لي.. اذا لم يتناول دواءه اليومي قد يموت!!

وفوراً أُدخلت الى غرفة ضابط مسؤول.

-       ارتاحي يا سيدتي، واهدئي.. انا سأعالج الموضوع.

-       الموضوع لا يحتاج الى علاج.. أريد ان تجدوا زوجي.. خرج صباحاً ولم يعد.. ليس من عادته.. انه مريض.. ويجب ان يتناول دواءه وإلا.. آه.. يا ويلي..

-       حسنا سيدتي اطمئنّي.. لا داعي للقلق.. هذه وظيفتنا أن نجد المفقودين.. عليك ان تعطينا بعض التفاصيل..

-       زوجي ضائع وأنتم تريدون تفاصيل.. تفاصيل مفاصيل.. من يهتم للتفاصيل.. أريد ان تجدوا زوجي وكفى.

وحاولت صديقتها ان تهدّئ من روعها..

-       مدام نديم ياصديقتي.. أنت مضطربة.. الضابط يريد وصفاً للسيد نديم حتى يجدوه..

وقال الضابط بفراغ صبر:

-       اهدئي ياسيدتي.. سأجلب لك كوبَ ماء.. خذي راحتك..

وقدم لها الضابط كوبَ ماء بارد. فأفرغته دفعة واحدة. قال:

-       اطمئني.. سنجده.. بالطبع نحتاج منك الى معلومات حول عاداته وشكله و..

قاطعته:

-       أقول لك زوجي ضائع وأنت تقول لي معلومات..؟

وجفّفت دموعها..

-       ما اسمه يا سيدتي؟

نديم.. السيد نديم.

-       صفيه لنا..

نظرت مدام نديم بوجه الضابط، فكرت، وانتعشت قليلاً، وبان بعض الهدوء على محيّاها

-       زوجي طويل القامة..

 قاطعتها صديقتها:

-       مدام نديم.. يا صديقتي..

أشارت اليها بيدها بحركة غاضبة ترفض المقاطعة:

-          ياصاحبتي.. أنا أعرف زوجي أفضل منك..

احمرت وجنتا صاحبتها، وصمتت.. ولكن في وجهها بان عدم الارتياح.

-       زوجي طويل القامة..

 قالت بحيوية وارتياح وكأنها لم تكن قلقة مضطربة قبل لحظات. وتابعت:

-       طوله.. أظن حوالي مترين.. أليس كذلك ياصديقتي..؟

الصديقة تبدو مصدومة وغير مصدقة ما تسمع.. وتمتمت بما يفهم ان الوصف صحيح.

-       جسمه رياضي.. أسود الشعر.. قوي العضلات..اسمه نديم.. نسكن قرب العين الفوقا.

-       قلتِ إنه مريض... وقد يموت.. وهذه صفات لرجل قوي لا يعرف المرض..

-       أجل أجل.. يتناول دواء يومياً.. بسب رشح خفيف ألمّ به.

-       أي لا يوجد خطر الموت.. حسناً.. متى خرج، وما هي عاداته اليومية؟

-       كان يجب ان يعود ظهراً.. ليس من عادته أن يفوت وجبة الغداء ظهراً. وها نحن في المساء ولم يعد.

بانت الحيرة على وجه الضابط.. خاصة وان الصديقة بدت مرتبكة وشيءٌ ما يجعلها أكثر اضطراباً من مدام نديم. ألقى قلمه على المنضدة، تأمّل مدام نديم، تأمّل صاحبتها.. هزّ رأسه بعدم استيعاب.. وسأل:

-       ولكنك تصفين إنساناً مسؤولاً وعاقلاً وغير مريض، ربما انشغل مع بعض أصدقائه..

-       أصدقاء.. لا أصدقاء لزوجي.

عادت علامات الحيرة إلى وجه الضابط.. وسأل بعدم اهتمام:

-       ماذا كان يرتدي؟

-       بنطالاً رمادياً، حذاءً رياضياً وقميصاً أزرق اللون..

حاولت الصديقة أن تقول شيئاً، فأشارت لها مدام نديم ان تصمت. قال الضابط بملل:

-       اعطني رقم تلفونك.. ونأمل خيراً.. هل تحملين صورة له؟

-       وتريدون صورة له.. هل صار مشهوراً مثل مايكل دوغلاس؟ لا أحمل صورته معي..

-       سأرسل شرطياً لأخذ صورة له.. الصورة تساعدنا على العثور عليه بسرعة.

-       لا أعرف أين صوره.. لا أعرف..

-       عودي الى البيت.. وابحثي عن صورة.. سيحضر شرطي لأخذ الصورة.

 قالها بطريقة توحي ان المقابلة انتهت. أعطته رقم تلفون المنزل، وغادرتا مبنى الشرطة.. وهي تردد:

-       جدوه بسرعة.. لا أريد ان يتعرّض لمكروه.

خارج مبنى الشرطة نطقت الصديقة ببعض الحيرة والعتاب:

-       تفاصيل زوجك ليست صحيحة.. كيف سيجدونه؟

-       هل تعرفين زوجي أكثر مني؟

-       يا صديقتي، ماذا جرى لك.. زوجك طوله متر ونصف وأقرع، وله كرش ضخمة، ومصاب بمرض النسيان، ولا رياضي ولا بطيخ.. يدبّ على عصا ويسير بصعوبة؟

نظرت مدام نديم باستهجان لصاحبتها وقالت بحزم:

-       ومن يريد استرجاع زوج مثل هذا؟!

نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com