الجيلالي وكلبه - قصة قصيرة
الجيلالي وكلبه
قصة قصيرة
عزيز العرباوي
الجيلالي فلاح بسيط ومكافح. إنه مزارع جيد في حقول الأغنياء. وإنه من أسرة بسيطة ويعزّ عليه ترك أرضه وقريته والذهاب إلى المدينة حيث الحياة السائدة هناك هي الانحراف والفساد الأعظم، انحراف الإنسان عموماً، إنه عاشق لقريته النائية البعيدة عن المدينة الكبيرة العصرية. بدا مؤخراً يستغرب لماذا تأخذ قريته لوناً جديداً غير اللون الذي كانت عليه لقرونٍ خلت. ويستغرب أكثر عندما يرى فسيفساء المدينة تملأ قريته عن كاملها، عرف كل هذا وهو يرتاد بيوتها.
الكلب "بوبي" كما كان يحب أن يسميه لم يعد على حاله الطبيعي منذ أسابيع، إنه المرافق الوحيد له في حياته، فهو يعرف وفاءه العظيم لذلك كان يحبه كثيراً وكان يحقق له كل رغباته. وذات يوم أبيض حيث كانت الشمس حاملة في أشعتها قوة جبارة من الدفء والحرارة رجع الجيلالي من عمله بحقل أحد أغنياء القرية مارّاً بحزام الحقول الخضراء المنتشرة على الطريق المؤدية إلى بيته. وعند وصوله إلى بيته البسيط الكائن في بقعة أرضية يتيمة ورثها عن أبيه، دخل إلى البيت فسمع أنيناً يصدر من داخله وأحسً في الحين أنه صوت كلبه الوفي. ثم تعمّق أكثر إلى غرفته التي ينام فيها ليلاً فشاهد صاحبه يتمرغ في وسط الغرفة ويتلوّى من أثر الأم فأدرك أنه قد أصابه سوء ولا بدّ له من أن يحمله إلى بيطريٍّ متخصّص. وإذ هو يستعد لحمل الكلب إلى الطبيب سمع طرقاً على الباب. يبدو أن الطارق على عجلة من أمره. فتح الجيلالي الباب وأخرج رأسه يطل على الرجل الذي حمله على تأجيل حمل كلبه إلى الطبيب:
- مساء الخير. الجيلالي، كم مرة استعطفتك أن تمنع كلبك من الاقتراب من كلبتي؟ يا رجل! علِّمه كيف يحترم شرف الجيران ويضرب حساباً للعواقب.
بقي الجيلالي فاتحاً فمه ولم يفهم ماذا فعل كلبه بكلبة جاره وكان يعرف أن "بوبي" لا يقْدم على عمل كهذا مادام صاحبه يحقق له كل طلباته المتتالية، ماذا فعل كي يعاقبه هذا الجاهل بحقوق الكلاب بهذه الطريقة البشعة؟ وهل يعاقَب العاشق على عشقه؟ هذا الجاهل يستحق السجن لهضمه حقاً من حقوق الكلاب المشروعة.
لم يجب الجيلالي على استفسارات جاره الجاهل وعاد إلى غرفته وحمل "بوبي" بين يديه وغادر البيت متوجهاً إلى الطبيب.
وضع الجيلالي الكلب على طاولة مستطيلة أمام الطبيب لفحصه وكان الكلب ينبح بضعف ويتوجّع ألماً يعتصر جسده. ولما انتهى الطبيب من الفحص وبشيء من القسوة في الكلام خاطب الجيلالي:
- كيف خوّلتْ لك نفسُك الآثمة أن تفعل به هذا؟ ما الذي فعله هذا الكائن المسكين الوفي ليستحق منك كل هذا؟.
وباستغراب شديد ردً الجيلالي:
- لم أفهم قصدك يا دكتور، أوضح، ماذا به "بوبي"؟ ماذا حصل له؟.
وبشيء من الحقد الدفين لم يبد عليه، قال الطبيب:
- بعملك هذا قد أفقدته القدرة الجنسية إلى الأبد. العقاب لا يكون بهذه الوحشية أيها المجرم.
وبنفس الاستغراب قال الجيلالي:
- أنا لم أفعل له شيئاً. في المساء رجعت إلى البيت من عملي كالعادة، ووجدته على هذه الحالة فنقلته إليك مباشرة. لكن، تذكرت، قبل أن أحضره إلى هنا جاءني جاري التهامي وهدّدني بمنع كلبي عن كلبته والتفكير في العواقب. فهمت، هو من فعل به هذا يا دكتور، هو من أفقده كل شيء. اللعنة عليك أيها الجار الخبيث!!..