ورود الشوارع - قصة قصيرة
ورود الشوارع
قصة قصيرة
ندى موسى
الجو ربيعي ولكنه غير بديع، كيف يكون بديعا وغزة محاصرة بكل ما فيها، أي جو يستطيع أن يحمل الندى والنسائم المنعشة مع الخراب والدمار؟ في جو مثل هذا خرجت في الصباح الباكر. وأنا في طريقي نحو محطة الحافلات ومنها للتوجه نحو جمعية خيرية للتطوع فيها، مررت بمئات الوجوه الكئيبة، المنكسرة، الحالمة بشيء اسمه الخلاص، فلم يعرني أحد أدنى اهتمام. من يهتم بمن!! فالكل يسبح في بحر الحزن والسواد. دخلت المحطة بانتظار الحافلة فارتسـمت على وجـهي بحـيرة من الكآبة، إذ رأيت عـدة أطـفال أعمارهم بين التاسعة والحادية عشرة.. العذاب يمر من حدقاتهم، وتبدو على وجوههم أشياء أكبر من البؤس، وأكثر بكثير من الحزن، كنت انظر إليهم وهم يتسولون من هذا وذاك وأنا أنسج صراخاً صامتاً في خاصرة الهواء. ظلت عيناي لا تفارقان تلك الوجوه والأجساد الصغيرة والمصفرة، وحين اقترب بعضهم مني واخترقتني أصوات الرجاء الخارجة من الحناجر المتعبة، عرّش القهر في حناياي، أصابني دوّار في رأسي، وكدت أغادر المحطة بقلب شارد على خطوط التيه، غير أنني بقيت في مكاني حين هاجمتني تساؤلات كثيرة: أين حقوق وهؤلاء الأطفال؟ أين أهلهم؟ أين المسؤولون؟ أين..؟ أين...؟
انتقلت من محطة الوقوف إلى محطة الجلوس، جلست على المقعد الخشبي وأنا لا أعرف ماذا افعل، فليس باستطاعتي تقديم أي شيء لهم، وبينما كنت جالسة والدموع تغلبني، رأيت طفلة ليس فيها إلا البراءة، ترتدي ثياباً بالية وتمدّ يدها نحو الركاب السائرين إلى حتفهم، حينئذ اشتعلت الحرائق في جسدي وفي دمي. اقتربت الفتاة مني، فرأيت فيها الطيبة، ورأيت أن وجهها كان متألقاً كجبين الصباح ذات أمس قريب، ولكنه اليوم صار عنوانه الحزن والألم الذي لا يشبه الألم. هل أعطيها شيئا؟ وإذا أعطيتها هل يكون ذلك صواباً؟ لو تجاهلتها وابتعدت عنها هل هو الصح أم الخطا؟ كل هذه الأسئلة كانت تدور في رأسي وأنا انظر إليها بحرقة. فجأة طلبت منها أن تجلس إلى جانبي، فاستجابت دون تردد، وبعد لحظات عرفت أنها يتيمة وتسكن عند عمتها، ولم أستطع السيطرة على دموعي بعد أن بعثرني العذاب نثاراً للريح وامتلأت ضفاف قلبي بالعوسج. جاءت الحافلة وتركت قلبي الكسير مع تلك الطفلة التي لم تخرج من ذاكرتي لحظة واحدة، نزلت من الحافلة ورحت أدور في الشوارع كالبيكار في برزخ من نار، ثم توجهت نحو جمعية لحقوق الإنسان وكل همي أن أساعد هؤلاء الأطفال الذين شردتهم الحرب، دخلت الجمعية وناقشت الأمر مع المسؤولين، اقترحت عليهم أن نمد يد العون للأطفال لنحميهم ونحمي المجتمع، وكم كنت سعيدة حين اقتنع المسؤولون بأفكاري التي طرحتها عليهم.
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تزقزق العصافير كنت في محطة الحافلات بانتظار هؤلاء الأطفال، ولم أنتظر، أخذت الجميع إلى الجمعية بعد أن أقنعتهم بأنني وجدت لهم عملاً شريفاً، ولم يمر وقت طويل حتى امتلأت الجمعية بأطفال كثيرين ومن كل أنحاء غزة، وكان عملهم هو جمع المخلفات من كل مكان وتقديمها لمن يعيد تصنيعها وبيعها من جديد، وكم كنت سعيدة حين فرغت الشوارع من الأطفال المتسولين، ويالها من بسمة ارتسمت على وجوه هؤلاء الأطفال وما زالت، ولكن مع هذا، ما زالت طيور كانت في يوم ما بيضاء تحلق في سماء غزة وتطلق زقزقات غريبة وكأنها تقول: واعرباه.