رئيس البلدية عام 48- يوسف الفاهوم- أنقذ الناصرة من التشريد والضياع

نبيل عودة قرأها 2,606
 

رئيس البلدية عام 48- يوسف الفاهوم-

أنقذ الناصرة من التشريد والضياع

هل هو الإهمال المعيب أم المؤامرة المعيبة وراء التغييب الكامل خلال ستين عاماً لدور أبي عاطف؟

هل البلدية قادرة على تصحيح هذا الخطأ المخجل ؟!

بقلم: نبيل عودة

منذ بداية وعيي، كان اسم يوسف الفاهوم يتردد على لسان والدي وأعمامي من دار عودة، بصفته المنقذ لأهل الناصرة من التشريد ومن مواجهة آلة الحرب الصهيونية، التي لم تستطع كل الجيوش العربية مواجهتها وهزمها في حرب العام 1948.

أعرف من ذكريات والدي وأعمامي ان الجيش اليهودي الذي دخل الناصرة، قام بعمليات نهب وسلب للبيوت الواقعة على أطراف المدينة خاصة منطقة الخانوق (المدخل الشمالي) والتي لجأ أهلها الى دير مار يوسف (اليوم مدرسة شاملة متطورة) ومنهم أقاربي. ولكن مصدراً موثوقاً لا يريد أن أذكر اسمه، قال لي بعد ان نشرتُ هذا المقال بصحيفة "الأهالي" المحلية، قال لي ان الجيش حقاً دخل بعض المنازل للحصول على بعض الأغذية ولكن النهب الحقيقي للأثاث ولوازم البيت قام به مواطنون عرب...

بالمقارنة بين مصير الناصرة والمصير المأساوي لمدن حيفا وطبريا وصفد وقرى "صفورية" والمجيدل ومعلول القريبة من الناصرة، تتضح صورة مذهلة للنكبة الفلسطينية.. في ذلك الوقت المبكر!!

ومن هنا تتضح حكمة وصواب موقف رئيس بلدية الناصرة عام 1948 يوسف الفاهوم وقدرته على اتخاذ القرار الصحيح والصعب في أكثر الأوقات سواداً على الشعب الفلسطيني، وعلى أهل مدينته- الناصرة. ولا بد من سؤال صعب، هل كانت مدينة الناصرة تملك القوة لصد احتلالها؟ وهل كان الجبيش العراقي القريب من الناصرة جاهزاً للدفاع عن المدينة؟ وهل كانت لدى الفرق المسلحة العربية في ذلك الوقت القدرة على المبادرة.. والحديث عن 16 تموز 1948، بعد ان كانت الحركة الصهيونية قد أعلنت عن قيام دولة إسرائيل وحصلت على اعتراف المجموعة الدولية، وصار واضحاً حجم الهزيمة العربية والمصير الأسود للمشردين الفلسطينيين وللمدن الفلسطينية، يافا والرملة واللد وحيفا وعكا وطبريا وصفد والمجدل، وأن الجيوش العربية لم تتلق الأوامر للدفاع أو تقديم المساعدة العسكرية للمقاتلين الفلسطينيين، وانها ممنوعة من دخول المناطق التي خصصت للدولة العبرية حسب قرار التقسيم، والمؤسف ان الباحثين العرب مقصرون في كشف الحقائق المذهلة والمؤلمة في التاريخ الفلسطيني، وما يكشفة مؤرخون وباحثون يهود أمثال (ايلان بابه) و(هيلل كوهن) وغيرهم أكثر صدقاً وأقرب للحقيقة من كل الكتابات التهريجية العربية.. وتشكل إدانة للحركة الصهيونية أفضل من كل الحقائق العربية.

لو تصرفت الناصرة بناء على أوامر المفتي الحاج أمين الحسيني، الذي غادر فلسطين منذ عام 1937 واستقر في القاهرة، لكان سكان الناصرة وقراها مبعثرين في المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان والأردن... ولبقيت فلسطين بلا نواطير الوطن المتمسكين بتراب وطنهم، والصامدين ضد العنف والإضطهاد والإرهاب ومحاولات طمس هويتهم وتراثهم ولغتهم.

كل الدلائل تشير الى ان قرار الاستسلام، والوصول الى وثيقة رسمية لشروط الإستسلام تضمن حقوقاً أولية وتوفر الحق بالبقاء في الوطن، التي قام فيها يوسف الفاهوم، أنقذت الوجود الفلسطيني داخل الوطن، وتحول العرب في داخل إسرائيل الى قوة فلسطينية تقلق الحركة الصهيونية وتقف حجر عثرة في وجه مشاريعها لجعل الدولة العبرية وقفاً على اليهود فقط.

لا شك لديّ ان قرار التوقيع على الإستسلام كان الخيار الأفضل وبعيد الرؤية.

وما زلت حتى اليوم أتساءل عن غياب اسم هذا القائد العَلَم يوسف محمد الفاهوم، من إحداثيات الناصرة، وعدم جعله اسماً مرادفاً لاسم الناصرة في وعي الاجيال الجديدة التي تكاد تجهل المصير الأسود الذي كان ينتظر هذه المدينة وأهلها، لولا القرار الحكيم والشجاع لرئيس بلديتها في عام النكبة، بأن يمنع احتلال الناصرة عسكرياً بالقوة، حتى يمنع مصيراً مشابهاً لمصير العرب في حيفا ومصير أكثر من 500 بلدة عربية هدمت وهجرت وارتكبت فيها المجازر الرهيبة.

YousefFahoom00.jpg

كان قراره عكس كل توقعات القيادات "الوطنية" التي تمثلت بمفتي فلسطين الغائب في القاهرة، آمناً على نفسه، ومكتفياً باصدار التوجيهات التي لا علاقة لها بواقع الشعب الفلسطيني. لذا ليس بالصدفة، وهذا أعرفه من ذكريات كبار السن في عائلتنا، ان يوسف الفاهوم كان معارضاً ومنتقداً لسياسات الحاج أمين.

صحيح انني لست مؤرخاً، ولكني ابن لهذه المدينة، التي أنقذتها حكمة يوسف الفاهوم بقراره الصعب، التفاوض مع المحتل اليهودي على التسليم والحفاظ على حقوق أهل الناصرة، وعدم تهجيرهم، كما كانت تصل الأخبار المرعبة من سائر أنحاء فلسطين.

أعود بخيالي الى الوراء... وأرى مصير الناصرة. مثل مصير جارتها صفورية من الشمال ومصير جارتها المجيدل من الجنوب ومثل مصير حيفا وطبريا وصفد وعكا ويافا. ان مقاتلي صفورية ومقاتلي المجيدل أبلوا بلاء بطولياً. ويبقى السؤال هل كانت قوة عربية قادرة على حماية بطولات شعب فلسطين في مقاومة عدو مدجّج بالسلاح استطاع (رغم انه ليس دولة)...ان يجند مقاتلين أكثر من كل الجيوش العربية وان يمتلك سلاحاً جوياً أفضل من طائرات الاستعراض العربية؟!

ونعرف اكثر من ذلك، ان الجيوش العربية التي قاتلت في فلسطين، لم تدخل المناطق، التي أُقرت للدولة اليهودية، حسب قرار الامم المتحدة لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.

هناك قصص كثيرة سمعتها من المسنين في عائلتي عن "ماكو اوامر" حتى لانقاذ مقاتلين صامدين، كما حدث في الفولة ( العفولة ) وكان الجيش العراقي قرب جنين.. وكان رد القائد العراقي على طلب النجدة من مقاتلي الفولة البواسل "موكو أوامر". أي ان الجيوش العربية جاءت للاستعراض وعملياً "موكو أوامر" تعني الموت للمقاتلين الفلسطينيين من جهة وتنفيذ قرار التقسيم من جهة أخرى. والغريب ان دولاً عربية سلمت لليهود خلال "الحرب"(!!) وبعد الحرب مناطق شاسعة من الأرض الفلسطينية، حتى التي خصصت للدولة العربية حسب قرار التقسيم.

اذن التوقيع على استسلام الناصرة كان إنقاذاً لها ولأهلها، بدونه كانت الناصرة اليوم نسخة مكررة عن طبريا وصفد مثلاً وليس حصراً... مدينة يهودية مع كنائس مسيحية يديرها بعض الكهنة، حتى ليس من الكهنة العرب، وجوامع مهدمة تبكي أهلها.

وقد استطاع يوسف الفاهوم، أن يحصل على اتفاق استسلام يشمل بنوداً تحمي أهل الناصرة وأملاكهم، والأماكن المقدسة في المدينة وأن يعامل سكان الناصرة بمساواة كاملة.

YousefFahoom01.jpg

جاء في نص الاتفاق: "يتعهد القائد العسكري حاييم لاسكوف، بصفته ممثلاً لحكومة إسرائيل المؤقتة، أن يحمي الأماكن المقدسة، الكنائس، الأديرة وسائر الأماكن الدينية المسيحية لمدينة الناصرة ومحيطها": وبنداً هاماً آخر جاء فيه: "ان حكومة إسرائيل، الممثلة بالقائد العسكري، تعترف بحق مواطني الناصرة بالمساواة في الحقوق المدنية مع كل مواطني إسرائيل، دون فرق في الدين أو الجنس أو اللغة". وكان بنداً يشترط ان يواصل رئيس البلدية يوسف الفاهوم إدارة الشؤون البلدية لصالح السكان المدنيين في الناصرة. وقد استطاع منع التسيب العسكري داخل الناصرة، ومنع الاعتداء على حرمات البيوت للتفتيش عن أسلحة مثلاً إلا بوجود ممثل لرئيس البلدية.

قد يبدو ما طرحته استسلاماً... وهو موقف صعب بكل المقاييس، ولكن الحقيقة المرة ان الناصرة وقراها (كما هي الحال في سائر فلسطين)، تركت فريسة للأقوى دون أن يكون هناك الا خيار آخر رهيب: التشريد أو الموت!!

من المؤكد، أن تهجير الناصرة وما كان يرافق التهجير من مآسٍ، يعني بقاء مجموعات سكانية فلسطينية مبعثرة بلا عمود فقري يسهل تهجيرها او تذويبها، وانهاءً كاملاً لبقاء عربي داخل إسرائيل... وغياب مدينة مركزية (مثل الناصرة) التي تحولت الى علم نضالي وعاصمة سياسية للجماهير العربية!!

نحن نحاول ان نمحو من ذاكرتنا، انصع ما في تاريخنا.. بدل ان نحول اسم يوسف الفاهوم الى نموذج للقائد الوطني، ومقياساً انسانياً للمخلص لقضايا شعبه.. أجد أننا نُغيِّب هذه الأسماء، وكأنها تشكل "خطراً" على أسماء خَرَّبت ومزقت ولم تخدم أي قضية وطنية او سياسية او اجتماعية... انما خدمت اسمها فقط، ولو تعمَّقنا بفكر نقي وعقل سليم، لاكتشفنا عمق الخداع الذي عشناه وما زلنا نعيش بقاياه، في الموقف من التاريخ الماضي خلال ستين عاماً.

حان الوقت ان تصبح الناصرة، بأحيائها وشوارعها ومدارسها ومؤسساتها سجلاً للأسماء العظيمة، ومبعثاً لفخرنا بمدينتنا وقوميتنا.

وعلى رأس هذا السجل، شخصية انقذت الناصرة، والناصرة تعني المقياس البارومتري للواقع العربي في إسرائيل، منذ النكبة وحتى اليوم.

ألا يستحق مثل هذا الانسان، بحسه الوطني، وبعد نظره، وقدرته على اتخاذ القرار الصحيح في اكثر اللحظات صعوبة ومأساوية، محكّماً عقله وحكمته، ألا يستحق ان نطلق اسمه على مدرسة، على شارع، على مؤسسة تعليمية عليا، لماذا نغيّبه في طي النسيان؟ هل هذه وطنية؟!

بل ألا يستحق ان نسمي باسمه أكثر من موقع وأكثر من مكان؟!

أليس من العار أن نتجاهل شخصيات نصراوية أخرى، رؤساء بلديات، مربين، أدباء وعلماء أنجزوا لمدينتهم وللعالم أجمع، إنجازات ثقافية وعلمية وإدارية، لا يمكن الاستهانة بها؟

هل نخجل ان لأبناء الناصرة مثل هذه الإنجازات؟! كيف يمكن تفسير ان الناصرة لم تخلِّد ذكرى شخصية هامة وحاسمة في بقاء الناصرة، مدينة عربية؟!

أليس من العار ان الأجيال الجديدة لم تسمع بهذا الزعيم النصراوي؟! يوسف الفاهوم توفي عام 1969، أي مضت أربعة عقود على وفاته، وهي مناسبة لنحتفل بشخصية مركزية في حياة مدينة الناصرة.

ونكرمه، ونكرم أبناء عائلته، الذين أثبتوا انهم ظلوا مخلصين لتاريخ يوسف الفاهوم وصلابته وعقلانيته وبعد نظره.

لنجعل من ذكرى يوسف الفاهوم، تقليداً وطنياً نصراوياً وفلسطينياً، نجدد فيه التمسك بالعقلانية التي ميزته وبالقدرة على رؤية الاتجاه الصحيح في أحلك ساعات الظلام.

لنجعل من سيرة حياة يوسف الفاهوم، ومواقفه، نموذجاً للوطنية الصادقة، وجزءاً من تاريخ هذه المدينة وصمودها واستمرارها.

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com