رؤيتـان

عطية مسوح قرأها 1,312
 

رؤيتـان

عطية مسّوح

في كل مرحلة من مراحل نضال الوطنيين والتقدّميين، وتجاه كل قضية كبيرة تتصل بمصالح الوطن والشعب، كان المخلصون يسعون إلى توحيد التوجهات والمواقف والجهود من أجل تحقيق أهداف محددة. وكثيراً ما كان هذا السعي يصطدم بعقبات ومعوّقات، لو عُدنا إلى دراستها لوجدنا أنها ذاتية ناتجة عن تقديم بعض المسؤولين والقادة والمتنفذين مصالحهم الخاصة على المصالح العامة، والبحث عما يثبّتهم في مواقعهم أكثر من البحث عما يقوّي الحركة ويدفعها إلى الأمام.

وتتنوع مستويات السعي الوحدوي حسب الظرف وطبيعة القوى، فهناك سعي لتوحيد المواقف إزاء هذه القضية الوطنية أو تلك، وهناك سعي لتوحيد الجهود من خلال الاتفاق على نشاطات محددة في مرحلة ما أو إزاء مهمة ما، وهناك سعي إلى توحيد المؤسسات التنظيمية ذاتها.

وهذا السعي الأخير يأتي عادة لتوحيد أطراف حزب ابتلي بالانقسام، أو حركات مستقلة نشأت في ظروف معينة على قاعدة سياسية أو فكرية واحدة أو قواعد متقاربة.

وقد حققت بعض الحركات السياسية نجاحاً في مساعيها التوحيدية في أكثر من بلد عربي، كما حدث في اليمن الجنوبي حين توصل عدد من الأحزاب والفصائل إلى الاتحاد في الحزب الاشتراكي اليمني، وكما حدث في سورية حيث نجحت فصائل شيوعية ظهرت إثر انقسام الحزب الشيوعي السوري في الوصول إلى وحدتها وذلك في المؤتمرين السادس والسابع، وكذلك في خطوات وحدوية حقّقها الحزب السوري القومي الاجتماعي وغير ذلك.

ومن يتابع طرح هذه المسألة على مختلف المستويات، يجد أن ثمة رؤيتين لدى دعاة الوحدة المخلصين في طرحهم الوحدوي.

أولى الرؤيتين، هي التي تقوم على التماثل. وهي تنطلق من أن الوحدة والتماسك يعنيان أن يكون جميع أعضاء الحزب أو المؤسسة متماثلين في الأفكار والآراء والمواقف إزاء كل القضايا العامة والتفصيلية، وأن يعتقدوا جميعاً بصحة أفكار القادة أو القائد ولا يتعارضوا مع هذه الفكرة أو تلك، وأن يكتفي من يظهر لديه رأي خاص بطرحه داخل إطار هيئته الحزبية الضيقة، وألا يخرج به إلى العلن، وأن يترك أمر البتّ بمصيره للمسؤول أو للهيئة المسؤولة، وأن يخضع لقرارات (الأكثرية) أو (الأعلى).

هذه الرؤية خبرها أعضاء الأحزاب العربية كلها، من يسارها إلى يمينها، وخبرتها الشعوب من خلال مواقفها من بعض الحكومات الديكتاتورية المتسلطة، وحملت للأحزاب والشعوب الكثير من المآسي والويلات، وأبقتها في إطار الضعف والتخلف.

واتضح من خلال التجارب أن الوحدة الظاهرية كانت تخفي مضامين ليست واحدة، وأن الحرص على التماثل كان يؤدي إلى موت الكثير من الأفكار النيّرة التي قد تظهر لدى هذا المفكر أو ذاك، وهذه المجموعة أو تلك، وأن عوامل الانقسام والتشظّي كانت كامنة تنتظر أية فرصة لتطيح بكل ما ظنّه القادة وذوو النفوذ راسخاً ومتيناً.

عانينا ـ نحن العرب ـ أشد المعاناة من أنظمة قمعية يدّعي القائمون عليها أنهم ينطلقون من الحرص على وحدة الشعب في مواجهة الأخطار المحدقة بالوطن، ويروّجون فكرة مفادها أن حرية النشاط السياسي للأحزاب والأفراد وحرية الفكر والتعبير عن الرأي وغير ذلك من الحريات التي أصبحت في العصر الحديث روح الحياة الاجتماعية والسياسية، تؤدي إلى ضعف المجتمع وتفتته، وأن البديل هو الالتفاف حول الحكومة أو الزعيم الذي يمثل الشعب ويعرف مصالحه الحقيقية.

وعانينا ـ نحن الذين نعمل في الفكر والسياسة ـ أشد المعاناة من قيادات حزبية لا تعرف في الممارسة العملية إلا مبدأ خضوع الأقلية للأكثرية و(الأدنى للأعلى)، ويخيفها كل رأي مخالف لرأيها، وكل مبادرة لا تروق لها ولا تتفق مع ما اعتادته من ركود وروتين. ولا أقصد بذلك الأحزاب اليسارية والاشتراكية فقط. فالوضع في الأحزاب اليمينية التي مثّلت البرجوازية والإقطاع، وفي الأحزاب الدينية أيضاً، لم يكن أفضل، بل إن الحزب اليميني كثيراً ما كان يبني سياساته ونشاطاته على رؤية قائده أو مؤسسه فقط، والحزب الديني ليس فيه فسحة لرأي شخصي أو اجتهاد خارج ما تقره القيادة وتروّجه على أنه مستند للأحكام المقدّسة.

أما الرؤية الثانية، فهي التي ترى أن الوحدة تتحقق وتكون أقوى وأكثر مناعة، حين تقوم على الإقرار بالتنوع داخل البنية الحزبية الواحدة، وتفسح المجال واسعاً أمام أعضاء الحزب للتعبير عن أفكارهم ونشرها، وتظهر فيها الآراء والتيارات والألوان في إطار التوجه السياسي العام، وتتخلص نهائياً من إخضاع الأقلية للأكثرية، وتساوي في حق التعبير عن الرأي بين الأكثرية، والأقلية مهما تكن تلك الأقلية صغيرة، لأن الحياة بيّنت أن العديد من الأفكار والآراء المفيدة كانت تظهر في البداية لدى شخص واحد أو مجموعة قليلة، لكنها، عبر التعبير عنها ونشرها تغدو واسعة وقابلة للتحقق.

الوحدة التي تقوم على التنوّع، وترعى الحقّ في الاختلاف، وتستند إلى أنظمة حزبية مرنة وديمقراطية، هي الوحدة الراسخة والمثمرة والجذابة.

وإذا كنا، نحن العرب عامة، وأعضاء الأحزاب اليسارية خاصة، قد جربنا الأسلوب القائم على الرؤية الأولى، أي القائمة على التماثل وفرض الرأي الواحد، ولم نحقق إلا الفشل والضعف والانقسام، فعلينا أن نجرب الرؤية الأخرى، وأن نسعى إلى توحيد الجهود، أو توحيد المؤسسات، على قاعدة الإقرار بالتنوّع، لعل ذلك يوصلنا إلى ما هو مفيد ومنسجم مع طبيعة الإنسان وحقوقه.