الفكر الحيّ

عطية مسوح قرأها 1,481
  

الفكر الحيّ

عطية مسّوح

للكتب الموجهة لغير المختصين أهمية كبيرة في الثقافة. فغير المختص بفرع من فروع العلوم الإنسانية أو الطبيعية يحتاج إلى معرفة عامة بما هو ليس مختصاً به، لأن هذه المعرفة هي الثقافة العامة، هي القاعدة الثقافية التي لا بد للإنسان، مهما يكن تخصصه، من الاستناد إليها واستلهامها في حياته وسلوكه.

والكتب الموجهة لغير المختصين تسد هذه الحاجة، إذ تقدم المعلومات الأساسية العامة عن طيف واسع من جوانب المعرفة، وتزود القارئ، ولا سيما الشاب، بما يلزمه في هذه الجوانب، وتقدم له مفاتيح معرفية يمكن أن يستخدمها إذا أراد التوسع في هذا الجانب أو ذاك.

وفي تراثنا الأدبي والعلمي، قديمه وحديثه، عدد كبير من هذه الكتب، وقد تكون (الموسوعات العامة) مثالاً لها، فهي تقدم نبذة عن كل شخص أو موضوع أو حدث وتذكر أهم ما فيه، أي ما هو جوهري وعام، تاركة لمن يطلب الاستزادة أن يبحث ويطلع. وقد آثر عدد من كبار المؤلفين العرب في القرن العشرين أن يضعوا بين أيدي القراء كتباً من هذا النوع، تعطي القارئ ما يفيده، دون توسع أو تعمق، وسبق أن كتبتُ في هذه الزاوية من الجريدة عن كتاب (قصة الإنسان) لجورج حنا، وهو يعرض للقارئ غير المتخصص أهم مفاصل التاريخ الإنساني القديم والحديث، وكذلك عن كتاب (فن الأدب) لتوفيق الحكيم وبعض الكتب الأخرى المشابهة.

من الكتب التي تدخل في هذا الإطار كتاب جديد يحمل عنوان (الفكر الحي) للكاتب محفوظ أيوب، أصدرته دار الينابيع بدمشق هذا العام.

يعرض الكتاب الفكر الإنساني المدون، منذ نشأته المبكرة ومراحله الأولى، إلى عصرنا الحاضر، كما يعرض رأي المؤلف في قضايا تربوية وسلوكية واجتماعية وثقافية، انطلاقاً من شعوره بأهميتها في جعل الإنسان مثقفاً، لا بمعنى حيازة المعرفة فقط، بل بمعنى الإفادة من المعرفة في النشاط والسلوك، أي وضع المعارف في خدمة الحياة.

أما منطلق الكاتب في ذلك كله، فهو منطلق إنساني واضح، جوهره حب الإنسان وتقديس الحياة، وإعلاء شأن الفكر والقيم.

أعطى الكاتب كتابه عنوان (الفكر الحي)، ويقصد به كما جاء في الفصل الأول (الفكر الذي ينبع من واقع الحياة ويؤثر فيها ويبدلها). وإذا دققنا في هذه العبارة فسنجد أنها تقوم على جدل الفكر والواقع، فالواقع هو المصدر والأساس، والفكر هو المؤثر والمغير، ولعل هذا الفهم لعلاقة الفكر بالواقع هو الفهم الأكثر دقة، لأنه لا ينفي أولية الواقع ولا يلغي دور الفكر الريادي.

وكما يعطي الكاتب المفكرين حقهم ويؤكد دورهم، فإنه يتجنب الوقوع في تقديسهم، بل إنه يشير إلى مرض الشعور بالعظمة الذي قد يقع فيه بعض المفكرين حين يظنون أنهم قمة الفكر الذي ما بعده قمة، يقول:

في بعض المراحل يسود وهْم الفكر الأخير والعبقري الأخير الذي وصل إلى الذروة، ولا شيء بعده، ولا يلبث أن يظهر غيره في حلة جديدة).

ونحن نعرف من الفلاسفة والمفكرين من قدموا أنفسهم وفلسفاتهم أو أفكارهم بوصفها الحل لكل مشكلات الحياة، رافضين غيرهم، كما نعرف حركات سياسية أعلنت أنها تمتلك الحقيقة كاملة، ونفت دور نقيضها نفياً كاملاً. لكننا نعرف أيضاً أن الحياة كانت أقوى من هؤلاء الفلاسفة وتلك الحركات.

ما يريده المؤلف، ونوافقه عليه، هو أن الواقع دؤوب في حركته وتطوره، وأن الفكر الحي هو الذي يواكب ويؤثر ويسهم في التغيير، وأن الجمود، الذي هو غريب عن الواقع والحياة، ينبغي أن يكون غريباً عن الفكر، ولعل الجمود هو المأزق الكبير الذي أصاب الأيديولوجيات، والكثير من التيارات والمذاهب الفكرية، فوقعت في تناقض مع الحياة والواقع اللذين لا يعرفان الجمود، والأمثلة على ذلك كثيرة، يعرفها القارئ، وقد كتبنا وكتب غيرنا عن بعضها.

يعرض الكاتب في القسم الأول من كتابه العقائد والمعتقدات الدينية، من هندوسية وبوذية وكونفوشية، وطاوية وشنتوية وزرادشتية ومانوية، وديانات مابين النهرين، وديانة مصر القديمة وظهور فكرة التوحيد، واليهودية والمسيحية والإسلام، ذاكراً أهم ما في هذه العقائد بإيجاز، مبيناً صلتها بالواقع وظروف ظهورها.

وينتقل بعد هذا إلى الفلسفة اليونانية والعربية، والفلسفة الأوربية في العصرين الوسيط والحديث. ثم يعرض أفكاره الخاصة حول الظاهرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأخلاقية المختلفة.

وإذا كان الكاتب يمجد الإنسان، فإنه يسعى إلى الرفع من سويته القيمية والأخلاقية، معبراً عن طموحه إلى إقامة جنة الأرض، جنة الدنيا كما يسميها.

ولأن الكاتب مهتم بالحياة والإنسان، مسكون بهاجس البحث عن سبل التحرر والرقي، كان لا بد له من التطرق المباشر إلى القضايا السياسية الكبرى، الكونية، المصيرية، فظهر رأيه فيما آل إليه العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة الرأسمالية بوصفها (قطباً واحداً). إنه يشير إلى التقدم الاقتصادي والتقني والمدني الذي حققته الرأسمالية، في بؤرها الأكثر تطوراً، لكنه يرى الوجه الآخر، فيقول: (ومع ما حققه من رقي وتقدم يقع في مزالق خطيرة أهمها عدم تحقيق التوازن الصحيح بين المجتمع والفرد). ويشير إلى أهم العلل التي رافقت ذلك ونجمت عنه مثل (الشذوذ والانحراف والفردية المفرطة وعبادة المال)، ويرى الكاتب أن البشرية ستتجه نحو اليسار بحثاً عن الأفضل، أي نحو (الاشتراكية الأخوية).

لم أعرض الكتاب عرضاً كاملاً، بل ذكرت اتجاهه العام وأهم ما تناوله، تاركاً للقارئ هامشاً، مؤكداً أهمية نشر مثل هذه الكتب ووضعها بين أيدي القراء عامة، ولا سيما الشباب الذين يقبلون على المعرفة والثقافة، لكن السعي إلى التخصص، وضيق الوقت والانشغال بمسائل حياتية تمنعهم من التوسع في جوانب الثقافة الإنسانية المتنوعة.

يندرج هذا الكتاب في إطار كتب الثقافة العامة الضرورية لتكوين القاعدة الثقافية التي أشرنا إليها في بداية مقالتنا، وقد يكون حصيلة جهد كبير للكاتب، لكنه على ما أعتقد، ثمرة حياته كلها، وثقافته وتجاربه، وهي حياة غنية على ما يبدو.