المثقف والالتزام
المثقف والالتزام
بقلم: سيف الدين القنطار
يقول إدوارد سعيد: (إنَّ كلَّ ما كتبته من محاضرات يؤكّد أهمية الالتزامِ للمفكّر أو المثقف، ومواجهة الأخطار، وقبول الإفصاح عمّا لديه مهما يكن، والاستمساك بالمبادئ، والانغماسِ في القضايا الدنيوية، والاشتباك الملتزم بالأفكار والقيم في الحياة العامّة).
يقول ذلك في الوقت الذي لم ينتمِ فيه إلى أي حزب، ولم ينخرط في أي فريق، ومع ذلك ظل أربعة عشرَ عاماً في المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه عضواً مستقلاً، وحرص على التعبيرِ عن التضامنِ مع شعبه وتحدّي أعدائه، ولم يتخلَّ يوماً عن الكفاح. وفي الوقت نفسه جاهرَ يوماً برأيه الانتقادي للنهج السياسي لقيادة منظمة التحرير، فتعرّض للأذى وجرى حجبُ كتاباته في الشارع الفلسطيني، فلم ينل ذلك من عزيمته، وكان يرى أن موقفه وليدَ واجبهِ ودوافعِه الفكرية والأخلاقية.
لقد حُبّرت مقالاتٌ كثيرة، واحتدم الجدال حول التزام المثقف، ومساحةِ الحرية التي يحق له أن يتنسم هواءها. يشير سارتر إلى أنه في اللحظة التي ننادي فيها بحرية اختيار المثقف لمصيره، تحولُ الأوضاعُ العامة دون ممارسة هذه الحريّة، ويقول: (إنني مؤلف بسبب اعتزامي الحرّ أن أكتب، ولكن هذا يؤدي فوراً إلى أن يعتبرني الآخرون كاتباً عليه أن يستجيب لمطالب معيّنة، وهو مكلّفٌ بأداء وظيفة اجتماعية، ولا بدّ له أن يأخذ الصورة التي تكوّنت عنه لدى الآخرين بالحسبان، فالجمهور يتدخّل بعادات المثقف، ورؤيته للعالم، وبمفهومه للمجتمع).
ولا تتوطّد مكانة المثقف الفكرية، مثلما تتوطّد حين يحيط به المجتمع ويحاصره ويغريه بالوعد والوعيد، ويثير لديه الرغبة في التمرّد على ذلك، وربّما لهذا رفض سارتر أن يتسلّم عام 1964 جائزة نوبل.
ثمةَ حتميةُ انتماء، مهما كانت رؤية المثقف، ومهما كان الوطن الذي ينتمي إليه، ودوره مشهودٌ في سياق الحياة الإنسانية بمجملها، ويتجلّى في الموقف من التقاليد، ومن طبيعة الحياة الاجتماعية، ومن السلطةِ، ومن الثورةِ. إذ لم يحدث أن قامت ثورة كبرى في التاريخ، إلاّ وأذكى المثقفون نارها، فقد ارتبطت الثورة الفرنسية بكبار المثقفين مثل (فوليتر، وروسو، ومارا، وسان جوست. ويصح القول نفسه على ثورة أكتوبر، وقد نهلت من معين فكر (ماركس، وإنجلز، ولينين، وبليخانوف).
كلُّ ذلك يشجع على القول إنه ما من مثقف غيرُ ملتزم، إذ يحاصرُه الولاءُ للون ما من الجماعاتِ القومية أو الدينية. ومحال أن يرتفع فوقَ الروابط الحيوية التي تربطه بالأسرةِ والمجتمع، وإلا قد يهيمُ على غير هدى، في فضاء خارج الواقع الاجتماعي، (فالثقافةُ عموماً تمثّلُ قوةً إنتاجيةً اجتماعيةً مباشرة). يقول غرامشي: (تقسمُ طبيعةُ الحياةِ الاجتماعية الناسَ إلى قسمين:الحكّامُ والمحكومون، وعلى المثقف أن يختار بين الانضمام إلى المنتصرين والحكّام، أو السير في الطريق الشاقة ورفع راية المحكومين).
رغم صحة هذا التقسيم، إلاّ أن الحياة كما تبدو أمام المثقف أكثر تعقيداً، أو تشابكاً، بحيث يتوزع المثقفون على طيفٍ واسعٍ من الولاءات وتتناهبهم اتجاهاتٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ وفكرية متناقضة، تجعل الالتزام بحدّ ذاته إشكالية. فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين صعود الفكر القومي والعلماني، وبلغ المدّ التقدّمي واليساري الذرا. ثم لم ينتهِ هذا القرن إلاّ مع أفول هذا الفكر وانحساره، ليصعد تيار إسلامي جارف استمدّ صلاحياته من الانتصار للمظلومين وفقراء المدن والفلاّحين المُعدمين في الريف، ومن كلِ من فقد الأمل. واستطاع هذا التيار أن يحظى بتأييدٍ واسع يعود إلى الاستفادة من تراجع الفكر القومي واليساري، ومن الأخطاء والمثالب التي وقع فيها رموزه حين تسلّموا مواقعَ السلطة. فاعتمد المثقفون الإسلاميون لغة التبشير، ودعوا إلى إعادة بناء ماضٍ إسلاميٍّ مجيد، وأبدى بعضُهم الاستعداد للقتال حتى الموت في سبيل هذه الأفكار.
غير أن دعاة (الإسلام هو الحل) من المثقفين سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام تفسيرات تتفاوت تفاوتاً شديداً، فالإسلام دين وثقافة وكل من هذين مركّب من عناصر عديدة تمثّله فرقٌ إسلامية. بعضها يقدّم الإسلام دين محبّة وثقافة وتسامح وعلم، وبعضها يُجسّد الفكر الأصولي الذي يقسم الناس إلى مؤمنين وكافرين، ويقسم الثقافة إلى ثقافة إيمان وثقافة كفر، ومثل هذا التقسيم يشكّل أكبرَ خطر على حريّةِ المثقف أولاً، وعلى الحرية بصورة عامة.
ولعلّ الاتجاه الذي يعبّر عنه المثقفون الإسلاميون الأصوليون قد بعث دورَ المفكرين ذوي الاتجاه العلمي من جديد ليؤكّدوا أنه لن يجد المثقف في عالمنا الإنساني ببعديه التاريخي والاجتماعي سوى أدوات معرفية علمية يتوسل بها إضاءة دروب الثقافة، وإشهار كلمة الحق، والذود عن حرية البحث والاجتهاد. ولعلّ هذا ما يدفعه إلى أن يشتبك في نزاع مع الأوصياء على الرؤية المقدّسة، أو النصِّ المقدّس، ذلك لأن أنصاره يحملون هراواتهم الغليظة التي لاتسمح قطعاً بأي تنوعٍ أو تعددية، ولعلّ حرية الرأي والتعبير هي الحصن الرئيسي للمفكّر الإسلامي والعلماني في نزوعهما لتقديم ما في الثقافة من غنىً يثري الحياة عامةً.
ورغم تنوع دلالة الالتزام واختلاف معاييره انطلاقاً من الموقع أو الرؤية التي ينظر بها إلى الالتزام، فثمة تغليب لمعيار على آخر. إذ يصعب على أي مثقف ألا يكترث بالشقاء الإنساني والظلمِ البشري والحروب العدوانية، أو ألا يقف إلى جانب المبادئ التي تجسّد الحريّة والعدلَ، وإلى جانب الذين يعانون النسيان والتجاهل بحيث يكون (صوت من لا صوت له). فالمثقف بهذه الصورة يمثل التنوير ويعبّر عن إرادة التغير والتقدمِ الإنساني، وإذا لم يكن كذلك فيكون خروجاً على رسالة المثقف المتوقعة.
ثمة التزامٌ يرتدي طابعَ الالتزام الحزبي، وقد أظهر هذا الالتزام إشكالية علاقة المثقف بالحزب، ولعلّ ذلك يتصل بسماتِ المثقف وبطبيعة التنظيم الحزبي. فالحزب أفكار، ومبادئ، وطرائق عملٍ ملزمة، واجتماعاتٌ حزبية لا بدَّ من حضورها. وكثيراً ما صَعُب على المثقف أن يتماهى مع ذلك وأن يستجيب لمتطلبات العمل الحزبي. يطلب الحزب الولاء السياسي القائم على التلقين، ويميل المثقف إلى البحث. ويؤكّد الحزب ضرورة وحدة التوجّه، ويؤمن المثقف بالتنوع، ويدعو داخل الحزب إلى الديمقراطية الحزبية، وإلى ثقافة الحوار. وينطلق المثقف من نسبية الحقيقة، بينما يدعو الحزب إلى الدفاع دوماً عن صحة مواقفه.
ولقد نجح بعض المثقفين في الحفاظ على موقعهم الحزبي، بينما خسره آخرون، وأدركت بعضُ الأحزاب أهمية منح المثقف مساحة من الحرية، بينما رفضت أحزاب أخرى ذلك. ولاتزال إشكالية العلاقة بين المثقف والحزب برسم المثقف والحزب معاً، فكل منهما ضرورة للآخر، والسياسة الحزبية الملهمة لا تنهض إلاّ في أحضان الثقافة.