عواقبِ تآكل الطبقة الوسطى

طارق حجي قرأها 564
 

عواقب تآكل الطبقة الوسطى

بقلم: طارق حجي

كنت أظن (مخطئاً)  أن تفسـيري لانتتشار أفكار الأصـولية الإسلامية قد استقر على شـكل إما إنه نهائي أوشـبه نهائي. فقد كنت أظن أن الصورة يمكن أن توجز فيما يلي:

إن تفسيرات الإسلام خلال ألف ومئتي سنة (منذ نشأته) قد تميزت بوجود تيار عام سنّي معتدل بل وشـديد الإعتدال في كثير من الأوقات بمعـايير القرون الوسطـى. وبجـانب هذا التيـار العام المعتدل (بمعايير القرون الوسطى) كانت هنـاك مدارس وتيارات وتفسيرات متفاوتة ما بين الإعتداال النسبي والتطرف الشديد سواءَ داخل المدارس السنية الكبرى (وهو ما يمثله إبن تيمية وابن قيم الجوزية داخل التيار الحنبلي) وتيارات أخرى مثل الخوارج والقرامطة وغيرهما من المذاهب السرية. مع بقاء أن التفسيرات المعتدلة للإسلام هي التي كانت وراء عجلة قيادة المجتمعات الإسلامية.

ورغم أن التيار العام والأساس في تفسيرات الإسلام كان هو التيار المعتدل طيلة اثني عشر قرناً من الزمان، إلا أن المهم للغاية إبراز أن هذا التيار قد تلقى خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين ضربة كبيرة للعقلانية عندما إنحازت الطبقة السياسية الحاكمة ومعها فلول رجال الدين بل والطبقات المتعلمة لمدرسة النص أو لمدرسة النقل وأعطت كبيرها (أبا حامد الغزالي) لقب "حجة الإسـلام". وفي المقابل أحرقت مؤلفات رائد مدرسة العقل (إبن رشد). فبينما كان الغزالي يرى أن الحدس (Intuition) وليس العقل هو القادر على بلوغ حقائق الأشياء، كان ابن رشد (تلميذ ومترجم وشارح أرسطو) يقول بعكس ذلك تماماً ويعلي من قيمة العقل كما فعل أرسطو قبله بقرون. وقد هيأت هذه الضربة (للعقلانية) المناخ العام لما سيحدث بعد ذلك من إستشـراء الأفكار المستقاة من فقـه وكتابات أحمد بن حنبل وإبن تيمية وإبن قيم الجوزية.                              

إنه منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أضيفت قيمة كبرى لتيار كان هامشـياً وغير ذائع وذلك عندما وجدت دولة أقامت نظام الحكم والقضاء فيها على تفسـير بالغ التشدد للإسـلام (وأعني النظام السياسي الذي انبثق عن إتفاق 1744م بين حاكم الدرعية وقاضيها محمد بن عبد الوهاب الذي اليه تنسب الوهابية).

إن قيادة العقل المسلم في العالم خلال القرنين الأخيرين قد إنتقلت من يد مدرسة الاعتدال إلى يد مدرسة التشدد على مرحلتين ومن خلال بوابتين: البوابة الأولى هي تأسيس نظام سياسي يستمد شرعيته من التفسيرات المتشددة للإسلام. أما البوابة الثانية فهي تدفق أموال وثروة غير مسبوقة على مدرسة التفسيرات المتشددة للدين وفي نفس الوقـت حدوث تراجع كلي في المسـتويات السياسـية والإقتصـادية والثقافية والتعليمية بمجتمعات التفسيرات المعتدلة للإسلام.

كانت تلك هي صورة بانورامية لما حدث في عالم فهم المسلمين للإسلام خلال ألف وأربعمائة سنة وما شاهده القرنان الأخيران من تصاعد نجم التفسيرات المتشـددة وتراجع مكانة التفسيرات المعتدلة بسـبب ضفيرة العوامل الاسترتيجية والسياسية والاقتصادية والِقيَمية والثقافية والتعليمية والإجتماعية مع حضور طاغٍ للثروة الجديدة التي حلت بشكلٍ وحجمٍ غير مسبوقين في التاريخ الإنساني.

   إذا تمثلنا هذا الإطار العام ثم تذكرنا ما الذي حدث بمصـر خلال الفترة اللاحقـة لـ 23 يوليو 1952، فقد تكتمل دراماتيكية الصورة. ففي ظني أن جوهر الحلم السياسي لمشروع 23 يوليو1952  كان هو توسـعة الطبقة الوسـطى المصرية. وهو حلم نبيـل وجليل بكل المعاني، إلا أن النبل الذي أسبغه على الحلم قد يوافقني كثيرون على أنه صعب أن نسبغه على تجربة تحقيق وتطبيق الحلم. بمعنى أن نظام 23 يوليو 1952 لا شك قد ورث طبقة وسـطى مصـرية (بمكونات الطبقة الوسـطى الثلاثة: الوسطى الدنيا والوسطى الوسطى والوسطى العليا) رفيعة المسـتوى ثرية التكـوين ولكنها كانت طبقة وسطى ضئيلة ونحيلة. وكانت تحتها طبقات أخرى تعيش خارج التاريخ  والتمدن. إذن، كان الحلم الأكبر هو توسعة كبيرة في حجم وأعداد ورقائق الطبقة الوسطى. هل حدث ذلك؟ الإجابة تكون بـ"نعم" و "لا" في آنٍ واحد. فمن الناحية الكمية، حدثت توسعة هائلة في حجم الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة في مصر. إلا أن هذا التوسع الكمي كان على حساب النوع أو الكيف، إذ حدث إنهيار شبه كلي في كافة المستويات وهو الإنهيار الذي يجسده الفارق بين مسـتوى جـامعة القـاهرة اليوم ومستواها بين جامعات العالم منذ ستين سنة. 

   في ظل هذه المتغيرات الكبرى: انتقال قيادة عربة الإسلام من يد مدرسة الإعتدال ليد مدرسـة التشـدد، وفي نفـس الوقت حدوث تراجع في المسـتويات المعرفية والثقافية والتعليمية للطبقة الوسـطى المصـرية (درة الطبقات الوسـطى في عالم ما بين 1900 و1950) - في ظل هذين المتغيرين العملاقين، أصبحنا أمام واقع جديد لا توجد فيه طبقة وسطى كبيرة تدافع عن الإسلام المصري المعتدل الذي شاع وذاع في مصـر لقرابة ألف وثلاثمائة سنة.

   ومن النتائج السلبية لتراجع المستويات الكلية للطبقة الوسطى، أن هذه الطبقة تفقد مكانتها كنموذج يحتذى. والاحتذاء هنا قد يكون سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً. وقد كانت الطبقة الوسطى العليا في مجتمع مثل مصر ما قبل 1952 تقوم بوظيفتين: فكانت من جهة تنظر بتقدير ورغبة في المحاكاة للطبقات الأعلى منها بما فيها الحشد الأجنبي الذي كان موجوداً في مصر، كما أنها كانت هي في حد ذاتها النموذج الذي تنظر له الطبقات الأدنى بإعجاب ورغبة في المحاكاة.

   ويمكن القول أن الفن بشتى مجالاته والسينما بالتحديد والغناء كانت كلها مرايا تعكس هاتين الوظيفتين. وكإنسان مهتم بالتحليل الفيلولوجي والسوسيولوجي للغة، فأنني أكاد أجزم أن اللغة العربية العامية المستعملة في مصر تشهد على صحة التدهور الذي أشير إليه هنا. فبينما كانت اللغة قبل ستين سنة تعكس محاكاة كل طبقة من طبقات المجتمع للطبقات الأعلى منها، فقـد تبدل الأمر اليوم وأصـبحت المفردات تنبع من أدنى طبقـات المجتمع وتصعد لأعلى في حركة مناقضة لحركة تطور اللغة من ستين سنة.

    وفي إعتقادي أن نظام ما قبل 1952 لو كان قد نجح في توسعة الطبقة الوسطى المصرية بنفس مستوياتها المعرفية والثقافية والتعليمية الرفيعة لما أحرزت مدرسة التشدد في تفسير الإسلام ما أحرزت من نجاح، وأهمه توغلها الكبير في الثقافة المصرية والعقل المصري والذي هو (بالنسبة لمدرسة التشدد) بنفس أهمية نجاحها في نشر أفكارها من مغرب الأرض لمشرقها.

   في كل الأديان يوجد دعاة لأفكار منافية لخط ومسار التمدن الإنساني. ففي اليهودية ما يمكن أن تكتب عنه كتباً بأكملها. وفي التـاريخ المسـيحي ما يمكن أن تكتب عنه الكتب. ولكننا اليوم أمام دعاة يهود ودعاة مسيحيين (في بعض الحالات) متشددين، إلا أن أعداد الذين يتبعون أفكارهم قليلة للغاية، وهو ما لا يجعل منهم مشكلة كبيرة للإنسانية. أما على الناحية الإسلامية فإن هناك دعاة معتدلين لهم قلة من الأتباع، ودعاة متشددين لهم كثرة من الأتباع. وكنت دائماً أفسر كثرة أتباع الدعاة المتشـددين في المجتمعـات الإسـلامية بالظروف السياسـية والاقتصـادية والاجتماعية إلا أنني اكتشفت مؤخراً أنه تفسير ناقص غير جـامع وغير مانع. ولعل المجتمع الكويتي المعاصر يثبت ما أطرحه هنا: ففي ظل ظروف اقتصادية بالغة الثراء ينمو تيار سلفي بالغ التشدد والانعزال عن مسيرة التمدن والإنسانية. وفي ظني أن التفسـير الحقيقي لكثرة أتباع الدعاة أصحاب التفسـيرات المتشـددة للدين هو أكبر وأشمل من مجرد كلمة الفقر أو الشعور بالظلم أو الغبن أو الغضب. فالسبب الحقيقي هو إنعدام وجود طبقة وسطى عصرية ذات تكوينٍ معرفيٍّ وتعليميٍّ عصريَّ تدافع عن قيم التقدم والمعاصرة. فوجود طبقة وسطى عصرية ذات تكوين معرفي عصري هو الضمانة الكبرى لوقف انتشـار الأفكار المتشددة التي لا تنقصها الموارد لتنتشـر وتشيع في كل المدن والقرى ليس فقط في مجتمعاتنا وإنما أيضاً في مجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها.