الدورة الثالثة من عكاظية الشعر في الجزائر: (القدس في ضمير الشعر العربي)
الدورة الثالثة من عكاظية الشعر في الجزائر:
(القدس في ضمير الشعر العربي)
عبد الوهاب العزاوي
حملت عكاظية الجزائر هذا العام عنوان (القدس في ضمير الشعر العربي) ضمن فعالية تكرّس القدس عاصمةً أبديةً للثقافة العربية. وقد جمعت هذه الدورة العديد من الشعراء والنقاد والإعلاميين العرب من ثماني عشرة دولة عربية، مع تمثيل متفاوت نسبياً. فقد كنت الوحيد الذي مثّل سورية بعد أن اعتذرت الشاعرة هالة محمد. في حين مُثّل لبنان بشاعرين وناقدة. وقد حضر العشرات من الشعراء الجزائريين.
انعقد الملتقى بين 19 و 23 أيار حافلاً بندوات وأمسيات شمل بعضها أكثر من عشرة شعراء، مع تفاوت واضح بين مستوى المشاركين واختلافٍ شديد في الاتجاهات الشعرية، مع سيطرة الخطابية والقصيدة العمودية التقليدية بما فيها من مباشرة وحشو في الكلام. وهذا ما أثار استغراب بعض الشعراء واحتجاجهم ومنهم الشاعر شوقي بزيع الذي رفض أن يقرأ في المهرجان مع العلم أن عكاظية الجزائر محاولة لإحياء تجربة سوق عكاظ، إذ يقرأ العديد من الشعراء في وقت واحد دون تمييز بينهم، على اعتبار أن الشعر يُختبر بتمايزه فيتحول الاختلاف إلى طريقة لصقل الشعر والشعراء، وهذا ما صرح به رئيس ديوان الثقافة.
الملاحظ أن التيار الشعري الغالب لدى الشعراء الجزائريين ينتمي إلى الشكل الكلاسيكي العمودي، حتى إن أحدهم ألقى ما سماه معلقةً تحاكي معلقة عمرو بن كلثوم، وجاء هذا على عكس توجهات شعراء المشرق (في بلاد الشام خاصةًً) الحداثية. وتفسير الأمر في اعتقادي يندرج تحت صراع الثقافة الجزائرية ضد الفرانكوفونية وعدم التخلص نهائياً من رهابات تجذّرت في المجتمع تتعلق بالإرهاب.
هذا الخوف العميق يجعل سؤال الهوية سؤالاً ملحاً وهاجساً يومياً ليصبح الشعر العمودي الكلاسيكي وظيفياً في مثل هذا الشرط مثلما يجعله وظيفياً في بعض دول الخليج العربي التي تتبنى وجهات نظر دينية متشددة تود أن تعيد المجتمع إلى عهود قديمة. هذه المعادلة تعطي تبريراً لغياب شعر الحداثة (بغض النظر عن إشكالية هذا المصطلح) عن الجزائر الغضة والبهية والخائفة، إذ فوجئت بسكون العاصمة بعد العاشرة ليلاً على عكس عواصم كبرى كدمشق والقاهرة وبيروت. والأسواق تغلق في السادسة مساءً، وعندما تسأل الناس عن السبب تأتي الإجابة (إنها عادة منذ أيام حظر التجول) بسبب حوادث الإرهاب التي راح ضحيتها ما يقرب من نصف مليون بحسب الروايات الشعبية
ولعل المفاجأة الشعرية الوحيدة التي حظيتُ بها في الجزائر كانت في نص الشاعر عادل الصياد الذي يتسم بحيوية وصدق وبحث في الأعماق في المناطق الأكثر ألماً ووعورة. ولو قرأته دون أن أعرف الصديق لقلت إنه يبحث في مدارس حداثية متعددة، ولكني بعد أن عرفته صعلوكاً مدهشاً يغرق في الكحول والعفوية، قلت في نفسي هذا الشخص ينطبق عليه قول أبي نواس (أنا نسيج وحدي). وبعيداً عن ذلك علّق عدد من الشعراء الجزائريين على سيطرة الشعر العمودي التقليدي بأن هذا يعود إلى انتقاء المشاركين واستبعاد تيار الحداثة في الجزائر، كما يرى الشاعر أبو بكر الزمال. وبعد أن حاولت أن أرى عدداً من المجلات والجرائد لأرى المشهد الشعري الجزائري اختصر الطريق علي الشاعر الصديق أحمد دلباني وقال: (لا توجد عندنا في الجزائر أي مجلة ثقافية هامة.. لا تتعب نفسك).
لفتت نظري عدة نقاط في هذه الاحتفالية، أبرزها الحفاوة المدهشة التي يقدمها المسؤولون عن الثقافة بدءاً من السفر حتى إقامتنا في فندق فاخر يبعد عن العاصمة نحو خمسة وعشرين كيلو متراً، والسبب في اعتقاد البعض حماية المشاركين من أي طارئ أمني، وصولاً إلى لطف التعامل والتواضع النبيل الذي اتسم به القائمون على العكاظية، فقد كانوا يتجولون بين المشاركين بلطفٍ هائل واستعداد كامل لأي مساعدة، وأخص بالذكر الشاعر الصديق بو زيد حرز الله، مستشار وزيرة الثقافة، والسيد خضر بن تركي، رئيس ديوان الثقافة. وهذا ما يبدو مستحيلاً في دمشق على سبيل المثال فأي موظف في وزارة الثقافة يعيد إنتاج الفوقية مع الآخرين عادة. ولعل كلمة وزيرة الثقافة جاءت لتكمّل المشهد عندما خاطبت الشعراء في حفل الختام بـ (أصحاب الجلالة).
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هل يقدم هذا الملتقى شيئاً حقيقياً للقدس خاصة أنه قد امتلأ بالخطابة والصراخ في معظم الأحيان ودراساتٍ إنشائية بعيداً عن العمل النقدي الأكاديمي مع استثناءات قليلة، منها دراسة كل من د.سوسن الأبطح من لبنان، والناقد محمد العباس من السعودية؟!. ألم يكن من الأهم العمل على مشروع نقدي متكامل بدل العمل التعبوي الإعلامي؟! وأعتقد أنه من الضروري انتقاء المشاركين بعناية أكبر، فقد كان بعضهم فاقداً لأساسيات اللغة نفسها من حيث النحو والإملاء. ألم يكن من المهم البحث في المشاريع الشعرية للمشاركين! فلا أعتقد أن مديح الحاكم العربي، وهذا ما قام به البعض، يفيد في تحرير القدس، فحق فلسطين علينا أكبر من ذلك.