أدونيس بين الثابت والمتحول
أدونيس بين الثابت والمتحول
عطية مسُّوح
طغت صورة أدونيس الشاعر على صورة أدونيس المفكر لدى أكثر الناس، ولدى عدد من النقاد والدارسين. ولعل أدونيس واحد من القلائل الذين جمعوا بجدارة بين جانبين يبدو أحدهما بعيداً عن الآخر، فحقل الشعر غير حقل البحث الفكري، وطبيعة الشاعر وإبداعه هما غير طبيعة المفكر وإبداعه. لكن التعمق في النظر إلى الشعر تؤكد أن في كل شاعر مفكراً خفياً، والشاعر الحقيقي ولا سيما الكبير، هو من يمتلك رؤية متكاملة للحياة وأفكاراً متماسكة حول القضايا الكونية الكبرى، ومواقف تستند إلى الفكر والإحساس إزاء الظاهرات والمشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية.
أما المفكر التقدمي الجاد، فلا أظنه بعيداً عن الشعر، وإن كان يعمل في ميدان آخر، فهو يفهم الواقع ويحسُّ ما فيه من مرارة وألم، ويطمح إلى الأفضل معتمداً على قراءة موضوعية ممزوجة بخيال تغييري لا غنى عنه في أي مشروع فكري أو سياسي أو اجتماعي.
لن أُكثر من الكلام حول هذا الموضوع، فقد يكون لنا عودة إليه، وقد نستفتي حوله عدداً من المثقفين والعاملين في حقلي الشعر والفكر، لكن ما أريد تأكيده هو أن أدونيس المفكر لا ينفصل عن أدونيس الشاعر، وأنه يحمل سمتين من السمات التي تميز المفكر الجاد، هما:
1. عدم التناقض مع الذات في سياق مشروعه الفكري.
2. القدرة على التجدد والتطور، في ضوء التجربة الذاتية من جهة وتطور الواقع من جهة أخرى.
(أدونيس) علي أحمد سعيد، صاحب نزعة عقلانية علمانية ديمقراطية، تفصح عن نفسها في كل كتاباته الفكرية ومواقفه إزاء المشكلات المعقدة، السياسية والاجتماعية والفكرية. وكثيراً ما تعرض هذا المفكر إلى سوء فهم من بعض قرائه، أو تشويه مقصود من قبل بعضهم أيضاً، ولكن القارئ المنصف لا بد أن يصل إلى جوهر ما يطرحه أدونيس ويعمل على نشره وتكريسه في ثقافتنا، وهو العقلانية والعلمانية والحداثة.
وإذا كانت النظرة إلى هذه المفاهيم نسبية ومتباينة، فإن مصلحة العقلانيين والعلمانيين والديمقراطيين والحداثيين تقتضي أن يكونوا معاً برغم تبايناتهم، لأنهم يواجهون خصماً واحداً هو التخلف والظلامية، ولأن نهوض المجتمع العربي، وصمود العرب أمام المشاريع العدوانية الإمبريالية والصهيونية لا يكون صموداً فعالاً ولا يحرز انتصارات حقيقية راسخة إلا إذا كان مضمونه عقلانياً وعلمانياً وحداثياً.
هذا المنطلق، يؤكد لنا أن التباينات أو التناقضات في رؤية العلمانيين العقلانيين الديمقراطيين لا تبيح لهم أن يتخذوا خنادق متقابلة، وأن يعمل بعضهم ضد بعض وكأنهم خصوم لا قواسم أساسية مشتركة بينهم.
يثبت أدونيس أنه واحد من الذين يقفون مواقف صلبة وثابتة في وجه التخلف والظلامية، وأنه يكرس جهوده الفكرية والثقافية من أجل التقدم، وأنه يطرح أفكاره بجرأة ودقة دون أن يتطاول على أحد.
يؤكد ذلك نشاطه الفكري الواسع المتواصل منذ أن أصدر كتابه الأكثر أهمية وشهرة (الثابت والمتحول) عام 1974، وهو كتاب رائد في دراسة التراث دراسة نقدية تبتعد عن دائرتي التقديس والرفض.
فرغت منذ أيام من قراءة كتاب لأدونيس بعنوان (محاضرات الإسكندرية) أصدرته دار التكوين في دمشق (أيلول 2008)، وهو يتضمن أربع محاضرات ألقاها أدونيس في الإسكندرية أواخر عام 2006 وحوارات وتعليقات حول تلك المحاضرات أجراها عماد الغزالي في جريدة (الوفد) وأيمن عبد الهادي في (المصري اليوم) ومحمد الشاذلي في (الأهرام) وجمال الغيطاني في (أخبار الأدب) وعادل محمود (الكرامة) ومحمد عبد العال (القاهرة).
قلنا إن سمتي عدم التناقض مع الذات والقدرة على التجدد هما من أهم ما يجب أن يتسم بهما المفكر الجاد، وتبين محاضرات الإسكندرية أن أدونيس هو مفكر جاد متسم بهما.
فهو متمسك بالنزعة التحررية العلمانية العقلانية التي برزت في كتابه (الثابت والمتحول)، ويرى أنه (ما يزال كتاباً شاباً فيه قبس من الريادة) لكنه يجد فيه اليوم (2006) ما يحتاج إلى مراجعة وتوضيح وتوسيع، وتجديد في المعالجة، في ضوء معطيات الواقع خلال خمسة وثلاثين عاماً مرت على صدوره.
ويشير أدونيس إلى أهم ما كان سيفعله لو قدّر له إعادة كتابة (الثابت والمتحول). فمن أبرز القضايا التي كان سيركز عليها: الربط بين قضايا العرب تراثياً وقضاياهم الراهنة حياتياً. والمسألة الأساسية في ذلك هي: كيف يتعلم الإنسان أن يحيا؟ ويرى أدونيس أن أخطر ما في هذا السؤال (أنه يطرح داخل حياة وثقافة تطوقهما رؤية دينية ليست في التحليل الأخير وفي الممارسة إلا نوعاً من الحصار الشامل يضرب باسم الدين، خصوصاً حول الذين لا يسيرون وراء المهيمنين على هذه الرؤية).
ويذكر أدونيس عدداً من المسائل التي كان سيدرسها ومنها القراءات السائدة التي تحول الدين إلى سجن روحي وفكري وحياتي، وتجعله وسيلة للتمييز بين الناس ونقيضاً للحرية.
أبرز ما يؤكده أدونيس في محاضراته وحواراته، ويلحّ عليه، هو ضرورة فصل الدين عن الدولة والممارسة السياسية.
(فالدين شيء والسلطة السياسية شيء آخر) و(دور الدين أخلاقي وثقافي وشخصي، يخلق كل إنسان عالمه الشخصي وأفكاره الشخصية مستلهماً الدين).
ويؤكد أدونيس أنه (لا يمكن تأسيس دولة حديثة على الدين، ولا يمكن بناء سياسة على الدين، وإنما يجب الفصل الكامل بين الدين والحياة المدنية، بحيث يظل الدين أمراً شخصياً).
ويتناول أدونيس مصطلحاً طرحه في محاضراته وحواراته وهو (نهاية التاريخ العربي). وقد أثار هذا المصطلح الكثير من الحوار الذي جاء بعضه صاخباً، وهو يذكرنا بما طرحه بعض المفكرين العرب منذ عقود عن (خروج العرب من التاريخ).
يستخدم أدونيس هذا المصطلح بمعنى عجز العرب حضارياً، وعدم قدرتهم على تقديم إنجازات جديدة، لكنه ـ خلافاً لما أشيع عنه ـ يطرح ذلك في إطار ضرورة البحث عن مخرج. فإذا لم يحسّ العرب بهذه النهاية لا يمكنهم أن يسعوا إلى تغيير واقعهم والبدء بتاريخ جديد.
محاضرات الإسكندرية، تدفعنا إلى التفكير بما طرحناه وما نطرحه. تدفعنا إلى تبني فكرة أساسية في جدية المفكرين وموضوعيتهم، وهي ضرورة العودة إلى ما يطرحونه، بين الفترة والأخرى، لتدقيقه ومقايسته مع معطيات الحياة الواقعية وحاجات التطور المجتمعي. وإذا كان الباحث الجاد، والمفكر التقدمي، يرفض الانسياق وراء النظرة التقديسية الجامدة إلى الماضي، والتراث، فالأحرى به أن يتجنب النظرة التقديسية إلى أفكاره ذاتها، إلى ما يطرحه أو يتبناه، فالفكر، أي فكر كان، يكون أكثر فاعلية كلما قلت فيه الثوابت وكثرت المتغيرات، وكلما كان قادراً على التجدد انطلاقاً من جدل الفكر ـ الواقع.