يوم أزرق
يوم أزرق
محمد بقوح *
.. لم يهتم بالمطر، الذي بدأ يسقط بغزارة على جسده النحيل في هذه المدينة، التي فتن بها حتى الثمالة منذ صغره.. مدينة الحركة والبطالة كما يسميها، المدينة التي تكبر كل يوم، لكن هو.. يصغر كل يوم. إنها مدينة المتناقضات. حسب تعبيره: الكبير يزداد كبراً.. والصغير يزداد صغراً.. بل غرقاً.
ظل في مكانه بقامته القصيرة وشعره الأشعث. عدّل من جلسته بفعل قوة المطر. فعاد شيئا ما إلى الخلف. جلس على كرسيه الخشبي كما يفعل دائماً. منذ مغادرته المدرسة بسبب مشاكل أسرته، كان في حدود العاشرة من عمره. رغم ذلك يبدو أكبر بكثير. لكن "الشطارة" كما يقول لا تقاس بالسن بل بالخبرة في الحياة ليقنع نفسه في النهاية أنه في خارج أسوار المدرسة وفي أرصفة الشوارع.. على الأقل يكون أقرب إلى كسب قوت يومه الذي يدعم به وضعية أسرته الفقيرة.. ويقي به نفسه من شر أفواه "حومته". يرتدي ثياباً رثة وممزقة من بعض الجوانب.
هو لا يهمه الشكل.. هذا ما يصرح به لرفيقه هشام كلما تناقشا في الموضوع. رفيقه العزيز والوحيد في الحرفة. منذ غادرا معاً فضاء المدرسة مكرهَين. الرصيف حيث هو قابع الآن ينتظر خالياً من المارة إلا من بعض الرجال الذين يسرعون في خطواتهم. غير مهتمَّين بصيحاته الخافتة أحياناً والصارخة في الكثير من الأحيان. من أجل أن يتوقفوا ولو لحظة لتلميع أحذيتهم.
- آسي.. أرا سبّاطك.. أرا تسيري..
يبدو أن آذان الأحذية هذا الصباح الممطر مقفلة بالإسمنت. هكذا خمّن الطفل عيسى. فعادت إليه وحشته وغربته. في حين اكتفت الأجساد المارة أمامه بإلقاء نظرة صغيرة على حاله. وهي نظرة لا تخلو من رأفة حيناً ولا مبالاة حيناً آخر.. والمظلات المختلفة الأشكال والألوان المرفوعة فوق رؤوس أناس على عجلة من أمرهم.. بلا سبب يذكر.. تقاوم دقات المطر التي باتت أقوى من ذي قبل..
لست أفهم -يفكر هشام، لماذا لا يلمّعون أحذيتهم في يوم ممطر كهذا..؟ مع العلم أنه كباقي الأيام..، إن لم أقل أفضل الأيام جميعاً..
التصق جسد الطفل عيسى أكثر بكرسيه الخشبي. جمع أشياءه و أدواته التي يستعملها في مسح أحذية الراجلين.. وأدخل الكل في كيسه المعهود البلاستيكي اللون. لكنه ظل جالساً على كرسيه وممسكاً به بقبضتي يديه."أمس القريب ربحت مصروف ثلاتة أيام وأدخلت الفرحة والبهجة إلى قلوب أفراد أسرتي.. واليوم.. لكل يوم رزقه".
توقفت في هذه اللحظة سيارة يبدو من خلال لوحة أرقامها أنها قادمة من الديار الفرنسية. "هذه همزة أتى بها الله حتى عند قدمي"... هذا ما قاله عيسى، وهو يراقب سيارة الميرسيديس الفخمة وهي تحاول أن تتموضع بالشكل المناسب بين باقي السيارات لكن بدون جدوى.. في هذه اللحظة بالضبط وقف الطفل عيسى وكأن نحلة لسعته. وأخذ يشير لسائق السيارة إشارات تبين للسائق كيف ينجح في موضعة سيارته.. وبالفعل لم تمرّ دقائق حتى وجدت السيارة السوداء مكانها في البارك خرج منها رجل قوي البنية. شكر الطفل هشام الذي حاول أن يتحدث إليه من النافذة ليقاطعه الرجل قائلاً:
- من فضلك.. أولدي شِي مسحة لهاذ السيارة.. تكون مزيانة بزّاف (واضعاً في كفه ورقة نقدية لم يصدق هشام بصره)... ابتسم عيسى وطمأن الرجل بكونه سيجد سيارته في أحسن الحال والأناقة. ثم ابتعد عنه الرجل شيئاً فشيئاً حتى اختفى وراء البنايات الشاهقة..
* شاعر وقاص من المغرب - akssidi@voila.fr