مسرحية "على خطى هاملت" والتحول من مركزية الفرد الى الجماعة

د. حبيب بولس قرأها 1,546
 

مسرحية "على خطى هاملت" والتحول من مركزية الفرد الى الجماعة

د. حبيب بولس

مسرحية "هاملت" لشكسبير، مسرحية طبقت شهرتها الآفاق، حيث ترجمت الى معظم لغات العالم ومثلت مئات المرات على المسارح، كما وأُفلمت أكثر من مرة.
هذه المسرحية استمدت أهميتها وشهرتها من كونها تركز على سمة إنسانية هامة تقع في داخل كل منا وأعني سمة التردد فشخصية هاملت شخصية تعاني من صراع داخلي رهيب يتمحور حول العبث وضرورة الفعل، او حول العاطفلة والعقل. فهاملت كما رسمه شكسبير مستمداً خيوط شخصيته من قصة دانماركية قديمة، أميرٌ شاب، مثقف، متدين، عاشق، رقيق العواطف، يقع تحت وطأة القدر الذي يعاكسه ويقمع مسار حياته الطبيعي ويحوله الى إنسان آخر محكوم بما يحثه عليه طيف والده الميت، أي الثأر له من عمه القاتل، الدنيء والسكير واللامبالي، الذي لا همَّ له سوى ان يجري وراء لذّاته. وهنا يحاصَر هاملت بين نارين: أيصدق كلام الطيف أم يكذبه؟ عقله يقول له انه مجرد طيف، وعاطفتة تقول انه ليس طيفاً عادياً انه طيف والدي. فما العمل؟

من خلال هذا الصراع بين ان أفعل او لا أفعل يسبر شكسبير بقدرة هائلة نفسية هاملت ويتغوّرها وينزل الى أصقاعها، وذلك من خلال مونولوجات معمقة فكراً وفلسفة تطال جوانب عديدة من الحياة، بحيث صار هاملت كشخصية مسرحية شخصية بشرية نموذجية خلدت مع الدهر وصارت على فم الزمان.

ومما دفع الى شهرة المسرحية والى خلودها عامل آخر هو كونها غنية بعناصر مسرحية متلونة، فهي كتبت ومثلت للجمهور الانجليزي في عصر الملكة اليصابات بين أواخر القرن السادس عشر وأواسط القرن السابع عشر. وعصر "اليصابات" له من الاهمية الكثير في تاريخ انجلترا، اذ انه عصر النهضة والتنوير والفرص الفردية المتاحة الى جانب التناقضات، ذلك لان انجلترا صارت فيه سيدة العالم خاصة بعد ان هزمت الأسطول الاسباني الشهير "الأرمادا". هذا العصر الحافل بما ذكر نتج عنه جمهور مسرحي كبير مختلف الأهواء والمشارب والذائقة الفنية، هذا الاختلاف شكل امتحاناً وتحدياً لكتاب المسرح في تلك الحقبة الزمنية حيث كان عليهم إرضاء ذائقة ذلك الجمهور، المتعدد الاهتمامات بدءاً من اللصوص وانتهاء بأفراد العائلة المالكة. فالمسرح مفتوح للجميع، لذلك كان على المسرحية ان تلبي اهتمامات الجميع. من هنا جاء غناها المسرحي وتلونها. ففي المسرحية الواحدة كما في هاملت نجد قصة محبوكة، كما نجد القوة ممثلة بالمبارزات، ذلك الى جانب العواطف الملتهبة والحب الصافي والخديعة والنميمة والخيانة والمواقف الساخرة المضحكة المؤثثة بالتوريات.

وهاملت كمسرحية شكلت، نظراً لإحكامها درامياً ولبنيتها القوية، نموذجاً للدارسين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في وضع مبنىً عام للتراجيديا أمثال الألماني "غوستاف فرايتاغ"، الذي وضع مبنىً هرمياً عاماً للتراجيديا اقامه على المسرحية وعرف باسمه "هرم فرايتاغ" نشره في كتابه المعروف حرفية الدراما.
من هنا أولا، أي مما تقدم تصبح مقاربة هذه المسرحية فنياً اليوم مقاربة صعبة لكثرة ما مثلت وباتجاهات ورؤى متعددة. ومن هنا ثانياً نحترم العمل المسرحي الذي شاهدناه مؤخراً على مسرح مركز محمود درويش الثقافي في الناصرة، من إنتاج المسرح الوطني الفلسطيني ومن تمثيل طلاب مدرسة المسرح الصيفية، بعنوان: "على خطى هاملت". العمل من إخراج الفنان "كامل الباشا" وأعتقد ان "كامل الباشا" كان يعرف مسبقاً انه يراهن على اسمه وسمعته كمخرج في قبوله إخراج هذا العمل المسرحي، ذلك لأنه يعي انه في هذا العمل يتقحم عملاً وعراً مليئاً بالحصى وبالبثور. فمسرحية هاملت ليست مسرحية سهلة موضوعاً وتنفيذاً وقد مثلت مئات المرات كما أسلفت سابقاً ومن زوايا ووجهات نظر متعددة، وعلى من يقربها اليوم ان يعرف من أي زاوية مغايرة عليه ان يتناولها، ذلك لأن الإخراج الصحيح هو كتابة ثانية للنص.

والسؤال الذي ينهض بعد هذا الكلام: هل نجح "كامل الباشا" في تقديم عمل مسرحي ناضج فنياً ومن زاوية مغايرة تنبثق من رؤية جديدة غير مسبوقة؟

الإجابة عن هذا السؤال تستلزمنا الوقوف على ما شاهدناه من العمل المسرحي لنجلو أبعاده ومراميه ونقاط قوته وضعفه.

بداية أقول: ان العمل الذي شاهدناه يكسر المبنى الفراتياغي المحكم وينتقي ما يناسب رؤية المخرج. فرؤية "كامل الباشا" مغايرة تماماً لما جاء في النص الأصلي للمسرحية، الذي يتناول قصة أمير دانماركي (هاملت) يحثّه طيف والده المقتول على الثأر من عمه (كلاوديوس) الذي قتله وسرق تاجه وزوجته "جرترود" ام هاملت، الأمر الذي جعل هاملت في صراع داخلي حاد وفي دوامة من التساؤلات والحيرة والألم والتشاؤم من الحياة حد الانتحار. فعملية قتل والده الذي كان يشكل له مثالاً من جهة، وهرولة امه ولهاثها خلف عمه وزواجها المتسرع منه، من جهة أخرى، يدفعانه الى بيئة تخالف بيئة الحقيقية – العلم والثقافة والإيمان، والحب الصادق والوفاء، ويزجانه في بيئة أخرى تقلب مسار حياته وتجعله بطلاً تراجيدياً. وكي يصل هاملت الى الحقيقة التي تعذبه يبتعد عن حبيبته "أوفيليا" ويفتعل الجنون ويدرب فرقة مسرحية على تقديم عمل يجسد ما قاله له طيف والده. وحين يتأكد من الحقيقة يصمم على القتل ولكنه خطأً يقتل الوزير "بولونيوس" والد حبيبته في مخدع أمه ظاناً انه الملك فتزداد هنا آلامه وصراعاته وأزمته. ابتعاده عن "أوفيليا" وقتله لوالدها يدفعان بها الى الجنون ومن ثم الى الانتحار.. كما ان قتله "لبولونيوس" وموت "أوفيليا" يدفعان "بلايريتس" ابن "بولونيوس" وأخ "أوفيليا" الى طلب مبارزة هاملت لتصفية حساباته معه، فيستغل الملك ذلك ويتآمر مع "لايريتس" على قتل "هاملت" والتخلص منه بالسم. وتنتهي المسرحية بقتل "هاملت للايريتس" وبموت الملكة الأم بالسم بدلاً من ابنها خطأً، وبموت هاملت بسيف "لايريتس" المسموم وبمقتل الملك.

هذا هو ملخص القصة الأصل. فما الجديد الذي يقدمه "كامل الباشا"؟؟.

بدايةً أقول ان كامل الباشا كي يصل الى هدفه ويؤكد على رؤيته المسرحية، كان مضطراً الى ان يلوي عنق المسرحية لتناسب تلك الرؤية. وذلك من خلال إقصائه لبعض المشاهد في المسرحية الأصل، كمشهد المؤامرة التي ينسجها الملك مع صديقَي هاملت (جلدنشتيرن) و(روزنكرانتس) للتخلص من هاملت.

ثم مشهد المكتبة اللاذع السخرية والفلسفة بين هاملت وبولونيوس، الذي يعكس جنون هاملت المفتعل، ثم المؤامرة التي يحوكها الملك "كلاوديوس" مع "لايريتس" قبل المبارزة وغير ذلك من المشاهد المسرحية والمونولوجات، ولكن رغم هذا الإقصاء لمَشاهد أعتقد انها كانت مهمة، الا ان المخرج استطاع ان يحافظ على روح المسرحية وجوهرها، وذلك من خلال التركيز على المونولوجات الهامة، وعلى بعض الأحداث الجوهرية في حبكة المسرحية، مستعيضاً عن تلك المشاهد المقصاة باستمزاج عدد من العناصر المسرحية كالرقص والغناء والتعداد على الميت والصلوات الجنائزية وغير ذلك بحيث لم يشعر المتلقي بان شيئاً ما ينقص العمل.
وللحقيقة أقول: ان المخرج حاول وبنجاح صبغ المسرحية بصبغة فلسطينية خاصة دون ان يمس جانبها الإنساني الكبير، ودون ان يكرس عنصر القومية ويبرزه بشكل زاعق كما اعتدنا في مسرحيات فلسطينية أخرى. هذه الصبغة لاحظناها من خلال تطعيم اللغة المسرحية بلغة شعبية وبلهجة فلسطينية الأمر الذي قرّب العمل الى واقعنا، وكذلك من خلال إظهار شخصية الملك "كلاوديوس" كوجه آخر للاحتلال، وأيضاً من خلال تغيير النهاية التي تبقي على كلاوديوس مع انه في الأصل يقتل هاملت قبل ان يسلم الروح. الإبقاء على كلاوديون إشارة ذكية من المخرج مفادها ان الشر باق في حياتنا طالما الاحتلال قائم، بمعنى اننا لن نستطيع اقتلاع الشر الا اذا قضينا على العدو الداخلي الكامل فينا وبيننا، وبعد ذلك نكرس الجهود الى القضاء على الخارجي.

ومن الأمور الهامة التي لاحظناها في العمل والتي تعبر عن نضج رؤية المخرج تغيير النظرة الفلسفية التي تغذي المسرحية، فالنظرة الفلسفية في العمل الأصل تعكس ما كان سائدا في العصر الاليصاباتي، أي إبراز قوة الفرد وإتاحة الفرصة أمامه، والتحديات التي يواجهها وكيفية التغلب عليها. بينما في العمل الذي شاهدناه، رأينا نظرة مغايرة تكرس الجماعة لا الفرد، وقد برز ذلك من خلال اشتراك جميع الممثلين في الأدوار، فدور هاملت لا تؤديه شخصية واحدة انما مجموعة وهكذا، وهذا تأكيد على ما ذكرناه. هذا بالإضافة الى ارتكاز المخرج كامل باشا وتوظيفه لتقنية مسرحية جديدة تستغل لأول مرة على ما أعتقد في مسرحنا الفلسطيني، أعني طريقة تدريب الممثل التي تعتمد على التقنية الايطالية المعاصرة "سكيرا" التي ابتكرها الفنان الايطالي "جابريئيل فايتش" والتي تعتمد على ثماني خطوات تبدأ بالقدم اليمنى، وبعد الخطوة الثامنة يستدير الممثلون في اتجاه آخر لثماني خطوات أخرى. هذه الطريقة البسيطة تظهر كل المقولات الفنية وتحولها الى لغة الجسد، وتدعو الى التركيز والوعي الجسدي والنفسي والانضباط، والفعل المسرحي، والبنية الحدثية فيه، والتحول من فعل الى آخر بسهولة، كما وتستدعي الروح الجماعية، وتكوين الإيقاعات الصوتية والحركية، لقد نجح كامل في توظيف هذه التقنية والاعتماد عليها لأمرين: الأول، لأنها تؤكد على رؤيته أعني الجماعة بدلا من الفرد. وثانياً، لأن الحركة المستمرة تعكس نفسية هاملت القلقة المتعبة غير المستقرة المتصارعة داخلياً والفوارة بين الفعل وعبثيته، والتي تغلي بين "ان أكون او لا أكون". كما ان هذه الطريقة لاءمت تحريف الصراع الأساس في المسرحية، من صراع بين العبث وضرورة الفعل في داخل هاملت، أي بين ان "أقتل" او "لا أقتل"، ان "أصدّق الطيف"، وهو وهم، او "أاكذّبه". بمعنى هل أستمع الى صوت العقل ام الى صوت العاطفة؟ هذا الصراع الذي خلق شخصيته هاملت التي صارت نموذجاً للتردد الإنساني والتي توجد في كل واحد منا، هذا الصراع الأساس يحرفه كامل ليبرز صراعاً آخر الى جانبه هو صراع الآباء والأبناء مع التطرق الى ما يعانيه الجيل الشاب من اغتراب داخل مجتمعهم. ولقد برز هذا الصراع من خلال الحديث الجماعي الموجه الى كلاوديوس وجرترود، ومن خلال الوجود الدائم للطيف على المسرح، الطيف الذي يوحي بالضمير وبالشهادة الحية، وبالتذكير بالفعل وبعدم التردد، مع انه في المسرحية الأصل لا يظهر سوى مرتين: في بداية المسرحية ليحث هاملت على الانتقام، وفي وسطها، في مخدع الأم ليذكر هاملت بمهمته. هذه الأمور مجتمعة إضافة الى الديكور القاتم والملابس الداكنة الموشحة بالأحمر التي توحي جميعاً بظلام النفسية وبالشك وبالدم داخل الشخصية والموسيقا الجنائزية التي تعبر عما يعتمل في دواخل الشخصيات والجهد الكبير الذي بذله الممثلون، كل ذلك ادى الى نجاح العمل والى إيصال الرسالة وتوضيح الرؤية التي يقدمها المخرج للعمل.

العمل بما فيه من طاقات فوارة وجهد مبذول وطريقة جديدة في التمثيل والإخراج والى السينوغرافيا العاكسة لما يجري في البراني والجواني، وكذلك الى الرؤية الفلسطينية والصراع كل هذه الأمور متضافرة سوية جعلتنا نتابع العمل بتركيز وباهتمام بالغين.

وان كنا نشير الى عوامل النجاح يجب علينا ايضا ان ننتبه الى بعض نقاط الضعف التي تخللت العمل، أذكر منها الأخطاء اللغوية التي أضرّت بجمالية ترجمة جبرا ابراهيم جبرا الفذّة لهذا العمل. ومنها ايضاً عدم إتقان مخارج الحروف عند بعض الممثلين مما جعل المتلقي الذي لا يعرف النص الاصلي يستصعب فهم الكثير من العبارات ومنها كذلك مشهد حفاري القبور المبتسر الذي في رأيي لم يوظف في العمل كما يجب مع انه مشهد أساس فيه الكثير من التوريات الكلامية والفلسفة الحياتية الساخرة التي تهزّنا من الأعماق. هذا المشهد كان ضرورياً في المسرحية الأصل لأنه يروّح قليلاً عن المتلقي ويخفّف عنه حدة التوتر والمأساة لذلك اأطلقوا عليه مصطلح "ريليف" أي الترويح، وأعتقد انه كان ضرورياً ايضاً في العمل الذي شاهدناه ليخفف من إيقاع المسرحية وينتشل المشاهد من وطأة التوتر ولكنه مرّ سريعاً دون أثر وسرعته جعلته محايئاً للسطح لا للعمق فمنعنا من الانفعال به. هذا بالإضافة الى عدم التركيز على صراع الجيل الجديد بشكل مكثف خاصة قضية الاغتراب التي أراد لها المخرج ان تكون أساساً في المسرحية. وهي ثيمة في رأيي هامة خاصة في مجتمعنا، حيث يعيش الفرد وبالذات المثقف اغتراباً مذهلاً بين ما هو كائن وبين ما يطمح له ان يكون. كنت أتمنى ان تبرز هذه الثيمة أكثر لترسخ في المتلقي ولتثيره كي تفتح بالتالي كوة يطل من خلالها على ذاته وعلى ما يعانيه هذا الجيل. ولكن كل هذه الهنات مغفورة في هذا العمل لان الطاقم ليس طاقماً محترفاً، من جهة، ولأن العمل ليس عملاً سهلاً كما أسلفت في البداية، من جهة ثانية، ولأن الطريقة التي اتبعت طريقة جديدة من ثالثة.

تحية للمسرح الوطني الفلسطيني وللقائمين عليه على هذا الاختيار الصعب والتحدي الكبير، وتحية كبيرة الى الممثلين والممثلات الشباب، وكذلك تحية احترام للفنان كامل الباشا الذي راهن على سمعته من خلال تقحّمه لعمل مسرحي ملغم فيه الكثير من المغامرة لوعورته وصعوبة التعامل معه. لكن كامل الباشا رغم كل ما ذكر مع طاقمه استطاع ان ينقلنا الى عالم الشدهة لنتأمل في ذواتنا وفي مجتمعنا لنواجههما ولنعريهما. آملين لهم دوام النجاح والى أمام، دائماً الى أمام.