مفكّرون وأدباء عرب ماركسيون: "حسين مروة" - مؤسّس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في العالم العربي
مفكّرون وأدباء عربماركسيون:
"حسين مروة" - مؤسّسمدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في العالم العربي
بقلم : د. حبيب بولس
أ- حسين مروة في سطور:في كتابه "شخصيات وادوار في الثقافة العربية الحديثة", كتب "محمد دكروب" فذلكة لحياة حسين مروة باختصار يقول فيها: ولد حسين مروة عام 1910 في بلدة حداثا الجنوبية المتاخمة للحدود اللبنانية- الفلسطينية.
بدأ اهتمامه بالكتابة الأدبية منذ سنوات دراسته الأولى في العشرينات من القرن الماضي, فكتب القصة والمقالة والنقد والبحث وكتب القليل من الشعر, ومنذ أوائل الثلاثينات حتى أواخر الأربعينات اقتصر نشر كتاباته على المجلات والصحف العراقية, خصوصاً مجلتي "الهاتف" النجف و "الحضارة", وجريدتي "الرأي العام" و "الساعة" بغداد.
عام 1948 شارك أدبياً وإعلامياً وعملياً, في أحداث الوثيقة الوطنية العراقية التي أسقطت معاهدة "بورتسموث" البريطانية الاستعمارية مع حكومة العهد الملكي حينذاك. ولكن عندما حدثت الردة الرجعية وأعيد العميل الاستعماري "نورة السعيد" إلى الحكم (أيار 1949), أبعد "حسين مروة" من العراق وأعيد من وطنه لبنان بعد هجرة طويلة.
في لبنان استأنف نشاطه الثقافي, والكتابة الأدبية, واخذ يكتب زاويته اليومية المعروفة بعنوان " مع القافلة" في جريدة "الحياة", وظل يكتبها سبع سنوات متواصلة.
في الوقت نفسه أسهم في تأسيس مجلة "الثقافة الوطنية" وفي تحريرها, وقد أدت هذه المجلة طوال فترة الخمسينات دوراً طليعياً للأدب والفكر التقدميين في البلاد العربية بأسرها. وفي هذه المجلة نشر الكثير من دراساته في التراث الثقافي العربي, بضوء النظرة العلمية (الماركسية) فكانت من أوائل الدراسات التي تكتب بهذا الضوء في هذا الميدان. كما بدأ في المجلة نفسها ينشر سلسلة دراساته النقدية في الأدب الواقعي الجديد. كما أسهم في أداء الدور نفسه في مجلة الطريق.
اشترك في معظم مؤتمرات الأدباء العرب, وقدّم فيها العديد من الدراسات والأبحاث. وقد اشترك بنشاطات منظمة كتاب آسيا وأفريقيا, وهو عضو في الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب اللبنانيين منذ تأسيسه. كما انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني.
منح جائزة لوتس العالمية عام (1980), وهي الجائزة التي تمنحها منظمة كتاب آسيا وأفريقيا, منح وسام الآداب والفنون من هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى في جمهورية اليمن الديمقراطية.
من مؤلفاته:
· "مع القافلة" عام 1952:
مجموعة مقالات في الأدب والنقد والحياة, وقد شكلت في حينه لوناً جديداً في أدب المقالة. (منشورات دار بيروت).
· "الثورة العراقية" (1958): عن جذور وأسباب الثورة العراقية (تموز 1958) والظروف الاجتماعية السياسية والكفاحية التي أدت إلى انتصارها (منشورات دار الفكر الجديد).
· "قضايا أدبية" (عام 1956): مجموعة من الدراسات النقدية التي أسهمت في التأسيس لمنهج جديد في النقد الأدبي, المنهج الواقعي, وكانت حصيلة معركة على مدى الخمسينات مع أصحاب نظرية "الفن للفن" (منشورات دار الفكر- القاهرة).
· "دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي" (1956).
هذا الكتاب هو متابعة وتعميق للمعركة الأدبية الأيديولوجية نفسها, ويمتاز باحتوائه دراسات تطبيقية للعديد من الآثار الأدبية الإبداعية للكتاب من لبنان ومن مختلف البلدان العربية. وقد نال هذا الكتاب جائزة "جمعية أصدقاء الكتاب, عام 1956". للكتاب طبعتان, الأولى عام 1956 عن دار مكتبة المعارف, بيروت. والثانية عن دار الفارابي عام 1976.
· "دراسات في الإسلام" بالاشتراك مع آخرين. 1979: وهو كتاب ينظر إلى الإسلام في بعض عهوده القديمة والحديثة, بضوء المنهج المادي/ الديالكتيكي. ويقدّم تفسيراً معاصراً للدور التقدمي الذي أدته بعض الحركات الإسلامية. (منشورات الفارابي)
· "النزعات المادية في الفلسفة العربية- الإسلامية" (1978): هو إنجازه الكبير, صدر منه جزآن بحوالي ألفي صفحة من القطع الكبير: هذا الكتاب يشكّل عملاً تأسيسياً في مجال البحوث التراثية العربية المعاصرة, يقدم معرفة علمية جديدة بالتراث الفكري الفلسفي العربي, إذ ينظر إلى مكانه من اللحظة التاريخية في خط تطور المجتمع العربي- الإسلامي خلال العصور الوسطى. ويشكّل إلى هذا عملية مسح معرفي لخطوات ونقلات تاريخية للعرب يتفاعل خلالها التطور الاجتماعي والتطور الفكري, منذ الجاهلية حتى القرن الرابع الهجري. (منشورات دار الفارابي).
· "الموقف الثوري في الأدب" (1980): يتناول فيه بالدرس والتحليل علاقة الأدب بالثورة". ويلقي الضوء على حركة التحرر الوطني العربي والأدب العربي. وعلى أدب الأزمة اللبنانية (1975-1976), وعلى أدب الثورة الفلسطينية, وعلى أدب المقاومة, وعلى أدب حربي حزيران, واوكتوبر, وكذلك يبحث فيه بين الفن والعلم, كما ويتناول فيه الموقف الثوري من التراث والموقف الثوري من التراث في الدين والفلسفة. (منشورات الفكر العربي).
· "دراسات في الفكر والأدب"- تحرير "محمد دكروب" (1993) الكتاب مجموعة دراسات, جمعها "محمد دكروب" بعد اغتيال حسين مروة يتناول فيها "محمد مروة" جملة من القضايا الأدبية: مشكلة المضمون, في الأدب العربي المعاصر. نحو أدب جديد, واقعية الواقعية, علاقة السياسي بالأديب في المجتمع العربي. نظرية "رئيف خوري" الأدبية. وغيرها من الدراسات الهامة. (منشورات دار الفارابي).
· بعد الظهر من يوم (17/2/1978) , اقتحموا بيت حسين مروة- ذوو النزعة الطائفية المعادون لكل مشروع وحل وطني في لبنان- وأطلقوا رصاصة واحدة على رأسه اخترقت جمجمته, ففارق الحياة وهو في السابعة والسبعين من العمر(1).
ب: "حسين مروة" في حياتهونقده:
* ليس بوسع المرء حينما يفكر بشخصيات من طراز حسين مروة, الا ان يجد نفسه أمام عوالم رحيبة خصيبة تحفزه بعمق وتواضع على التامل في أعقد المسائل الفكرية المنحدرة من التاريخ والتراث العربيين. (2) هذا أمر تتضح صحته حالما نتقصى السيرة الذاتية لحسين مروة باوجهها الفكرية والعلمية والتطبيقية. فهذه تشير بوضوح لا لبس فيه الى شخصية المفكر المناضل, والمناضل المفكر.
* وحسين مروة شخصيته تأسرنا بجاذبيتها وعطفها وعقلها المتزن الواعي. شخصيته مسكونة بهموم شعبها, تطمح الى رفع الضيم عنه وزرع بذور اليقظة والتحرر في ربوعه(3).
* هو من مواليد العقد الاول من القرن الماضي, اي انه شهد انتفاضة العالم العربي الفكرية والسياسية والثقافية. شهد معاناة شعبه كما شهد سعيه نحو الحرية والاستقلال. عاصر أزمنة القهر والقمع والظلم, كما عايش الانتفاضات والثورات والتفتح. عاش زمن الردة, كما عاش زمن الصعود, فكان لكل ذلك تأثير في مسيرته العلمية والثقافية والفكرية, نظرية وممارسة, وكانت حصيلة ذلك كله بناء فكرياً أدبياً تقدمياًَ شامخاً شاده حسين مروة مع أخوان له سلكوا مسلكه كرئيف خوري وعمر فاخوري ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس, فأتمّ هو المسلك وعمّقه وجذّره.
* عرفنا حسين مروة كاتباً سياسياً مناضلاً وأديباً مفكراً وإنساناً, ولا يمكن التفريق بين شخصية حسين مروة كأديب وكسياسي وكإنسان, فهو جماع ذلك كله. يلتقي فيه الكاتب السياسي بالأديب المفكر, بالإنسان في وحدة يحكمها الالتحام في حياته بين الفكرة والعمل, بين نشاطه المادي ونشاطه الروحي(4). ومن هنا فان الكلام عن جانب واحد من جوانب هذه الشخصية الموسوعية, لا بد له ان يمس من قريب او من بعيد سائر الجوانب الأخرى في شخصيته المتكاملة.
* وكي يتسنى لنا الحديث عن حسين مروة, وكي نستطيع فهمه وتثمين دوره وما أعطاه, لا غنى لنا من ان نلم ولو يسيراً بالحياة التي عاشها, كي نكون منصفين في حقه. اذ ان أثمن ما أعطاه, وأعظم ما ألفه هو حياته في تناميها وتطورها, في نضاله وهو رب عائلة من أجل ان يعيش, في تغلبه على الظروف والمحيط, في سهره كي يشق طريقه وينفلت من عقال التقاليد, في سعيه المتواصل من أجل المعرفة والتحرر من ظروف الاستلاب الطبقي, في أدراكه لحركة تطور التاريخ واندفاعه للوقوف في خط سيرها الأمامي.
* ولد حسين مروة ونشأ في قرية نائية من قرى جبل "عامل" بجنوب لبنان, في أسرة دينية, وفي محيط يحكمه استبداد الإقطاعيين من الداخل, وحكم الأجنبي من الخارج. وحين شبّ التحق بجامعة النجف لدراسة اللاهوت الإسلامي. وهناك انصرف لطلب العلم وسط جو يصفه بالاحتباس والتزمت, وضيق الأفق الثقافي, والعجز عن فهم المعرفة على حقيقة معناها وكما ينبغي لها أن تفهم. وكان لبعض كتّاب تلك الفترة وشعرائها العصريين في مصر والعراق أثر في تفتيح عيني حسين مروة على حقيقة واقعه, فأخذ يقابل بين ما يكتبه هؤلاء العصريون من آراء وأفكار حية متجددة وبين ما يمده به نظام الدراسة النجفي من تعاليم أقل ما تتصف به الانغلاق والتحجر والجمود والمراوحة ضمن الإطار السلفي بجوانبه النازعة الى الغيبية والمثالية والاتجاه الجبري والاقطاعي, والنظرة المنكفئة الى الوراء, فضاقت نفسه بهذا الجو الذي فرض عليه بسبب ظروفه, ووقع من جراء ذلك في دوامة الصراع داخل ذاته بين ان يذعن للنظام وتعليمات أهله, وأن يرفض هذا النظام ويجابهه ويخرق جدار التزمت الذي يحاصره ويخرج من قيده ويتخطاه متحرراً من مفاهيم الفكر السائد فيه(5).
* من اجل ذلك عانى حسين مروة عذاباً, عالجه بالصبر, الى ان نفد صبره, وقرر ان يضع حداً لهذه المعاناة, وهكذا كان, فكانت نقلته من النجف الى بغداد هي المنعطف لخط جديد من التطور في مسيرة حياته شعر على أثرها كانه انتقل من عالم الى عالم.
* في بغداد عمل في التدريس, ولكنه وهو يكدح لم يكن بمعزل عما كان يحدث في العراق بين قوى شعبه الوطنية والتقدمية والديمقراطية والنظام الرجعي الملكي وقادته وأجهزتهم القمعية. وكانت البلاد العربية آنذاك بين ريحين متعارضتين: ريح الاستقلال الوطني يظفر به شعب سورية ولبنان, وريح الإمبريالية والصهيونية تستعد لاغتصاب فلسطين. فوقف حسين مروة بشرف الى جانب قوى التحرر, ووجد في الكتابة للصحف الوسيلة للتعبير عما كان يجيش في نفسه من حماس, فضاقت في كتاباته السلطات العراقية فارجعته قسراً الى لبنان, وكانت هذه العودة منعطفاً جديداً اخر ولكن حاسماً في تاريخ حياته نحو الانضمام لحزب الطبقة العاملة واتخاذ الماركسية موقفاً فكرياً له. واختُتم عهدٌ وبدأ عهد(6).
* في لبنان أضيئت له الطريق. وأدرك بهدي الفلسفة التي اعتنقها حقيقة التناقضات التي كانت تتصارع في مجتمعه واستوعب تحولات عصره وانحاز الى الجانب الثوري الذي تحويه هذه التحولات وجاهر بالوقوف الى جانب الأطوار الجديدة, مؤمناً بالنظرية القائلة ان التطور هو السمة الوحيدة لحركة التاريخ وليس هناك من تكوين جامد, بل كل شيء هو في تطور مستمر, والسعادة ممكنة على الأرض, والناس هم صانعو القرار.
*منذ تلك الفترة أضاءت هذه الأفكار أعماق كاتبنا وسرت في دمه وكيانه, وأصبحت طريقته في التفكير, وتحولت من ثم الى نهج له في السلوك والممارسة, فحمل رايتها وخرج الى الساحات يناضل في سبيل العصر الذي سوف تتفجر شموسه يصرخ لتستيقظ أمته من غفلتها, ان الفجر سيطلع وما من قوة ستمنع الثائرين من دكّ أسوار الحصون والقلاع ليمهدوا له طريق سطوعه(7).
* لأكثر من نصف قرن من الزمن وحسين مروة شاكي السلاح, يدافع في العقدين الأولين منه ضد المفتريات والاراجيف والضلالة, ويرسم في السنوات الثلاثين الأخيرة قبل اغتياله المستقبل, ويسهم في الإعداد للثورات المقبلة, يجاهد لينبت للوطن ربيع جديد.
* كان حسين مروة إذن نشيطاً نشاط الحياة ذاتها, ولقد كانت حصيلة هذا النشاط مجموعة كتابات تتوزع بين أدب النضال السياسي, وكتابة النقد الأدبي, ودراسة التراث الفكري العربي والإسلامي في حركة تطوره منذ الجاهلية حتى اليوم(8).
* هذه المقاربة مهما حاولت ستظل قاصرة لأن حياة وفكر حسين مروة يحتاجان الى الكثير. ولكن جل ما تطمح اليه هو ان تكون في ذهن القارىء فكرة عامة عن دوره, وكي لا تتشظّى سأسيّجها بجانب واحد في رأيي هو الأهم في مسيرة عطاء مروة, وهو تتبع نقده الأدبي, آملا ان أرسم نهجه وان أبيّن دوره الريادي وان أجلو بعضاً من ميزات نقده العميق الأصيل.
* في مجال النقد الأدبي كتب حسين مروة صفحة جديدة في تراثنا النقدي المعاصر, وقد تبلورت نظريته النقدية في كتابيه: "قضايا أدبية" و "دراسات نقدية", اللذين ناقش فيهما المستوى النظري والتطبيقي وكافة النقاط التي لا تزال تشغل جانباً مهماً من تفكيرنا فيما يتعلق بنظرية الأدب وأصول علم الجمال.
الاول منهما كان حصيلة المعارك التي خاضها طوال الخمسينات مع اصحاب النزعات المثالية والرجعية في الأدب, مع أصحاب نظرية الفن للفن, ويغلب عليه الجانب النظري للمنهج الواقعي في فهم الأدب وتفسيره ونقده.
والثاني هو متابعة وتعميق للمعركة الأدبية والايديولوجية نفسها في الجانب العملي التطبيقي لهذا المنهج, وذلك من خلال دراساته للعديد من الآثار الأدبية الإبداعية لشعراء وكتاب من لبنان ومن مختلف البلدان العربية(9).
*والمساءلة التي ترتفع, لماذا هذا الاهتمام بالنقد الأدبي؟
الإجابة عن السؤال يعطيها حسين مروة نفسه حيث يقول: من الظاهرات الملحوظة في حياتنا الأدبية في لبنان, غياب وجه النقد عنها حتى وقتنا هذا ويتابع مفصّلاً: لا أعني بذلك ان ليس للنقد وجود في حركة النشاط الأدبي عندنا, او ان وجوده لا يستوي مع سائر ظاهرات النشاط هذا...
بل ما أعنيه هو النقد المنهجي. ويقصد بقوله: النقد المنهجي هو ما يكون مؤسّساً على نظرية نقدية تعتمد أصولاً معينة في فهم الأدب, وفي اكتشاف القيم الجمالية والنفسية والفكرية والاجتماعية في العمل الأدبي(10).
واعتماد هذه الأصول يقتضي من الناقد ان يتجهز كذلك بقدر من المعرفة تتصل بشؤون النفس الإنسانية وقوانين تطور المجتمع وطبيعة العلاقة بين هذه وتلك, وفهم الشخصية الإنسانية في ضوء هذه المعرفة بالإضافة الى الإلمام-ضرورة- بأهم قضايا العصر التي تساعد معرفتها الناقد على تحديد موقف العمل الأدبي تجاه القضايا فكرية كانت أم اجتماعية أم فنية. وبدهي ان يكون في جملة الفصول التي تعتمدها المنهجية النقدية ثقافة وافرة راسخة تمكن الناقد من البصر بالخصائص التعبيرية بلغة الأدب وبالعلاقات الرمزية القائمة بين الكلمة ومعناها او بين العبارة ومضمونها(11).
*ولكن سؤالاً آخر يرتفع، أليست هناك خطورة في إتباع منهج نقدي محدد؟ بمعنى ألا يؤدي التزام المنهجية في النقد الأدبي إلى نوع من الميكانيكية في عمل الناقد؟ أي أن الناقد الملتزم نهجاً معيناً لا بد أن يُخضع كل عمل فني أدبي ينقده إلى مقاييس ثابتة جامدة يرسمها له المنهج الذي يلتزمه، بحيث يقول في هذا العمل الأدبي ما يقوله في ذاك، بصور من التكرار الآلي الرّتيب فيتجمد النقد بذلك، وتتجمد شخصية الناقد وتتعطل عنده حساسية التذوق الجمالي، وعندئذ تنشلّ حركة النقد الوظيفية وتنتفي منه الفائدة والغاية.
* عن هذا السؤال النابع من خطورة المنهجية في النقد يجيب "حسين مروة"، قائلاً: الواقع ان مثل هذه الخطورة نابع من فهم خاطئ للمنهجية. فأول ما ينبغي ان يكون واضحاً من أمر المنهجية النقدية انها لا تستحق هذه الصفة، إذا هي قامت على أسس او على مقاييس ثابتة ثبوت جمود او تحجّر. وانما تستحقها – أي صفة المنهجية -، حين تكون الأسس والمقاييس هذه ثابتة من حيث الجوهر، متحركة متطورة متجددة متنوعة من حيث التطبيق ومراعاة الخصائص الذاتية القائمة في كل خلق بخصوصه، الى جانب الخصائص العامة المكتسبة من قوانين الحركة الشاملة المرافقة لكل عمل أدبي ذي قيمة فنية ما. من هنا يحتاج الناقد الأدبي المنهجي الى توفّر الحساسية الذاتية القادرة على اكتشاف القيم الخاصة في كل أثر أدبي بذاته وبخصوصيته. وهذا يعني كما هو واضح أن المنهجية النقدية لا تقتصر على عدم إنكار القيم الخاصة في العمل الأدبي، بل هي ترى ضرورة وجود هذه القيم ما دامت الشخصية الإنسانية ذاتها وبوجه عام متنوعة الخصائص متعددة الجوانب، بقدر تنوع الشخصيات وتعددها، ومن باب أولى ان يكون هذا التنوع والتعدد في ذات الأديب الفنان الخلاق، ولذلك ترى المنهجية النقدية ان كل عمل أدبي لا بد ان يحتوي نوعاً من التجربة التي لا تتكرر عند فنان وفنان آخر، بل لا تتكرر حتى في عملين صادرين عن فنان واحد(12).
* مما تقدّم نرى ان "حسين مروة" يدعو الى نقد منهجي ملتزم يرتكز على قواعد وأصول ومقاييس ويحارب نوعية النقد الأدبي الغالبة اليوم في العالم العربي والمتّسمة بالتأثرية، لأن النقد التأثري يفقد النقد وظيفته الأساسية كليا.
* فما هي وظيفة النقد في رأيه، إذن؟
ان وظيفة النقد هي تثقيف القارئ بإعانته على تفهم الأعمال الأدبية وكشف المغلق من مضامينها وإدخاله الى مواطن أسرارها الجمالية، وإرهاف ذوقه وحسه الجمالي، وإغناء وجدانه ووعيه بالقدرة على استبطان التجارب والأفكار والدلالات الاجتماعية والمواقف الإنسانية التي يقفها الشاعر او الكاتب، خلال العمل الفني تجاه قضايا عصره او وطنه او مجتمعه، وبالمستوى نفسه هذا يستطيع النقد الموضوعي المنهجي ان يؤدي وظيفة بتبصير الكاتب او الشاعر بالقيم الحقيقية التي يحتويها عمله او يفتقدها ليكون على بيّنة مما يصنع ويخلق، او ليكون أكثر وعياً لما في موهبته وأدواته ومواقفه من ممكنات او من نواقص او من اتجاهات سديدة او منحرفة، ذلك كله يعني ان النقد الموضوعي المنهجي يقوم بوظيفة مزدوجة تؤدي هي بدورها الى تطوير حركة النقد وحركة الأدب وحركة الثقافة الوطنية جميعا.
تلك مهمة ثقيلة الأعباء ولكنها تمنح الناقد منزلة الإنسان النافع في حقل المعرفة الجمالية الرفيعة.(13)
* هذه هي مهمة النقد المنهجي الموضوعي. في رأي "حسين مروة"، فعن أي منهج يتحدث، او بكلمات اخرى أي منهج هذا الذي يحمل مثل هذه المهمات والأعباء والهموم؟
انه المنهج الواقعي وبالتحديد المنهج الواقعي الجديد او الاشتراكي، ذلك المنهج المرتكز على علم الجمال الماركسي اللينيني.
وعماد نظرية هذا المذهب في النقد هو النظر الى العمل الأدبي على انه تصوير للواقع، ولكن من خلال ذات الفنان وانفعاله به وتعاطفه معه وجدانياً. الواقع بحسب النظرية هو الموضوع او الحقيقة الموضوعية او المجتمع بمجمل ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعمل الأديب الخلاق هو في وعي الواقع وفي كيفية التعبير عنه تعبيراً يرتفع عن مستوى الانفعال الحسّي به الى مستوى الشاعرية التي تنفذ الى جوهره وتكشف عن صفاته الحقيقية المكونة لحركة تطوره وصيرورته وتصبح من ثم شكلاً من أشكال العمل الفكري المعرفي الذي يتخذ الرؤى والصور أداته المعبّرة دون المقولات والمفاهيم، ويضيف به الأديب الى الواقع واقعاً جديداً من صنعه، من صنع رؤيته الداخلية له، رؤية الوعي والخيال والوجدان معاً التي تمتزج فيها الذات بالموضوع وتتحقق علاقة التأثير المتبادل بينهما.(14)
* ان "حسين مروة" في توضيحه الأسس النظرية للمذهب الواقعي في الأدب على هذا النحو، وفي استخدامها في المجال التطبيقي بمنهجية متحررة هكذا من (الدوغماتية) ومن الفهم الميكانيكي لعلاقة الأدب والفن بالعالم المادي، انما فعل ذلك وهو مدجج بسلاح الوعي الجمالي المعرفي البالغ الحساسية واليقظة، وبيقينية العالم الراسخ في العلم، الواثق من نفسه ومن ثبات نظريته التي اجتهد ان يجلوها في كتبه ودراساته فنفى مراراً ان تكون الواقعية وهي تحتفل بالواقع تنقله نقلاً آليا وأكد دور الطاقات الذاتية للفرد في عملية الخلق الفني مقرراً إمكانية الكتابة عن الموضوع دون ان تضيع في حدود الذات، وبيّن ضرورة الفن كقيمة جمالية عليا وكعمل خلاق يخلق من الحدث الواقعي حدثاً فنياً هو شيء آخر غير الواقع وان كان هذا الواقع منبعه وملهمه. وحذّر الذين يكتبون عن المجتمع كتابات واقعية ان تجيء كتاباتهم هذه على حساب فنية فنهم وأشار باستخفاف الى الذين يتصورون الواقعية عقلانية خالصة مفرغة من الإبداع والخيال والوجدان الرومنسي حيث يقول: "ان الاستغناء في العمل الفني عن الخيال يبطله".(15)
* هذه هي رؤية "حسين مروة" للواقعية في الأدب وللمدرسة الواقعية في النقد، وربما سبقه اليها غيره من النقاد العرب الا ان اولئك كان إحساس معظمهم إحساساً ذاتياً أقرب الى الحدْس منه الى الوعي العلمي المتكامل الذي يتجلى في نقد "حسين مروة". وهذا ما يجعل الدارسين يُعدون عمله في نقده الأدبي من قبيل العمل التأسيسي لنقد أدبي جديد تقدمي فكري وآيديولوجي في آن.
يقول الكاتب المعروف "حنا مينة" عن نقد "حسين مروة": انه حين يتصدى "مروة" للنقد الأدبي فإنه لا يتقحّم ميدانه ليقال عنه انه ناقد. لا يمتهن النقد كأداة تعبيرية تترجم عن ذاته فيما يريد ان يقول، متخذاً من الذين ينتقدهم وسائل الى هذا القول. النقد، لديه عملية إبداع، كشف تقويم، ترشيد وتوجيه. وهو لا يأتي النقد قارئاً للكتب، معرّفا بها، او متذوقاً لها بمزاج شخصي، او متعصباً سلفاً، او متزمتاً، او متخبطاً بين المدارس النقدية، وبين مناهج النقد، دون قدرة على امتلاك أي منها، وبغير أهلية لتطبيقه على الأثر المنقود. انه صاحب مهمة. يدرك ان مهمته جليلة وينهض بها. يعرف أن الثقافة الواسعة العميقة الشاملة، هي المؤهل الأساسي للناقد، فيتسلّح بثقافة.. لم تتوفر لناقد فرد من العرب الحديثين غيره.
ان امتلاك المفهوم الكامل، ثم معرفة التراث شعراً ونثراً، والتضلّع بالفكر العربي ومصادره ومدارسه، والإلمام، الى درجة جيدة، بكل المدارس الأدبية المعاصرة، والقدرة على رصد الفكرة، وتتبعها وردها الى منجمها، ومناقشتها، ثم هذه الذاكرة العجيبة، التي تسعفه في الشواهد، وهذه الموسوعة التي تمده بالمعرفة الضرورية حول أي موضوع دار الكلام عليه، والقدرة على الإحاطة، والبقاء في إطار البحث مهما اضطر الى الاستطراد، ان ذلك كله يجعل منه ناقداً جديراً بهذا الاسم، وخليقاً بأن يكون صاحب منهج علمي، هو منهج الواقعية، الذي يهتدي به قارئاً وناقداً ومفكراً وباحثاً. وهذا المنهج كما يقول: هو الصحيح للنفاذ الى أساس الحركة الجوهرية لعملية الإبداع الأدبي والفني والفكري. وهو كذلك – لا يزال المنهج المتميز بالقدرة على اكتشاف كل عناصر الفعل المتبادل بين الوعي الاجتماعي والواقع الاجتماعي، ان هذه المميزات للمنهج الواقعي هي في أساس سيرورته واقتحامه معظم القلاع الباقية رهن سيطرة المذاهب النقدية التأثرية والميتافيزيقية.(16)
* هذه هي رؤية "حسين مروة" للنقد بشكل عام، وهذه هي مفاهيمه ومنطلقاته فكيف طبّقها في نقده؟ بمعنى ما هي خصائص نقده؟
أولاً وقبل كل شيء، كان "حسين مروة" في نقده يؤمن بأن العمل الأدبي لا يمكن ان يُسلخ عن الظروف المحيطة به. "ليس هناك فنّ يتخطى تاريخيته"(17) يقول. فقد آمن ان كل وجود فردي هو وجود طبقي اجتماعي. لا وجود للفرد خارج طبقته الاجتماعية التي ينتمي اليها بوضعيته المادية او بوعيه، لذلك فهناك علاقة بين الأثر الأدبي والواقع الاجتماعي. (18)
ثانياً، آمن "حسين مروة" بأن العمل الأدبي هو التحام الشكل والمضمون معاً. بحيث تكون هناك علاقة قائمة بينهما، أي انه لم يكن يفصل بين الشكل والمضمون، فليس الشكل وحده معيار الحداثة، بل هو والمضمون الحديث معاً. وحالات انفصام الشكل عن المضمون هي حالات الانقطاع بين الشاعر والحياة.(19)
ثالثاً، كان "حسين مروة" يرفض الغموض، حيث يقول: اننا نرى الآن موجة خطيرة تجتاح أدبنا العربي الحديث ولا سيما الشعر منه، هي موجة الغموض. اننا نعدّ الغموض موجة خطيرة نعاديها ونكافحها حين يصبح الغموض غاية لذاته وإغراباً متقصداً. وحين يصبح لا غوْصاً ولا رحيلاً الى الأعماق والأسرار، بل هروباً من الغوص والرحيل وتهويماً في الفراغ وإيهاماً بما لا وجود به.(20)
وتقوده مشكلة الغموض الى قضية العلاقة بين الفن والجماهير، ويناقش عندئذ أدونيس في رأيه حول هذه القضية (21)، ليقول فيه: يكفي ان نقول انه بعيد عن معاييرنا في تحديد ما هو تقدمي في الأدب.(22)
رابعاً، لقد كان الفكر النقدي عند "حسين مروة" عملية متنامية وقد تبدأ تسليماً بمنطلق خاطئ لتصل منه الى نتائج سليمة، وهي خير من وضع الأساس النظري أولاً ثم البناء عليه، وان كان الأساس النظري في الحالتين مستقراً ثابتاً ابتداءً لأن أي سؤال يطرح يؤدي بالباحث الى فرز الأشياء بحيث تقف الواقعية والاشتراكية وحدها في مواجهة كل شيء آخر، وتتّسم هذه الطريقة بالكشف المتدرج وتتغلغل في تدرجها الى دقائق هامة لم تكن لتتكشّف لولاها.(23)
خامساً، في نقده بحث "حسين مروة" عن الإنساني وعن الفردي وميّز بينهما، فقبل الأول ورفض الثاني، لأنه رأى في الأول عنصراً من عناصر خلود الأثر، ورأى في الثاني عنصراً من عناصر ضعفه ومحدوديته وهذا العنصر: عنصر الإنساني مقابل الفردي، معيار نقدي أساسي في منهجه يعتمده في تقويم الأثر الأدبي ويرى اليه به. لذلك رفض "حسين مروة" من منطلق منهجه كل عمل أدبي عدميّ ومجرّد ومطلق، أي أنه رفض كل ما هو مثالي في هذا الحضور المادي للواقع وما يغيّب حقيقته.(24)
* هكذا رأينا مما تقدم ان "حسين مروة" ناضل من أجل نقد موضوعي منهجي فكراً وممارسة، نظرية وتطبيقاً. فكان علم الجمال الماركسي رائده والواقعية الجديدة منهجه، ومن يسترشد بهما لن يضلّ، وهكذا ما ضل ابو نزار في فكره ولا وهن في ممارساته، وأكبر دليل على ذلك استشهاده بأيدي الغادرين عام 1987.
- الإحالات -
1. محمد دكروب، شخصيات وأدوار في الثقافة العربية الحديثة، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1987
2. طيّب تيزيني: حسين مروة، مقال: حسين مروة مفكرا مبدعا، دار الفارابي، بيروت، 1981. ص31
3. احمد ابو سعد: حسين مروة، مقال: حسين مروة المنهج والطريق. ص 97
4. ن.م. ص98
5. ن.م ص100 وراجع دكروب ص 20 وما بعدها
6. ن.م. ص100 وما بعدها وكذلك دكروب ص 21
7. ن.م. ص101 وكذلك ركروب ص 21
8. عن نضاله السياسي راجع مهدي عامل، كتاب حسين مروة شهادة في فكره ونضاله، دار الفارابي، بيروت، 1981 ص 37، ومحمد دكروب ص 153 عن نقده راجع يمنى العيد ص 111، واحسان عباس ص 61. عن دراسة التراث عند حسين مروة، راجع محمود امين العالم ص 13، وطيب تيزيني ص 31، وكذلك راجع مجلة أدب ونقد عدد (31) (1987)، مقال محمود اسماعيل ص 18 وما بعدها.
9. ابو سعد، ص 104
10. حسين مروة، دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، مكتبة المعارف، بيروت، 1972، ص 5
11. ن.م. ص6
12. ن.م. ص 7 – ص 8
13. ن.م، ص 8 – ص 9
14. ابو سعد، ص 104
15. ن.م. ص 105
16. حنا مينة، أدب ونقد، مقال، من يرسم الطيبة، عدد 31، 1987 ص 31 – ص32
17. حسين مروة: دراسات نقدية، ص 279. مصدر سابق
18. يمنى العيد: حسين مروة، مقال: حسين مروة والمنهج الواقعي في النقد الأدبي، مصدر سابق، ص 118
19. احسان عباس: حسين مروة: مقال: النقد عند حسين مروة: بين المنهج والتطبيق، مصدر سابق، ص 70
20. حسين مروة: دراسات نقدية، ص 250، مصدر سابق
21. عباس، ص 68، مصدر سابق
22. مروة، دراسات نقدية، ص 250، مصدر سابق
23. عباس، ص 68، مصدر سابق
24. يمنى العيد، ص 115، مصدر سابق