الفراغ إن لم تملأه يقتلك !

شمسة خشوف قرأها 344
  

الفراغ إن لم تملأه يقتلك !

شمسة خشوف

يقال عن الفراغ بأنه أسلوب من السلوك يمكن أن يكون متضمناً في أي نشاط نمارسه بعد إنهاء العمل والالتزامات العائلية والاجتماعية.

وجاء عن المنظمة العالمية للفراغ والترويح في (ميثاق الفراغ): (أن وقت الفراغ هو تلك الفترة الزمنية التي تكون تحت التصرف الكامل للفرد، بعد أن يكون قد أنجز عمله وأوفى واجباته).

ونستطيع أن نعرّف الفراغ أيضاً بأنه ذلك الزمن الذي يذهب من أعمارنا سدى بوجودنا خارج الوجود، أو هو الوقت بالذات الذي بحثنا عن معناه فوجدناه اختفى بما لا يفيد فعلياً الروح أو البدن، ويمكن أن يكون هو الوقت الفائض بعد إلغاء الوقت المخصص للعمل والنوم والضرورات الأخرى.

السؤال: هل يستهلك الفراغ في العمل الوظيفي، أو بالأصح في المؤسسات الحكومية، زمناً ثميناً من العمر نستطيع صرفه في ممارسة هواياتنا؟ بالطبع سيقول البعض: هذا كلام هراء، والسجال في مضمونه شيء من الهباء! لأن وجودنا ضمن مكان العمل وزمانه هو عمل بحد ذاته.

إذا أراد الكثيرون منا تقييم أوقاتهم وجدانياً وإنسانياً تبعاً للحياة المعاصرة والتقدم، كوننا بشكل عام نحاول أن نلحق يائسين بركب الحضارة، فهل سنرضى عن أوقاتنا يا ترى، خاصة تلك التي نكون فيها أحراراً وبيدنا التحكم بها؟

لن نتحدث عن أوقات الفراغ في حياتنا بشكل عام، إنما تلك التي تفرض علينا ونحن في أعمالنا أو وظائفنا، إذ يستطيع كل منا على الغالب إنهاء المهام الموكلة إليه بساعتين أو ثلاث ساعات على أقصى تقدير، مع بعض الاستثناءات، أشخاص هنا وأيام هناك ونوعية بعض الأعمال. وإن شئنا أم أبينا فلابد من وجود أوقات للفراغ في حياتنا الوظيفية. ولو أردنا السؤال عن كيفية قضاء تلك الفترة لأجابنا بعضهم تخوفاً من ضغط وتكثيف العمل لديه وإنهاكه بالعمل. بالطبع ليس هذا هو الهدف، بل لابد أولاً من إنجاز العمل على أكمل صورة، ثم البحث في وقت الفراغ الموجود ليس عندنا فقط بل في أكثر البلدان تحضراً، عما يطور قدراتنا الذهنية على أقل تقدير.

لننظر معاً في بعض الآراء حول كيفية قضاء أو ملء أوقات الفراغ في العمل:

قالت نهى (سكرتيرة): يجب أن أظهر دائماً بكامل أناقتي، في وقت الفراغ أُخرج المرآة وأضبط الماكياج، أقرأ الجريدة أو أتحدث على الهاتف مع بعض الأقارب.
أما نجاة (40سنة متأهلة) فقالت: عندي طفل يتعبني في البيت، لذلك أسترخي حتى إني أحاول النوم أحياناً، وذلك بعد أن أتصفح الجريدة وأحاول حل الكلمات المتقاطعة.

واعترضت أم سعيد (45 سنة متأهلة) على السؤال قائلة: هذا السؤال نظرياً غير مقبول، لأن مجرد وجودي في المؤسسة هو بالنسبة لي عمل.

وجوليا (مهندسة 35 سنة متأهلة) قالت: أشرب المتة أو القهوة، وأتسلى بالحديث مع زملائي أو زميلاتي عن كل شيء، مع الاستماع للأغاني أو البرامج الإذاعية.

بينما أحلام (30 سنة عزباء) تقضي أوقات الفراغ وهي تتحدث على الهاتف وتشرب القهوة، وقالت: أغمض عينيّ وأريح رأسي على الطاولة، أو أذرع الغرفة ذهاباً إياباً شيء من الرياضة.

خالد (35سنة متأهل): أنا أحب القراءة كثيراً لذلك أملأ بها أوقات فراغي، إضافة للعلاقات الاجتماعية.

ريتا (23 سنة، عزباء): أتسلى بالأكل، وبالحديث مع زملاء العمل، وأتصفح الجريدة ثم أحل الكلمات المتقاطعة.

وسلوى (37 سنة) مديرة: وقت الفراغ عندي نادر جاداً، وحتى إذا وجد أقضيه بقراءة الجريدة أو أي كتاب آخر.

أما سمير (33 سنة، أعزب) فقال: أخرج من الوظيفة إلى العمل المسائي الذي يبدأ من الرابعة وينتهي في العاشرة، لذلك أستغل وقت الفراغ بالاسترخاء أو النوم إذا كان الجو مناسباً. وتختلف عنه سناء وهي (رئيسة شعبة): فتعمل على الإنترنت وتنسى نفسها وهي تبحر في عالمه.

وقالت أم عمار (47 سنة متأهلة): أتسلى قليلاً بقراءة الجريدة التي تأتي للمدير، لكنه في الآونة الأخيرة صار يخفيها عنا ويأتينا بحجج غير منطقية رغم أننا حتماً لا نقصّر في العمل.

وتضحك نهى (30 سنة، متأهلة) وهي تشير إلى السوق القريب من العمل، فأحياناً تنهي نصف العمل الذي تحتاجه طبختها طبعاً بالخفاء، ولو سمحوا لها لأخذتها مطبوخة إلى البيت.

سعاد(55 سنة متأهلة): على الرغم من تسليتي مع زميلاتي فأنا أشعر بالملل في أوقات الفراغ، ويقتلني الضجر أحياناً فأتمنى لو يسمحون لي بالذهاب إلى البيت.

أبو عمر مدير علاقات عامة (ستون سنة): ليس لدينا مجال لعمل أي شيء في أوقات الفراغ سوى القراءة أو الاستماع للراديو.

إياد (35 سنة أعزب): الروتين بحد ذاته يسبب لنا الفراغ، أشعر بأني آلة ملقنة تعمل بالريموت كنترول، لا فرصة لي كي أطور أو أبدع في مجال عملي.

عبلة: ليس لدينا أي تمييز بين من يعمل جيداً وبسرعة، وبين اللامبالي والبطيء بعمله، والتحفيز غير موجود على الإطلاق لأن المحسوبيات هي التي تدير العمل. لذلك بصراحة أعمل ببطء شديد مع استماعي للراديو، وأتسلى مع زميلاتي لأن التجربة للأسف علمتني أن من كان متحمساً ومحباً للعمل يزيدونه عملاً دون مقابل مادي ولا معنوي.

لينا (مهندسة 27 سنة) قالت بسخرية: لا أتوقف عن العمل أبداً، وليس لدي وقت للفراغ. شعاري هو حب العمل والتفاني من أجله... مشاكل العمل لدينا لا تنتهي، لذلك نتسلى بالحديث عنها في أوقات الفراغ.

فراس (مهندس25 سنة) بسخرية: الحقيقة أقضي وقت فراغي بحساب ما سأصرف من الراتب وما سأدخر لشراء المنزل، ودائماً آمل وأهذي بأني لن أملك بيتاً أحلم به إلا بعد الأربعين من عمري، لذلك أخطط للسفر.

أحمد (مستخدم 25 سنة): في وقت فراغي أتسلى مع زملائي بالحديث عن مشاكل العمل أو أقف كالتمثال منتظراً الأوامر.

داليا (35 سنة عزباء): المشكلة أن عمل الكثيرين منا لم يتغير منذ أكثر من عشرة أعوام، على الرغم من وجود ضرورة ومجال لتبادل العمل لاكتساب الخبرة بشكل عام، إلا أن ذلك لا يحصل فيصبح عملنا روتينياً يجمد الفكر ولا يوسع المدارك إلا في نطاق ضيق جداً. وأشعر أن تلميذاً في الصف الخامس يستطيع فعله لو تعلم آلياته، ولا مجال لأي إبداع أو تطوير، وأنا أعزف على العود لذلك أقضي معظم أوقات فراغي بالاستماع إلى الموسيقا.

أما ما وحّد هذه الإجابات المتغايرة بعض الشيء فهو الروتين، الملل، عدم التحفيز وملء الفراغ بالعلاقات الاجتماعية، والأكل والشرب، والاستماع للراديو.

وللعلم إن المجتمع الياباني (الذي نحترم جميعاً التجربة التي خاضها في النهوض من قلب الرماد من أجل الإنماء والتطور) قد خفّض وقت الفراغ الحر عبر تطوير أساليب العمل، بإدخال الفترات الرياضية ضمن ساعات العمل، التي تفسح للعامل المجال أمام الاستمرار بالعمل دون إجهاد وتعب وإعاقة للقدرات الجسمية والروحية، أو ربما بالتحرر المنظم أو اللاعشوائي من أسر ساعات الفراغ في العمل الوظيفي.

إن طريقة التعامل مع الفراغ بشكل عام ـ باعتبار الإبداع يكمن على الأغلب بين طياته ـ إما أن يؤثر على المجتمع إيجاباً أو سلباً أو يبقيه على حاله بحيث لا يكون قادراً على النهوض ثانية.

ربما هي فلسفة الحياة الفطرية لكل منا، إذ تحكمنا الرغبات وأنماط التفكير والاهتمامات المتعددة لتحقيق أهدافنا في الحياة، لكن!! ألم يحن الوقت لأن نطور معاً تلك الفلسفة ونجعلها تسمو نحو آفاق جديدة، لئلا يسرقنا الوقت؟!.