أجمل قصة عن عالمنا
أجمل قصة عن عالمنا
نديم الوزه
حتى وقت قريب كان الإنسان يصوغ قصة وجوده على شكل افتراضات منطقية معتمداً على وعيه الأسطوري في فهم الكون وتكوينه. ولاسيما أنه لم يكن يفصل بين ما هو علمي وتخيلي في هذا الوعي بسبب رؤيته البسيطة لما حوله ومحدودية أدوات فكره مما اضطره في النهاية إلى فرض رؤيته بقوة مقدسة قد يختلف على ماهيتها بين مرحلة وأخرى لكنها تنطلق من تصورات أولية للوجود قد يثبتها العلم لاحقاً كما يؤكد مؤلفو هذا الكتاب معتمدين على ما يمكن للعلم أن يسرده من حقائق مثبتة يمكن أن تشكّل "أجمل قصة عن العالم" تروي "أسرار بداياتنا"!. لولا أن جمالية القص هذه قد لا تؤخذ من بنية الحوار المدرسية لأسلوبه على أهميتها في قول ما هو علمي بصياغة أدبية، بقدر ما تؤخذ من مقدرتها على فتح السبل لروعة الكشف العلمي الكامن في مسيرة الفكر البشري بعد فشل حداثته وخاصة في رؤاها الأدبية والفنية. ذلك أن ما رغب به شاعر كآرثر رامبو منذ قرن من عمر الحداثة بأن نكون "مطلقي الحداثة" هو ما جعله يعلن إفلاسه الشعري مبكراً لأنه ببساطة رغب أن يتكفّل الشعر بما لا يستطيعه إلا العلم، و هو ما صرّح به في إحدى قصائده الأخيرة، وهو ما انتهت إليه رواية نجيب محفوظ" أولاد حارتنا".. ما يثبته العلم أنّ الوجود احتاج لما يزيد على خمسة عشر مليار عام ليستطيع أن يفصح عن كائن حيّ على شاكلة الإنسان، بداية من الانفجار الكوني الكبير، ومسيرة التبريد، واستقرار المسافة بين الأرض والشمس، وهطول الماء على الأرض، وتشكل البحيرات الصلصالية وتمايز بعض الأجسام غير الحية فيها، وصولاً إلى حركة التفاعلات الكيماوية وبداية الحياة.. لكن ما هو مثير في هذه القصة ليس هطول الماء من المجرة وحسب، وإنما مشاركة النجوم في تكوين الإنسان وربما هذا ما يفسر نزوعنا نحو السماء أكثر من أي شيء آخر. أمّا ما هو أكثر إثارة في هذه القصة، بالنسبة لشاعر حداثي على الأقل، أنها لا تأتي على ذكر مفهوم الخلق، حتى أنّ رغبة اصطفائية تدفعني إلى رمي كلّ ما كتبه شعراء الحداثة عن الخلق والكشف في سلة الزبالة المعرفية، والتوجه مباشرة إلى الأسئلة الحقيقية التي تنتظر الإنسان لحماية وجوده. هذه الأسئلة فيما تشكّل تحدّياً وجودياً حقيقيّاً للبشرية يمكن أن تصوغ في الوقت نفسه وجداناً تعاطفياً بين البشر على مواجهة التحديات الكبرى، لا يقتصر على المهمات المعيشية بل يتعداها إلى كونية معرفية تؤاخي بينهم باعتبارهم العقلاء الوحيدين القادرين على إنقاذ الأرض من اعتدائهم عليها وربما من تقصير عمرها، وربما بعد ذلك في البحث عن أدوات جديدة للتأقلم مع الكوارث القادمة ولو بعد مليارات السنوات كانطفاء الشمس بعد حوالي خمسين مليار عام مثلاً. وعلى الأرجح يستطيع الإنسان القيام بذلك، على أن يعي وجوده على حقيقته، باعتباره كائناً عاقلاً، يستطيع تجاوز الأخطاء واصطفاء ما هو صحيح بسرعة فكره ذاته، فإنّ كانت مرحلته الحيوانية اختصرت إلى مرحلة زمنية هي التي يعيشها في رحم أمه فعليه ألا يستعيدها بعد خروجه منه، ذلك أن التعلم والثقافة يمكن أن يصطفيا أكثر بكثير مما هو ترفيهي لوجوده، ولا يتجاوز سيرورة إشباعه البيولوجية. بل إنّ في هذا الكتاب ما يتجاوز أمراضه النفسية المستعصية التي أوهمته بها بعض أخطاء الحداثة، يكفي أنه ينقض نظرية فرويد الأوديبية حين يؤكد على العلاقة الطبيعية السليمة للتكاثر الإنساني، بعيداً عن الصراع الذكوري على الأم، وما قد ينتجه من كراهية للأب، أو بالعكس. وما يعنيه ذلك من إعادة الاعتبار للرقم ثلاثة، ولكن ليس بالمعنى الأسطوري بالضرورة . ذلك أن ما هو ضروري الآن ليس سوى امتلاك الإرادة لكي يمنح الإنسان معنى لوجوده، معنى ثقافياً بالأحرى "ذلك أنّ التطور(الكوني) سيستمر بدوننا. وسنكون كما سيزيف في الميثولوجيا الإغريقية، سندفع صخرتنا نحو قمة الجبل لنتركها تفلت من بين يدينا في اللحظة الأخيرة وهذا سخيف ومؤسف... يجب ألا نتعامى عن خطورة الوضع الراهن، ومع ذلك ينبغي أن نكون متفائلين. علينا أن نفعل كل ما بوسعنا من أجل إنقاذ كوكبنا قبل فوات الأوان. فنحن المسؤولون عنه ونحن أبناؤه. علينا أن نعمل بدون انقطاع كي تتواصل هذه القصة الجميلة للعالم".
كتب هذا المقال اعتماداً على كتاب: أجمل قصة عن العالم/ أسرار بداياتنا.
تأليف: هيوبرت رييفس، جوي لدي روزني، إيف كوبين،دومينيك سيمونيه.
ترجمة: د. فينيتا الشيخ.الناشر: دار الفرقد، دمشق، سوريا،الطبعة الأولى 2006.