أعادتني رواية (ذاكرة الرحيل)، وهي الرواية الأولى للكاتب أديب بدر خان، إلى مشكلة (التأريخ). وهي مشكلة قديمة دائمة الحضور، طرحها الكثيرون على النحو التالي:
من الذي يكتب التاريخ؟ وما مدى الموضوعية والنزاهة في كتابته؟
وهل قيّض لتاريخ المقهورين أو المسحوقين أن يُكتب؟
وكيف صُوِّرتْ حركاتهم ونشاطاتهم؟ وما دور القوى المتنفذة في المجتمع في رسم اتجاهات الكتابة التاريخية رصداً وتدويناً وتحليلاً؟
وإذا كانت هذه الأسئلة، تعبِّر عن ضعف ثقة الناس بالتاريخ المكتوب، أو بجوانب كثيرة منه، فإن المشكلة لا تقتصر على الماضي البعيد، أو الأقل بعداً، بل تمتد إلى يومنا هذا، برغم وجود وكالات الأنباء والمحطات الفضائية والصحف الواسعة الانتشار، وبرغم قدرة من هم في غير صف المنتصرين على التعبير عن آرائهم أحياناً عبر مجالات إعلامية قد تضيق أو تتَّسع.
قد يقال إن مموّلي المنابر الإعلامية، حريصون دائماً على أن تبقى هذه المنابر وسائل لترويج أفكارهم وطمس أفكار خصومهم ومخالفيهم، وإنه لا مجال للحديث عن هامش حرية أو موضوعية إلا بالمقدار الذي لا يضرّ مصالحهم، وأنهم يوجِّهون تحليل الأحداث إلى الوجهة التي يريدون. وبرغم صحة ذلك، فإن طبيعة الإعلام في عصرنا، والتنافس بين مؤسساته، وسعي كل منها إلى تحقيق شيء من الصدقية في نفوس الناس، تدفع إلى إتاحة بعض الهوامش والفرص التي يمكن أن تستفيد منها القوى ذات التوجه الشعبي، والمفكرون والمحللون المعبرون عن مصالح المستضعفين وأفكارهم.
أما الماضي، فإن مصدر معرفته هو التاريخ المكتوب، وقد كتب في أزمان لم تكن المعرفة متاحة لشرائح واسعة من الناس، وكانت الكتابة حكراً لقلّة من هذه الشرائح، وكان ترويج ما يكتب خاضعاً لإرادة الممسكين بزمام المجتمع والمتحكمين به. كما أن تحليل الأحداث كان محكوماً بكثير من المفاهيم السائدة، كمفهوم قدرة الزعماء الخارقة، ومفاهيم الإلهام والمصادفة والإذعان للنزوات، وغير ذلك من المفاهيم التي تجاوزتها القراءة التاريخية الحديثة إلى حدّ كبير.
لكن رواية (ذاكرة الرحيل) أكّدت لديّ وجود مصدر آخر للمعرفة التاريخية، هو: ذاكرة الشعب، أو ذاكرة الجماعة، التي تستمر من جيل إلى آخر، وعبر النقل الشفهي غالباً، أو الأدب الشعبي حيناً، أو الكتابات الأدبية حيناً آخر.
قد تعتري تلك الذاكرة ملامح الوهن والاضطراب عند رواية بعض المراحل، وقد يختلط الواقع بالوهم أو التطلعات عند بعض المعبرين عن تلك الذاكرة، وقد يُدخل الزمن بعض الشوائب والغرائب، وقد يظهر ضعف التحليل أو سطحيته أحياناً، غير أن الذاكرة الشعبية تحتفظ بما هو عام وأساسي، وتتناقله، فيكون تأريخاً آخر، هو نوع من الدفاع عن الحقيقة التي يطمسها مؤرخو السلطان والمعبرون عن مصالح المنتصرين ورؤاهم.
تتحدث الرواية عن معاناة شعب داغستان الصغير العسف الروسي في القرن التاسع عشر. عبر عرضها السردي لحال قرية من القرى الصغيرة التي تفرض عليها قوة عسكرية روسية حصاراً محكماً، وتمارس القوة لخنق مقاومتها، التي يقوم بها رجال وشبّان، يتحلّون بالشجاعة والفروسية، ولمصير أربع عائلات فرض عليها عسكر الروس الهجرة إلى أيّ مكان، بعد بيع ممتلكاتها كي تكون هجرة إلى غير رجعة. اختارتْ هذه الجماعة من المنفيين أن تتجه جنوباً، أو جنوب غرب، وكانت مسيرتها ملحمةَ معاناة إنسانية لا يملك القارئ معها إلا أن يتعاطف أشد التعاطف مع هؤلاء المقهورين الذين يتألمون كل لحظة، ويتأهبون لملاقاة المرض والجوع والبرد والموت، وكأن جرح مفارقة الوطن لا يكفي لملء النفس بالأسى، بل تتراكم فوقه الجراح والغصص اليومية، وتكتمل تراجيديته بالخوف من الآتي المجهول.
تضم رواية (ذاكرة الرحيل) حكايات حب، ولمحاتِ بطولة فردية، وحالات تدفّق وجداني إزاء هذا الحدث المؤثر أو ذاك، لكنها، بالدرجة الأولى، قصة شعب فقد وطنه، وتشتّتت أوصاله، ولم يبق لديه إلا الذاكرة التي تشدّ أجياله إلى تاريخها وجذورها.
تؤكد هذه الرواية أن ذاكرة الشعب لا يمكن أن تُقتل، وأن الأدب الذي يستقي من هذه الذاكرة قادر على القيام بقسط مهم في صيانتها، وفي إنعاش روح الأصالة والاعتزاز بالجذور.
كما تبيّن أن الأدب، هو من أهم وسائل المقهورين في الردّ على من يكتبون التاريخ وفق مصالح الطغاة أو المتنفذين المنتصرين.