سيجارة بول شاوول

رامي الأمين قرأها 1,359
 

سيجارة بول شاوول

رامي الأمين

منذ أيام وأبو نواس يناديني. كل ليلة اشعر بأنه يدعوني إلى قراءته من جديد. بحثت عنه في المكتبة وانتشلته من بين الشعراء، كبيراً كما دائماً، ثقيلاً، ووعراً. عدت الى قراءته كما لو للمرة الأولى. أقرأ وأشعر بقوة هذا الكائن الذي استطاع أن يصنع من الخمر مادة ثرية للكتابة، وأفاجأ، كما لو للمرة الأولى، بقدرته وشغفه بالخمر وتمازجهما معاً الى حدّ التطابق. اقرأه وأشعر بوجعه وبثورته على التقاليد السائدة آنذاك في مجتمعه. فهو الذي دعا إلى الجهر بشرب الخمرة، لا إلى التستّر على هذه المادة التي إن مسّها حجر مسّته سراء. فهو يؤكد:

"ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر      ولا تسقنـي سرّاً إذا أمكـن الجهر".

أيام ابي نواس الموغلة في التاريخ لا تزال أفضل من أيامنا، فالخمر هذه الأيام، وبفضل الجماعات الأصولية على أنواعها، صار ممنوعاً من الخروج إلى العلن في مناطقها. كثيرون، لا يزالون حتى اليوم يخبئون قنينة الويسكي أسفل المجلى في المطبخ، ولا يجهرون بشرب الكحول خوفاً من المجتمع المريض والمنغلق على نفسه.

لكن في العودة إلى موضوعنا، وهو أبو نواس، فهذا الشاعر الكبير مسكون باللغة والموضوع، وهو قادر على إنتاج ملايين الصور والقصائد والأفكار من مجرّد فكرة واحدة هي الخمر. وهو، وإن كان غيره قد تناول موضوعه الشائع في تاريخ الشعر العربي، إلا أنه كان أفضل من كتب في هذا الموضوع، حتى صار شاعره، شاعر الخمر بامتياز. لكن الحديث عن أبي نواس، وقراءته من جديد، أحالني فوراً على شاعر كبير معاصر هو بول شاوول. فهذا الشاعر أمسك برسن السيجارة وروّضها لتصير موضوعاً قابلاً لأن يتحمّل كتاباً كاملاً عنها.

Pole%20Shoul01.JPG

"دفتر سيجارة" هو كتاب بول شاوول الذي صدر عن "دار النهضة العربية"، بالتزامن مع "بلا أثر يذكر" الكتاب الثاني الذي يختزن وعورة وتشابكاً في الأفكار والصور والمشاهد، يجعله في نظري أقوى من الكتاب الأول، لكن من دون إغفال الإنجاز الذي حققه شاوول في "دفتر سيجارة" حيث توصّل إلى اجتراح كتاب كامل من فكرة واحدة، ومن كائن ضعيف ومضطهد في المجتمع الحديث. فالسيجارة مطاردة في المطارات والأمكنة العامة في العالم، وهي ممنوعة في الكثير من هذه الأمكنة. كما أن المدخنين بدورهم مطاردون، باسم المحافظة على صحتهم، وعلى البيئة بشكل عام، ويحمّلون وزر التلوّث البشري بأكمله. طبعاً، أنا شخصياً، بصفتي غير مدخن، أنزعج من التدخين، ولا أحبّذ الأمكنة المسموح بالتدخين فيها. لكني بعد قراءة بول شاوول، بدأت أتعاطف مع المدخنين وصرت أقبلهم أكثر من السابق. شاوول في كتابه يكرّم السيجارة ويعيد الإعتبار إلى المدخنين. وغلاف كتابه أشبه بعلبة سجائر، وقد مازحته بالقول إن غير المدخنين يمكنهم أن يجرّبوا التدخين عبر كتابه، فيمكنهم أن يحملوه في جيوب قمصانهم، ويدخّنون قصيدة كل عشر دقائق. الياس خوري كتب عن قراءته كتاب بول شاوول في الطائرة، حيث يمنع التدخين، فعوّض نقصه إلى النيكوتين، وصار أكثر جوعاً إلى السجائر من ذي قبل.

بول شاوول أعطانا، نحن غير المدخنين، فرصة أن نجرّب السيجارة وأن نشعر بها، من دون أن نشعلها وندخّنها، ومن دون أن تؤدي بنا إلى "أمراض خطيرة ومميتة" كما تنبّهنا وزارة الصحة على علب السجائر. وبول شاوول تعرّض لمرض خطير منذ فترة في القلب، ليس التدخين سببه، أدخله إلى المستشفى، حيث أجريت عملية له، وخرج بالسلامة، وبما أنني لم أزر بول شاوول بعد لأهنئه بالسلامة، فإني من هنا أقول: الحمدالله على السلامة يا صديقي بولس.

بيت بمنازل كثيرة
النهار