الصّحافة والمفكّرون

عطية مسوح قرأها 1,249
 

الصّحافة والمفكّرون

عطية مسُّوح

العودة إلى تاريخ الصحافة العربية تفيد أمراً في غاية الأهمية، يصلح أن يكون مسألة يتناولها العاملون في حقول الثقافة والفكر والصحافة، وأن يتعرفوا إلى ما تركه من آثار على الصحافة العربية. هذا الأمر هو علاقة كبار رجال الفكر والثقافة والأدب بالصحافة، والارتباط المحكم بين الحركة الفكرية والثقافية والحركة الإعلامية.

منذ أواخر القرن التاسع عشر، وعلى امتداد النصف الأول من القرن العشرين كانت الصحافة العربية في بؤرتيها الرئيستين: مصر وبلاد الشام، ناهضة ومتنوعة وكبيرة التأثير في الحياة الفكرية والثقافية وفي وعي أوساط واسعة من الناس، ولها دور في تحديد المواقف السياسية إلى حد كان يتنامى باستمرار.

كان لكل تيار فكري أو ثقافي أو سياسي صحفه ومجلاته، وهذا أمر عادي ومألوف، وما يزال مستمراً إلى اليوم بأشكال مختلفة، برغم القيود على الصحافة في معظم البلدان العربية. لكن ما نريد التوقف عنده، ولفت النظر إليه، هو أن كبار المفكرين والكتاب هم الذين أسّسوا الصحف والمجلات، وكانت جزءاً من المشروع الفكري والثقافي التنويري لكل منهم. بل إنها كانت وسيلة ربط أفكارهم بالحياة الواقعية، وطرحها للناس كي يتناقشوا فيها ويحاوروا أصحابها ويأخذوا بها أو يرفضوها، وفي الحالين هم متأثرون ومستفيدون، كما أن المفكر يحصد أكبر فائدة من خلال تدقيق أفكاره وفق الحياة اليومية ومقتضياتها، ومصالح الناس ورؤاهم. إضافة إلى أن ذلك منح الصحافة مكانة وهيبة كبيرتين.

كان لكبار المفكرين رؤى نهضوية، يصل بعضها إلى درجة يمكن أن نعدّه مشروعاً متكاملاً أو شبه متكامل. ولم تكن الصحيفة أو المجلة مجرد وسيلة ينشر المفكر أفكاره من خلالها، بل كانت جزءاً من مشروعه، تعرضه وتلفُّ حوله المؤيدين والمتأثرين، وتجذب المعارضين إلى الحوار وإظهار التمايز والاختلاف، أي أنها كانت النشاط العملي اليومي للمفكر والتجسيد لربط النظري بالواقعي، والثقافة بالناس، والطريق للتفاعل الفكري بين التيارات النهضوية المختلفة.

لن ينسى المهتمون بالفكر والثقافة والصحافة أن المنوّر النهضوي الكبير أحمد لطفي السيد أسّس صحيفة (الجريدة) وترأس تحريرها وفتحها لكل كاتب نهضوي، وأنه عرض من خلالها مشروعه الليبرالي التقدمي. ولن ينسى أن الأديب والباحث محمد حسين هيكل أسس صحيفة (السياسة) وأن كلاً من جرجي زيدان وسلامة موسى وطه حسين ومحمد كرد علي وبشارة الخوري وسامي الكيالي وغيرهم من كبار المفكرين والأدباء أسّسوا المجلات والصحف، معبرين عن عمق انتمائهم الوطني والقومي وعن نزوعهم التحرري النهضوي وعن رفضهم التخلف والماضوية والخضوع للتقاليد الموروثة. وتذكُّر هؤلاء يوحي لمفكري أيامنا بأفكار كثيرة.

قد يكون أولها أن المفكر أو المثقف ينبغي أن يكون صاحب مشروع، أو رؤى، وأن الفكر والثقافة لا ينفصلان عن حاجات النهوض ومقتضيات التطور. وقد يكون ثاني هذه الأفكار أن شجاعة المفكر في طرح أفكاره هي أحد أهم مقاييس جديته وصدقه.

وقد يكون ثالثها أن الحوار الواسع بين التيارات الفكرية والثقافية والسياسية هو طريق التطور في مختلف الميادين، وأن هامش الحرية في هذا الحوار ينبغي أن يكون واسعاً لا يقيده إلا ضمير المفكر أو المثقف، وأن الحوار لا يجوز أن يقتصر على رجال الفكر والثقافة، بل أن تتسع دوائره وتجذب إليها المزيد من المشاركين من مختلف المواقع والمستويات.

ولعل العودة إلى صحف تلك الفترة ومجلاتها، وإلى كتب المفكرين والمثقفين الكبار، تفيدنا في قضيتين هامتين: أولاهما أن المفكر الجاد لم يكن ليتشبث بفكرته تشبثاً أعمى، بل كان يعدّل ويطوّر ويلغي إذا أوصله الحوار إلى قناعة بذلك، وثانيتهما أن المفكرين الجادين كانوا بعيدين عن النزعة الإلغائية أو التكفيرية والتخوينية، وكانوا يتواصلون ويتحاورون غالباً بأساليب حضارية تقوم على الاحترام والإقرار بحق الآخر أن يكون مختلفاً، وأن ينشر أفكاره ويدافع عنها.

هذه الروح البناءة مفيدة لنا اليوم وضرورية، وعلينا استلهامها، حكومات ومؤسسات إعلامية ومفكرين ومثقفين وأحزاباً سياسية.

ولعلنا، إذا أردنا أن نجتهد ونفسّر، نصل إلى أن وجود كبار المفكرين والمثقفين على رأس الصحف والمجلات، في النصف الأول من القرن العشرين، قد أسهم في نشر تلك الروح البناءة، لأن المفكر الحقيقي المتمكن والمثقف الأصيل لا بد أن يكونا مع حرية الفكر والإبداع، ومع الحوار الحضاري المثمر. ومن النادر أن نجد واحداً من هؤلاء المتمكّنين الأصلاء يميل إلى تقييد حرية التفكير والتعبير أو يلجأ إلى أساليب الزّجر والمنع والتضييق، فذلك المتمكّن الأصيل يثق بفكره وقدرته من جهة، ولا تشدّه الثوابت بمقدار ما يشدّه التطوير والتغيير والسعي إلى الأفضل من جهة أخرى، وهو يتحلّى ـ على الأغلب ـ بنزعة إنسانية عميقة تجعله يحترم الآخر وحقوقه.

لقد تطورت تقنيات الصحافة وتجاوزت ما كانت عليه حال الصحف والمجلات في العقود الأولى من القرن العشرين، وصارت الصحافة علماً له استقلاله وكيانه، لكن هذا لا يلغي المحتوى الفكري والثقافي للإعلام، ولا يتعارض مع فكرة اندماج الحركة الفكرية والثقافية بالحركة الإعلامية، فالتطورات التقنية تتصل بالأساليب والأشكال والوسائل، وتستفيد من العلوم الإنسانية كلها، لكن غايتها في النهاية الوصول إلى عقل القارئ وعاطفته، لإيصال فكرة وموقف، وهذا هو جوهر الحركة الفكرية والثقافية ذاته.

وإذا سعينا إلى مزيد من الاندماج بين الحركة الفكرية والحركة الإعلامية، فسوف نسير في طريق نهوض كل منهما. وهذا ما يطرح فكرة عودة المفكرين والمثقفين الكبار إلى الصحافة، لا بوصفهم كتّاباً فقط، بل بوصفهم مؤثّرين فاعلين في تحديد اتجاهاتها وأهدافها.