هل هو حلم؟!

د. حبيب بولس قرأها 1,117
 

هل هو حلم؟

د. حبيب بولس

Dr.%20Habib%20Boulos.JPG

عام 1990 دعيت من قبل الجمعية الروسية الفلسطينية لزيارة الاتحاد السوفياتي سابقاً. وفعلاً لبّيت الدعوة وسافرت الى هناك وحلَلت ضيفاً على الجمعية في مدينتين لهما تاريخ عظيم وأثر كبير هما: موسكو ولينغراد. أولاً، حلَلت ضيفاً على الجمعية في مدينة لينغراد, وكأي زائر أجنبي يزور بلاداً لأول مرة, طلبت من المضيفين زيارة الأماكن الأثرية والسياحية في المدينة, وكما هو معروف للجميع، لينغراد، اليوم: "سانت بطرسبورغ"، عاصمة من عواصم الأدب والفكر والفن والتاريخ. أثناء تنقّلي بين عظمة الهيرميتاج وروعة المتاحف والقصور الأخرى, اقترح عليّ مرافقي ان نزور سوية مقصفَ أو قهوةَ الأدباء, ودهشت حين سمعت الاسم وتساءلت وهل للأدباء مقصفٌ هنا؟ وماذا يعني مرافقي بذلك؟ هل هي حقيقةٌ ما يقول؟

شدني حب الاستطلاع المقرون بالدهشة لزيارة المكان, ورحت أستعجل الساعات الى هناك.

دخلنا المكان واذا به واسعٌ ضخمٌ يتكون من طابقين, في الأول قاعة كبيرة تصطفُّ فيها طاولاتٌ مستديرة يتحلق حولها جمعٌ كبير ومن زاوية معتمة فيها انبعثت موسيقى هادئة جميلة كان يعزفها عازفان ماهران الاول على البيانو والثاني على الكمان. وكان جمهور الحاضرين يثرثر بصوت هادىء لا تسمع منه سوى الأحرف الصفيرية- كما يقول البحتري- وكانت تنبعث من هنا وهناك بعض الضحكات والآهات. استفسرتُ فقال مرافقي انهم جمهور الادباء في لينغراد يأتون في المساء الى بيتهم ليلتقوا بعضهم وليتداولوا ويتباحثوا في القضايا التي تهمُّهم. هذه هي قاعتهم, وهذا هو مقصفهم فيه يجلسون ويتبادلون أطراف الحديث ويستمعون الى الموسيقى ويأكلون ويشربون كلٌّ حسب هواه, أما القاعة العليا فهي قاعة للندوات والمحاضرات, حيث تعقد فيها- وفق برنامج شهري يُنشر على الناس سلفاً- في كل أسبوع ندوة او تقام محاضرةٌ حول كتاب ما او موضوع معين, وهذه الندوات والمحاضرات مفتوحة للجمهور, ولكن من يدخل يدفع بعض الرسوم المادية وذلك لتشجيع الأدب والأدباء. "ما أعظم هذه الفكرة! وما أكبر مغزاها! وما أروع رسالتها!".. قلت في نفسي وكتمت الأمر على مضض وانا أعلك أفكاري متسائلاً بيني وبين نفسي: "أين نحن من كل هذا؟!". ورغم الدهشة المقرونة بالإعجاب التي أصابتني في حينه حاولت ان أتناسى الأمر وذلك لسببين: الأول لأنني لم أكن متفائلاً لدرجة تجعلني أجرؤ على طرح الفكرة على أدبائنا ومؤسساتنا وذلك لعلمي الأكيد بالحالة المادية التي نعيشها, والثاني: لأن الأيام التي مرّت تجعل الحماس لفكرة ما يفتر.

ولكن الأشياء او الأفكار الجميلة على ما يبدو ترفض التكتم وتأبى السكون مهما حاولنا ذلك, فهي في الواقع تتفجر فينا ثانية حين تجد الفرصة المناسبة وتعود لتحتل مكان الصدارة. وهذا فعلاً ما حدث لي قبل ايام قلائل اثناء وجودي في مدينة أدنبرة في اسكُتلندة, حيث زرت هناك أيضا بيت الكتاب كما يسمونه، ووجدت شيئاً مشابها للينغراد, مع إضافة أخرى هي ان هذا البيت على كونه ملتقى للأدباء يضم في داخله متحفاً صغيراً يروي تاريخ الأدباء الذين رحلوا او الذين كانت لهم بصمات على تطور الأدب الإنجليزي وخاصة الاسكتلندي. مرة اخرى هزّني هذا البيت وارتفع سؤال كبير حاولت ألاّ أتيح له الانفلات سنوات ست. ألا يحق لكتابنا وأدبائنا مثل هذا الاحترام؟ ومثل هذه العناية؟ ألا يليق بهم، وهم مهندسو الأرواح البشرية, الذين وقفوا وما زالوا الى جانب قضايا شعبهم مدافعين عنه وراسمين له الحلم الأخضر، مثلُ هذا البيت؟ أما حان الوقت بعد لنكرِّمهم مثل هذا التكريم؟ كم منهم ضحّى حتى بلقمة أطفاله من أجل قصيدة! كم منهم سُجن وعُذّب! كم منهم دفع مستقبله ضريبة من أجل مجموعة شعرية او قصصية وكم منهم تنازل عن إغراءات كثيرة من أجل مبدأ التزمه! انهم يستحقون مثل هذا الاحترام والتقدير بل أكثر والمسألة ليست صعبة كما يتصورها البعض.

هل أكون في حلم او هذيان! اذا تصورت أدباءنا في المستقبل القريب يضمهم بيتٌ دافىء يلتقون فيه ولو مرة في الأسبوع ليتداولوا وليتناقشوا وليتبادلوا الآراء والتجارب! وهل هناك طريقة تثري عالمهم الأدبي أحسن من ذلك! أعتقد انه بهذه الطريقة فقط يمكن ان ننشط حركتنا الأدبية التي باتت تشكو من الترهل وان ننتشلها من الركود, وهكذا نشجع جمهورنا ونحتم عليه احترامنا واحترام أدبنا وكما أعتقد ان الوقت قد حان لتنفيذ هذه الفكرة خاصة وأن أدباءنا لا يقلُّون قدراً ومعرفة وفناً عن غيرهم من أدباء الشعوب الأخرى. انظروا الى الأدباء اليهود والى بيت الأديب في تل أبيب.. أليس هو الآخر يشبه البيتين السابقين؟ ألا يحق لأدبائنا ان يكونوا مثل أخوانهم اليهود؟ صحيح ان الفكرة متأخرة ولكن تأخرها لا يعني عدم تنفيذها, بل في رأيي ان الوقت مناسب الآن لإعادة النظر في كل ذلك من جديد.

في الماضي تفرق أدباؤنا بين "اتحاد للكتاب" و "رابطة", اما اليوم يجمعهم أكثر بكثير من الذي يفرّقهم. لننتهز الفرصة إذن، ولنعمل سوية على إخراج هذه الفكرة الى حيّز التنفيذ.. وكما ذكرت آنفا ان تنفيذها ليس صعباً بل هو سهل وما يلزم هو فقط بعض التشجيع المادي من قبل مؤسساتنا ومتمولينا والتشجيع المعنوي من جمهورنا، ولن يبخلوا جميعهم بذلك. وربما سائل يسأل والمكان؟ ماذا مع المكان؟ الإجابة عن ذلك بسيطة, اذ ان المكان متوفر. فها هو بيت الكاتب في الناصرة الذي افتتح قبل سنتين في الانتظار, وهو عندي مكان مناسب, اذ انه واسع وفيه قاعات متعددة تتسع لندواتنا ومحاضراتنا, كما انه يحتوي على مقصف متواضع يمكن تطويره, وفيه ايضا كل ما يلزم من الإمكانيات والوسائل, وهو مفتوح يومياً وتحت تصرف الأدباء, وليس الحديث هنا عن أدباء الناصرة فقط, بل الحديث عن أدبائنا جميعهم في الجليل والمثلث وسائر المدن والقرى الأخرى.

وبيت الكاتب كما هو معروف للبعض تابع للطائفة العربية الأورثوذكسية في الناصرة وتموله دائرة الثقافة العربية, وقد أُقيم خصيصاً ليكون ملتقىً للأدباء ليخدم مصالحهم.

فهل لي ان أحلم وان أرى أدباءنا يؤمُّون هذا البيت ويقيمون فيه الندوات الأدبية للجمهور الواسع؟

هل لي ان أحلم وان أرى هذا البيت وقد أصبح فعلاً ملتقىً للأدباء وللجمهور, اذ ما يلزم لتنفيذ الفكرة؟ في رأيي لا شيء سوى أخذها على محمل الجد من قبل الأدباء. فالبيت موجود بأثاثه وغرفه ووسائله ومقصفه ولا يبقى سوى ان نؤثّثه بالأدباء. وانا على يقين من ان مجلس الطائفة العربية الأورثوذكسية سيرحب بهذه الفكرة وسيكون سعيداً إذا حوّلنا هذا البيت البارد الى بؤرة نشاط وإشعاع دافئة. والشيء الوحيد الذي يظل ناقصاً هو تحويل البيت أيضاً الى متحف يروي تاريخ أدبائنا الفلسطينيين كي تتعرف الأجيال عليهم وعلى تراثهم, ولكن حتى هذا الأمر ليس بصعب المنال, اذ اننا قادرون على تقفّي آثار أدبائنا بدءاً بكشاجم الرملي والقاضي الفاضل, والصفدي, والمقدسي, والعسقلاني, والكرملي, ومروراً بابراهيم طوقان وعبد الرحمن محمود وبأبي سلمى, وبمطلق عبد الخالق, وبالبيتجالي, وبنجيب نصار، وبالسكاكيني, وبالنشاشيبي, وليس انتهاءً بجبرا ابراهيم جبرا وتوفيق زياد فالقائمة طويلة بمن نحن قادرون على إحياء أسمائهم وتراثهم من جديد ليكون مفتوحاً لأجيالنا القادمة.

هل هو حلم؟

ربما, ولكنني لا أعتقد ذلك طالما ان الأمر قابل للتنفيذ بسهولة. فهيا ننطلق جميعاً الآن, لان الفكرة لا تحتمل التأجيل أكثر، فقد طال بنا عهد الفرقة والتفرق والتشتت وصار من الضروري ان نتجمّع, خاصة وانا أرى الإرهاصات الأولى لهذا التجمّع, إذ ان البذور قد بدأت تتململ, فقد سمعت مؤخراً ان لفيفاً من الأدباء قد بدأ يحس بهذه الحاجة.

فهل لي ان اتصور نفسي في القريب العاجل جالسا في بيت الكاتب مع الآخرين من الزملاء نصغي الى الموسيقى ونتجاذب أطراف الحديث مع فنجان من القهوة حول قضايانا الأدبية والثقافية؟!

هل لي ان أتصور نفسي جالساً في إحدى قاعات هذا البيت أستمع او أشارك في ندوة أسبوعية تتناول أدبنا وإنتاجنا؟!

هل انا أحلم؟!

إنني أدعو الجميع الى ذلك وأهيب بمؤسساتنا وبأدبائنا وبمدير بيت الكاتب ان يسرعوا جميعاً في تنفيذ هذه الفكرة. فنحن فعلاً بحاجة ماسة اليها.

فهل من يستجيب؟!