مقابلة مع المخرج المسرحي مانويل جيجي: "طوال وقتي كنت مثل الدون كيشوت"
مقابلة مع المخرج المسرحي مانويل جيجي:
"طوال وقتي كنت مثل الدون كيشوت"
بقلم: مايا جاموس
المخرج مانويل جيجي الذي يميل لتقديم مسرحيات ذات موضوعات إنسانية عامة تصلح لكل زمان ومكان، لأنه مهتم بكل البشرية، كما يقول، مثل (ميديا)، (هاملت)، (كاليغولا)، (أنتيغون)، قدم مؤخراً على خشبة مسرح الحمراء مسرحية (الدون كيشوت، ويقول إنه مثل العديد من المسرحيين يشبهون الدون كيشوت، ويدركون أنهم مهزومون، لكنهم يحاربون لصنع مسرح، رغم (غياب الأمان والضمانات).
ومع أن مسرحياته قد تجاوز عددها 52 مسرحية، لكنه يعتقد أن التجريب والتنوع حاجات أساسية في المسرح، أو كما يقول: (يجب خلق أبجدية جديدة لكل عرض مسرحي).
فيمايلي مقابلة مع المخرج المسرحي مانويل جيجي*.
· هل نحن محكومون بأن تبقى الدونكيشوتية خياراً وطريقاً فردياً؟
- من خلال الظروف التي نعيشها في العالم كل الخيارات تكون فردية، وأنا لا آخذ الحالة على مستوى الدول بل الأفراد، حتى على مستوى الإنسان فإن ما يعمله ويقدمه في النهاية يكون فردياً ولا أصدقاء له ولا آخرين يتعاضد معهم، تكون المصالح أقوى وتلعب الحياة الاقتصادية دوراً في ذلك. صار الناس لا يحلمون وهذا ليس بإرادتهم بل من خلال الواقع الذي يعيشونه، يوجد دون كيشوتات كثر، غاندي كان دونكيشوتاً، وحرَّر قارة لا بالسلاح بل من خلال مبادئ إنسانية، ويوسف العظمة كان دونكيشوتاً آخر.
· لكن يوسف العظمة لم يكن وحده؟
- لذا كان سانشو رمزاً لمجموعة معينة، إنه فكر رمزي لشخص يعبر عن مجموعة، عن ناس.
· أمثاله، لكن سانشو غبي. وكأن المسرحية تقول إن الدونكيشوتية هي خيار إما مجنون (الدونكيشوت) أو غبي (كما هو سانشو)؟
- سانشو تطور من مرحلة البطن إلى العقل والقراءة ثم السلاح. في بدايات المسرحية كان يقول إنه غبي لا يفهم، ثم لم يعد يقول هذا الكلام. يقول أنا أيضاً لا أرى أحداً، لكن كأنني أرى أحداً... بدأ يرى مثل الدونكيشوت، أي ما بعد الحدث، أي ما بأعماق الدونكيشوت. وبرأيي إنه صار إنساناً يحارب مثل سيده، وعندما ركع دونكيشوت ركع هو أيضاً، لا تقليداً لسيده. في البداية كان يأخذ الكتب ويرميها، ثم صار يضعها في الكيس الذي على بطنه، وعندما رمى الدونكيشوت الخوذة، ارتداها سانشو عن وعي وليس بغباء، أي تطور. الدونكيشوت استسلم لأنه لم يعد يحتمل، هو ليس أرضياً، كان مأخوذاً بالكتب دائماً أما سانشو الذي كان أرضياً فهو البديل الحقيقي أي الإنسان الأرضي والفكري في الوقت نفسه.
سانشو لم يكن ناضجاً منذ البداية مثل سيده، لذا نراه شارك في مرحلة واحدة مع جنود الوالي الذين كانوا حقيقيين، ورأى فيهم الشر. أما الباقي فلم يصدّهم، لم يكن يرى أعماق البشر، هذا بقي للآخر بمعنى يوجد من يأخذ مكان الدونكيشوت. يمكنكِ القول إنه بقي وحده، هذا صحيح، غيفارا مثلاً بقي يحارب وحده، وبالمفهوم المعاصر هو دونكيشوت، لكنه حلم للأجيال القادمة، حلم يتحقق ويريد وقتاً.
· لكنه لا يتحقق بدون مجموع؟
- نعم لذلك أبقيت الأمل البسيط رغم عبثية موقفي، أبقيت نافذة صغيرة كي يتمكن الناس من الرؤية من خلالها ولدخول النور إليها وليصبحوا بل يتعلموا من دونكيشوت وسانشو. دونكيشوت كان لديه الرغبة، أما سانشو فلديه الرغبة والإرادة. إذاً موقف دونكيشوت ليس سلبياً، في عصرنا هذا نريد ناساً دونكيشوتيين، وكل إنسان يحمل في داخله جزءاً من الدونكيشوت وجزءاً من المارد. ومن ينتصر في النهاية؟ أحدهما. قال أحدهم لسارويان مرة: أنتم الكتّاب طوال حياتكم ورغم كتاباتكم لم تقضوا على الشر، فيجيب: صحيح أننا لم نقض على الشر ولن نتمكن من القضاء عليه، لكننا في كل كتاباتنا أوقفنا الشر في مكانه. أنا تركت دونكيشوت يعيش كنوع من الجنون، صحيح أنه استسلم لكنه كان يصرخ بأنه لم يعطِ البشر شيئاً سوى الحلم. إذاً هو شيء كبير أن تتمكني من إهداء البشرية حلماً، وعندما يعرفون الطريق الصحيح فسيتغيرون. بالنسبة إليّ فإن المستوى الجماعي الذي قصدته أنت هو ما يراه الناس، وهنا يمكن أن أجمع ناساً يريدون أن يصبحوا مثل الدونكيشوت أن يتكاثروا، وإلا فما عملت عرض الدونكيشوت، وكتّاب العبث ليسوا سلبيين ومتشائمين يريدون تدمير البشرية بل يريدون إعطاء درس للبشرية. أنا من خلال الدونكيشوت أردت إعطاء الناس الأمل
· موضوعات مسرحياتك تتحدث غالباً عن الإنسان المهمش، والذي تعرض للأذى والعنف بشكل من الأشكال، إلى أي حد يشكل هذا هاجساً لك؟
- كل مسرحياتي تحمل السمة الإنسانية بشكل عام، عملت تقريباً 52 مسرحية. البشرية برأيي لها نفس الأحاسيس والعلاقات، قد تختلف النسبة لكن الصراعات دائمة، لذلك آخذ الإنسان بشكل عام و لا أحدد منطقة معينة. تهمني كل البشرية وأن أتحدث عنها حتى لو كان الرمز فرداً لكن المقصود به المجاميع بشكل أفقي، بمعنى بشكله الكامل. لذا برأيي الفنان النحات والرسام والكاتب قضيته أولاً هي الإنسان.
· موضوعات المسرحيات التي قدمتَها بعضها حساس مثل القهر والعنف ضد المرأة والديكتاتورية والعنف...، فهل عدم تحديد الزمان والمكان لديك يعود لأسباب رقابية؟
- لا أبداً، أنا قدمت نحو 52 مسرحية لم يوقف منها شيء لأسباب رقابية. عملت على قضية المرأة، وهناك منطق ذكوري ضد المرأة، عالجت بمسرحياتي الكثير من الأمور. ليس هروباً من الرقابة، إن أردت الحديث عن شيء فهناك مئة طريقة للحديث عنه وليس ضرورياً الكلام المباشر الخطابي وفي النهاية هو عمل فني يستطيع الشخص قول ما يريد لكن بشكل فني جميل، سواء كان ذلك عن طريق الرمز أم التعبير أم بطريقة فنية ما. في عروضي لم تكن تأتي لجان مراقبة لتتأكد أنني لم أغير في النص، وحتى خلال العرض لم يكن هنالك أية حالة رقابية. وبالنسبة للمسرح يبقى جمهوره مختلفاً، أنا لا أحب إيصال ما أريد من خلال (البعبعة) والصراخ، بل بهدوء يمكن إيصال ما نريد للمشاهدين وما يريدونه. حين أعمل عروضاً لا يُسمع بها إلا وقت العرض لأنني لا أحب (البوزات) والصراخ. نحن كبشر نستطيع أن نتفاهم مع بعض دون أن نصرخ، وهذا يحتاج إلى الحكمة وليس كل الناس يمتلكونها. الناس في الدول الاسكندنافية لا يصرخون بل يعبّرون بهدوء إن غضبوا، فقط يحركون إصبعهم، وهذا لأنهم وصلوا إلى درجة متقدمة من التفاهم. لديهم مشاكل لكن أسلوب الكلام لديهم مختلف، بالصمت يحكون، بالنظرة، دون ضرب أو غيره. هنا بالهدوء والسلام يمكن وضع الحلول كما فعل العديد من الأنبياء والمفكرين، بدون حروب ودماء. أنا أذكر فقط أنه بالهدوء يمكننا الحصول على ما نريده، أنا بتعاملي مع طلابي أستخدم طيبتي وصمتي وشفافيتي، وبذلك أصبح أقسى من الديكتاتور وأجعلهم يفعلون ما أريده وأن يصلوا إلى مراحل، لا يقولون إنهم تعبوا. قصدي بالنهاية أنه بالمحبة يمكن فعل كل شيء. ليس ضرورياً للمسرح أن يعمل انقلاباً، فقط أن يحرك ذهن الناس، نريد للإنسان أن يكون إنسانا.
· يُلاحَظ تعاملك مع النصوص المسرحية الأجنبية، وقد سبق أن ذكرت أن النص المحلي يعاني مشكلة، فما هي؟ هل كنت تقصد أنه لا يعبر عن بيئته ومشاكلها وهمومها؟
- نعم، النص المحلي يحكي حكاية.. صحيح أن النص المسرحي هو حكاية بالنهاية، لكن يجب أن نرى المسرح بشكل بصري وأن نكتب كلمات. المسرح هو فعل، نحن من خلال أدائها نرى أفعالاً، لا أفعالاً يعبَّر عنها بالكلام، يعملون نصاً بمئتي صفحة وهذا يحتاج إلى خمس ساعات لإخراجه، بينما نرى نصوصاً أجنبية بستين إلى سبعين صفحة.
· إذاً هي مشكلة تقنية وليست مشكلة مضمون أو أفكار؟
- نعم مشكلة تقنية.. كُتب الكثير عن المشاكل، طبعاً نحن لن نضع الحل، نحن نحكي فقط، نحن يمكن أن نحكي ساعات على طريقة الحكواتية. ويمكن لهذا الكلام أن يكون من خلال صورة فنية على خشبة المسرح من خلال ثوانٍ، هذا هو الفرق لدينا ككتاب عرب، وأنا قلتها مرات عديدة نحن لا يوجد لدينا عشرون نصاً عربياً. أنا إذا أخذت نصاً عربياً علي حذف ثلاثة أرباعه، حتى يصل معي إلى مادة مكثفة، ولا يكون هشاً، لذا أنا أهرب من النصوص العربية قدر الإمكان. يوجد نصوص عربية أفكارها جميلة جداً لكنها مسترسلة في الكلام، وحتى إن حذفت منها... أنا مرة تعاملت مع نص شطبت منه نصفه ثم ثلاثة أرباعه لكن لم ينجح الأمر، وفشلت في إخراجه لأنه لا يوجد فعل في الكلام، يوجد ناس يسردون ويحكون ويكررون مرات عديدة وبصفات مكررة، ومتشابهة، يوجد سذاجة إلا نادراً ببعض الاستثناءات.
· تقول: (قد نكون أضعنا حياتنا على قضايا حسبناها كبيرة ونسينا قضايا أخرى)، ما هي هذه القضايا التي حسبتموها كبيرة ولم تكن كذلك، بحيث ضاعت الحياة بسببها أو لم تكن تستحق أن تضيع الحياة لأجلها؟
- لا كانت تستحق، لكن كان هنالك قضايا أكبر، إنها قضية المرأة، نصف المجتمع، تركنا هذا الشيء وذهبنا إلى قضايا، وتذابحنا مع بعض، هناك قضايا اجتماعية أخذناها نحن، نادراً ما نرى نصوصاً تطرح قضية بشكل جدي بل تطرح الأمور بشكل إعلاني أكثر منه علمي، صحيح أننا نطرح قضايا مثل الاستغلال والفقر أو حالات إنسانية منفردة على حدة، لكنها لا تشكل قضية كبيرة على مستوى المجتمع، ونسينا نصف المجتمع أعني المرأة، لدينا نقص قانوني تجاه المرأة، لذلك تحمل أعمالي دفاعاً عن المرأة وحقوقها، المرأة محرومة من أمور كثيرة ويوجد تمييز كبير تجاهها، لذلك مهما طرحنا من قضايا اجتماعية تكون صغيرة أمام قضايا المرأة.
· تقول على لسان جوني إحدى شخصيات سارويان، إن ثمة خطأ ما، لكن لا يمكن إدانة أي شخص...، عن أي خطأ تتحدث، وهل حقاً لا يمكن إدانة شخص محدد أو تحديد المسؤوليات ومستوياتها، بمعنى من تقع عليه المسؤولية أكثر؟
- أقصد أيَّ خطأ، سارويان كاتب إنساني شامل، ويكتب حكايات بسيطة جداً لكنها إنسانية وشاملة. وكأنه يقول لا يمكن إدانة أي إنسان على الكرة الأرضية، وهذا الشيء يعمَّم، كأن نقول لا يمكن للشخص أن يدين أحداً لأنه نفسه لديه أخطاء ولا يدين نفسه. أو كما يقول المثل: إن كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجارة، كل إنسان مدان، بغض النظر عما إذا كانت إدانة كبيرة أم صغيرة، وكل إنسان حسب حجمه يدان، وكل الناس مدانون، يوجد خطأ ما مثلما يقول سارويان، لكن لا يمكنني أن أدين أحداً، ومن يرى خطأ فمسؤوليته أن يصلّح هذا الخطأ، والخطأ لا يصحح إلا بتعاون كل الأطراف.
· تقول إن وضع المسرح في سورية محزن، وليس السبب مشكلة مادية أو نصوص؟ فما هي الأسباب، هل هي مؤسسات ثقافية مسرحية أم مسألة حريات أم جمهور منكفئ أم مسرح غير جذاب للناس، أم منافسة فنون أخرى، أم غير ذلك؟
- إنها مسألة مؤسسات ثقافية مسرحية، أنا قلت لدينا ممثلون ومخرجون جيدون، ولدينا حكومة تدفع. لكل المؤسسات ميزانية ما، وأقل ميزانية هي لوزارة الثقافة، رغم أنها تنقل الوعي إلى المجتمع للارتقاء. الثقافة مهمشة والمسرح بشكل خاص، وعدم إيمان المؤسسات بالمسرح، وعدم جديتها بتناول قضية المسرح.
· لماذا تتعامل هذه المؤسسات بتلك الصورة؟ هل بسبب جهلها بدور المسرح أم لوعيها بأهميته وخوفها منه فيما إذا كان فاعلاً، وبالتالي يهمشون المسرح قصداً؟
- إنه عدم تقدير لدور الفن، سواء كان هذا التهميش مقصوداً أم غير مقصود. ثمة دول فقيرة لكنها خلقت ثقافة رائعة وجيلاً رائعاً. يوجد فقر فظيع في تمويل المؤسسات المسرحية، ما معنى أن تعطي مؤسسة السينما فيلمين بالسنة، والمسرح خمس مسرحيات بالموسم، لكن بطلوع الروح، وبأخف الميزانيات والمكافآت! يعمل الإنسان سنة بأجر أقصاه 50 ألف ليرة، فكيف لهذا الإنسان أن يعمل مرة ثانية؟ هذا الإنسان هُمِّش، نحن نبني أمكنة للثقافة لكن لا نبني الإنسان، لا تبنِ هذا الحجر بل ابنِِ الإنسان، وابنِ علاقات جيدة بين الممثلين والعاملين، حينئذ لا يبقى هنالك أزمة مسرح. المال هو الذي يخرب البشر. لا أفهم كيف يدفع المسرح القومي لعرض أربعة ملايين أو أكثر أو أقل قليلاً، ولا يدفع مئة ليرة زيادة على الدعاية والإعلان، هنا على من سأضع الحق؟ على الأنظمة والقوانين القديمة التي لا تضع بنداً للدعاية. ويقولون لك ها قد دفعنا الملايين، عروضي تُعمل دون دعاية بل من خلال علاقات شخصية وشباب يوزعون بطاقات، أو يأتون بسبب اسمي. أي عقلية هذه؟ على من أضع الحق؟ على الفوضى في المديرية مثلاً، أو الوزارة التي لا تخطط بشكل صحيح؟ والواحد منا يعمل ويأخذ مكافأته بعد سنة، كل عمله راح (ع الفاضي)، فليضعوا لنا قوانين أو عقودا.
· إذاً تتفق مع الراحل سعد الله ونوس أن هنالك تهميشاً منهجياً للثقافة وللمسرح بشكل خاص؟
- الحكومة تتطلع إلى الربح والخسارة، إن كان الشيء خاسراً اقتصادياً ورابحاً معنوياً فهي لا تريده، هنالك تهميش.. إن كان مقصوداً أو غير مقصود فالنتيجة واحدة، إن الثقافة تُهمش، أحياناً يصير بشكل مقصود، وأحياناً بشكل غير مقصود. يدفعون أربعة ملايين ولا يعملون دعاية ولا مخططاً!
· ماذا عنت لك العودة إلى سورية بعد غياب 8 سنوات، وأن تعمل رغم الشروط السيئة؟
- أنا عدت لكثرة ما قالوا لي تعال، سواء بالمعهد أم بالمسرح، بعدما عدت وبسبب المعاملة التي عوملت بها قلت: إن كانوا سيدفعون لي دينارين في الكويت فسأعود. لكنني كنت قد عدت بإرادتي، وحين جئت أعمل تبين أن الأمر كله مربوط بمزاجيات العاملين في المجال أياً كان، وأنا لست محسوباً على أحد، وإن لم تكن الشخص محسوباً على أحد لا يعطونه شغلاً. ومسرحيتي الدونكيشوت أخذت سنة كاملة لإنجازها، فهل هذا معقول؟ إنه بسبب سوء التنظيم الإداري في المديرية. ولا يوجد تقدير للكفاءات، واذهب وتعال و.. تعبت من هذا الشيء. رجعت إلى هنا للعمل ولا يوجد تقييم لهذا الشيء، ولا يمكنني حقيقة أن أعرف إن كنت السنة القادمة سأدرّس في المعهد أو أعمل مسرحية للمسرح القومي، لا يوجد ضمانات أو أمان. وهذا أحسست به لاحقاً وإلا فما كنت عدت بكل صراحة. أنا مثل كل إنسان يحب بلده ويحب ارتقاءه ولا أطلب أن يطردوا أحداً ليضعوني مكانه، بل هذا المكان يتسع لي وللشخص الآخر.
· أنتم المسرحيين إلى أي حد تشبهون الدونكيشوت؟
- أنا طوال وقتي كنت مثل الدونكيشوت، لأنه بعد كل هذا التعب أسأل نفسي هل كنت أعمل الصحيح؟ أنا بعروضي آخذ 15 أو 16 ألف ليرة، وأعمل بعدة أماكن ليس طمعاً لكن من أجل اللقمة. لذلك العديد من المسرحيين دونكيشوتات. الدونكيشوت لدي يقول إنه هزم وهذا صحيح أنا هزمت، لكن قلتها بغصة، لأنني لست راضياً بالهزيمة، لذلك جعلت سانشو يكمل عني. أنا هُزِمت بإرادتي، جزء من إرادتي لعب دوراً في هزيمتي، لا يوجد أمان للغد، ماذا سنعمل؟
· حول المناهج الإخراجية أو ملامح المناهج المستخدمة في عروضك، أحياناً تبدو الملامح بريختية، وفي عروض أخرى تكون إيهامية، كيف يتم تحديد ذلك؟ هل النص هو الذي يوحي بالمنهج؟ أم هدفك من المسرحية وطريقة توصيله إلى الجمهور؟
- للوصول إلى هدف ما هنالك مئة طريقة، والشخص يجب أن يجرب دائماً ويستخدم مفاتيح عديدة كيلا يكرر نفسه. يجب خلق أبجدية جديدة لكل عرض، يمكن أن تكون هنالك مدارس وطرق جديدة دائماً. أنا أعتمد على ذاكرتي الدراسية، التي تحرّض ذاكرات أخرى من خلال القراءات والاطلاع والحوارات، وهذا يعطي ذاكرة جديدة وخيالاً جديداً ومنطقاً. لذا أنا أحب بكل مسرحية أن توجد طريقة مختلفة عن أخرى استخدمتها في مسرحية سابقة. أنا درست الإخراج كي أتمكن من صنع عروض مسرحية مختلفة عن بعضها وعما أراه من سينما ومسرح متشابه في طريقة العرض. لذا كل مرة أعمل فيها كأنها أول مرة، قد أقول المقولة نفسها عدة مرات، وكل مرة من خلال طريقة مختلفة، وهذا التنوع الغزير هو نوع من إفادة الآخرين فأنا أعطيهم من تجاربي.
· يلاحظ دخول الرقص في العروض المسرحية السورية بكثافة، وفي الدونكيشوت استخدمت فرقة للرقص المعاصر، كيف تنظر إلى الرقص في المسرح؟
- كانت الفرقة موظفة درامياً ومدموجة بشكل ينسجم مع دور الممثل الآخر، وهذا له سبب آخر، فأنا لم أعمله تقليداً، لكن لسبب هو أنني بدأت المسرحية ب 14 ممثلاً ثم نقصوا بسبب ارتباطهم بالتصوير للتلفزيون، وحدث تأخير وتوقف، فقلت: من الأفضل أن يقوم بالأدوار راقصون، وفعلاً حين بدأنا مع الراقصين أنجز العرض بعد شهرين، بينما كنت أدور لمدة سنة في فلك الممثلين وارتباطاتهم.
· هل تعتقد أن المسرح في سورية يقوم بوظيفة أو بدور في حياة الناس؟
- طبعاً يقوم بدور، ليس لدينا ظاهرة أن يلعب المسرح دوراً تربوياً كبيراً على المستوى المجتمعي، والمسرح لا يوجد فجأة، أي أن أعمل عروضاً للكبار وهم طوال عمرهم لم يشاهدوا مسرحاً، يجب تعليم الطفل أن يشاهد مسرحاً، المسرح يربي الجمهور منذ طفولته. يجب خلق مسرح للأطفال ثم للفتيان والكبار وتنميتهم منذ صغرهم. نحن جمهورنا المسرحي هو نفسه منذ 20 أو 30 سنة حتى الآن. هؤلاء تربوا منذ صغرهم على الحياة الثقافية أو تعلموا من أهلهم، المسرح هو تربية منذ الصغر، وإن لم تحصل هذه التربية فأنا أتحدى أي إنسان أن يحصل لدينا مسرح وجمهور دائم يحضر.
· بين مسرح الستينيات ومسرح اليوم، ما الذي فقدناه؟
- الحياة الاقتصادية التي نعيشها تلعب دوراً، حتى التربية تلعب دوراً، الجيل الماضي كان مختلفاً على مستوى الثقافة والقراءة وكل شيء، وهذا ما قصدته بقولي منذ الصغر، الأجيال الحالية لا تقرأ وليس لديها جلد على المشاهدة الجادة للمسرح والسينما وللقراءة. أما في الستينيات فكان هنالك جيل واع مثقف حتى على المستوى البصري.
· نقرأ ونسمع عن مرحلة الستينيات باعتبارها مرحلة مد قومي ووطني ترافقت بهامش ديمقراطي أوسع، وحضور مشاريع ثقافية ومسرحية، وعُدّ المسرح خلال تلك المرحلة ناهضاً، كيف يبدو الأمر الآن مع تراجع تلك المرحلة؟
- برأيي كانت ردود أفعال مؤقتة، وصار هنالك إرهاصات معينة كثيرة على المستوى العالمي ككل، وهذا كله لعب دوراً، ولا ننسى الوضع الاقتصادي للمواطن، والناس لم تعد همهم الثقافة بل الأكل والمعيشة. تغيرت الهموم، وفقد الإنسان شيئاً فشيئاً الأحلام التي يؤمن بها.
· كيف تقيّم المسرح الآن في سورية؟
- لم يختلف وضعه، بقي كما هو محزناً، ولا يرضيني ما يقدَّم. أرغب أن يكون الشباب أفضل منا دائماً، لكن للأسف ليسوا كذلك. عليهم الاستفادة من تجاربنا، لا يأتي شيء من لاشيء. يجب وجود لجان ليس للرقابة الفكرية بل للفنية، فليأتوا ليتعلموا لدينا نحن المخرجين، أرى ومضات صغيرة فقط، أتمنى أن يأتي جيل أفضل منا. لكن حتى الآن لا أرى ذلك. الآن ليس هنالك سوى المهرجانات المسرحية، لكن لأي مسرح؟ غير معروف. في أوربا كلما كبر الممثل والفنان ازداد بريقه والاهتمام به. أما هنا فيرفس خارجاً. الكثير من الممثلين الكبار هنا ماتوا من الفقر، ولم يكن لديهم سعر دواء، هنا نعمل العرض بضعة عروض لكنه ينسى بعد أيام، أما هناك فيستمر العرض سنوات. يوجد لدينا ممثلون ومخرجون جيدون لكن العروض الجيدة استثنائية.
· كيف ترى النقد المسرحي الذي يكتب في الصحافة؟
- أحياناً يكتبون أشياء أنا لم أعملها، فليناقشوني ليروا كيف أفكر على الأقل، وأحياناً يمدحونني في غير مكان أو يذمونني في غير مكان. رغم وجود كثيرين من خريجي النقد المسرحي. أعرف نقاداً لا يشاهدون عروضاً مسرحية إلا إذا أرادوا شتم أحد فيأتون أو إذا أحبوه، ويريدون رفعه، أو من أجل أن يُشتهر فيكتب بشكل سلبي عن أحد، وناس يكتبون عن المسرح وهم من خارج الاختصاص أو ضعيفو الاختصاص. ما يكتب هو وثيقة وذاكرة، لكن ليس هناك نقاد يكتبون إلا استثناءات قليلة والباقي هو علاقات شخصية، لذا لم أعد أهتم إن كُتب عن عرضي بالمديح أو بالشتم، لا يهمني ما يكتبونه، لا دور للنقد.
* تمّ نشر هذا المقال في صحيفة النور السورية بتاريخ 15 نيسان 2009