القراءة بين القديم والجديد

عطية مسوح قرأها 776
 

القراءة بين القديم والجديد

بقلم: عطية مسوح

يميل القارئ عادة إلى نوع من الكتب وفق اهتمامه وهواه، وقد نجد قارئاً تجتذبه الرواية، وآخر يستهويه الشعر، وغيرهما ينصرف إلى قراءة الكتب الفكرية أو الدراسات الاجتماعية أو النفسية أو التاريخية. وقلّة من القراء من يوزعون اهتماماتهم على عدة أنواع رغبة منهم في تحصيل معارف متنوعة.

هذا التنوع في الميول أمر عادي، ولعل القارئ الجاد، الحريص على تكوين نفسه ثقافياً، لا يترك الأمر للمصادفة أو الهوى، بل نظِّم قراءاته ويرتِّب اهتماماته. وكثيراً ما نناقش طلابنا المهتمين بالمطالعة والتحصيل الثقافي حول أهمية الانتباه إلى ما يقرؤون كي تتكون لديهم قاعدة ثقافية متينة. فإذا أحس المثقف أن لديه ضعفاً في المعرفة التاريخية مثلاً كان لا بد له من اختيار كتب أساسية في التاريخ يقرؤها قراءة الدارس المتعلم، وكذلك الأمر في جوانب الثقافة الأخرى.

والحرص على التنوع لا يمنع الإنسان من أن ينمّي معارفه في جانب من الجوانب، فيغدو واسع المعرفة فيه، وقد يغدو قادراً على الإسهام والإبداع، كتابياً أو شفوياً في هذا الجانب الذي يصرف إليه جل اهتمامه.

بهذا النهج تصبح القراءة جمعاً فعالاً بين المتعة والفائدة، بين المعرفة الممتعة والمعرفة النافعة، بين الدافع الذي قد تكون متعة القراءة أساسه، والهدف الذي قد تكون المنفعة غايته. وبهذا النهج يمكن للمثقف أن يحقق حضوره ويفيد غيره.

هناك من يقول: المهم أن يقرأ الإنسان، وليقرأ ما يشاء، فكل قراءة مفيدة. وأرى هذا القول صحيحاً في مرحلة ما، حين يكون الهدف أن يعتاد المرء القراءة، أو حين يغدو شيخاً يجد في القراءة ملاذاً من الملل واستمتاعاً بالوقت. لكن بناء الذات ثقافياً، أو ما اصطلح على تسميته بالتثقيف الذاتي، لا يكون على هذا النحو من العفوية، بل لا بد أن يكون فيه نوع من الترتيب والتناسق والتكامل كما ذكرنا.

وفي سياق التنوع في اتجاهات القراءة، نجد نمطاً آخر من التقسيم، فثمة من يميلون إلى قراءة الكتب التراثية القديمة، وثمة من ينفرون منها. فكثيراً ما نصادف شخصاً دسّ عقله في الماضي، وحصر قراءاته في ما ألفه الأسلاف، يعرف عنهم وعن أفكارهم العموم والتفاصيل، ولا يتابع المعارف والثقافات والفنون الحديثة والمعاصرة، أو شخصاً لا يعرف شيئاً عن تراث أمته الفكري والثقافي ظاناً أن الحاضر مقطوع عن الماضي، وأن الثقافة الحديثة لا أصول لها، بل قد يظن أن الحداثة تعني البدء من الصفر.

لا أدعو إلى الإقبال على كتب التراث بوصفها مصدراً للمعرفة والتكوين الثقافي فهذا لم يعد أكثر من وهم، والمعارف التي وصل إليها الإنسان اليوم هي أوسع وأعمق وأدق وأصوب مما نجده في كتب الأجداد كلها. وينطبق هذا على التراث الإنساني كله. فالكتب القديمة ليست مصدراً للعلم أو المعرفة، بل هي مصدر للاطلاع على شيئين لا بد منهما للمثقف، الأول: هو معرفة طرق تعامل الناس سابقاً مع المعرفة وطرق تحصيلها وزيادتها، وأنماط التفكير التي كانت لديهم، ومعرفة أحوال العهود الماضية من خلال آدابها ومعارفها. والثاني: هو الاطلاع على التطور الاجتماعي والثقافي والفكري، التدرجي، والتراكمي، الذي أدّى إلى ما وصلت إليه الإنسانية اليوم من ثقافة حديثة.

المعرفة الإنسانية في تقدم متتابع ومتسارع، ولم تعد المعارف القديمة التي تحتويها كتب التراث تساوي إلا القليل القليل من المعرفة المطلوبة للإنسان المعاصر، ولعل هذا هو ما يفسر لنا المفارقة الغريبة التي يعيشها المشبع بثقافة الماضي والمتقوقع فيها، فهو يعيش في الماضي بنية فكرية وعقلية، ويعيش في الحاضر حياة يومية وتعاملاً مع التقنيات والحداثة ووسائل الحياة. وبين العقل الماضوي والممارسة الحديثة أو القريبة من الحداثة تكمن المعاناة.

لكن السؤال الذي يمكن أن يطرحه كل من يفكر في هذا الأمر، هو: هل تموت الثقافة بمرور الزمن؟ هل يموت التراث؟ أليس للشعر العربي القديم روعته وجماله وحيويته التي أبقته وستبقيه حياً؟.

لعل من المفيد هنا أن نفرق بين أمرين: الأول، هو أن الفنون والمعارف القديمة لا تموت لأنها إبداع كان في زمنه عظيماً، وما يكون عظيماً في زمنه يدخل تاريخ العظمة خالداً. ولأنها كانت مراحل في تطور الثقافة، ما تطورت الثقافة ووصلت إلى حاضرها إلا بها.

الثاني، هو أن التطور الثقافي والفني جعل تلك الإبداعات تراثاً، أي جعلها ماضياً لا يجوز بل لا يمكن الثبات عنده، وإذا تصورنا أحداً من شعرائنا المعاصرين يكتب الشعر بطريقة المتنبي العظيم الخالد، أو لا يتجاوز أفكاره ومعانيه وصوره، فسيكون هذا الشاعر مضحكاً أو زائداً عن الحاجة، لأنه غريب عن العصر ومقتضياته.

وإذا انتقلنا إلى عصرنا ذاته، فثمة قديم وجديد أيضاً. وقد يكون ما كتب منذ مئة عام أو خمسين عاماً أقرب إلى احتياجاتنا المعرفية والثقافية، وإلى أرواحنا وعقولنا مما كتبه الأسلاف القدماء، وقد تكون الأفكار والمشكلات التي تناولها كتاب عصر النهضة، وهي مشكلات النهوض المجتمعي بالدرجة الأولى، ما تزال ماثلة أمامنا ولكن بصيغ وتفاصيل جديدة، لكن كل عام يمر على تلك الكتابات يجعلها أكثر بعداً عن الواقع، وبالتالي يطرح أمامنا مسألة الموقف منها: أنقرأ ونستلهم أم لا؟.

ولعل القارئ اليساري والماركسي خاصة يعيش هذه المشكلة أكثر من سواه. ففي  النصف الثاني من القرن العشرين غمرت دور النشر السوفييتية الأسواق الثقافية بالكتب التي قدمت الماركسية للقراء، تقديماً تتباين دقته، وموضوعيته. فكثيراً ما كانت كتب الفلسفة تنتهي إلى تمجيد السياسة الرسمية وتسويقها، وكتب الفكر السياسي تقوم على السياسة أكثر مما تقوم على الفكر. وحتى كتب الأدب كان اختيارها يخضع لأهداف سياسية ونضالية أكثر مما يخضع لاعتبارات أدبية وفنية. وقد أسهمت تلك الكتب في تكوين الوعي اليساري والاشتراكي لدى أجيال، وقدمت معارف فلسفية وفكرية وأدبية هامة. وإذا استطاع قارئ اليوم أن يميز ما اختلط بها من عبارات واستنتاجات دعاوية تسويغية وأن يستخلص الجوانب العلمية، فإنها ما تزال مفيدة في مجال الثقافة الاشتراكية إلى حد كبير.

غير أن الماركسيين مدعوون اليوم إلى تجاوز تلك الكتب أيضاً. وأقصد بالتجاوز جانبين:

ـ تجاوز المنهج الذي اتبع في تأليفها، وهو منهج تسويغي.

ـ وتجاوز المعارف التي تضمنتها، وهي معارف تستند إلى الأوضاع العامة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

أما المطلوب، فهو كتابات جديدة تضع أفكار رواد الاشتراكية في قلب العصر الذي نعيشه، فتندمج فيه، ويبقى منها ما يبقى، وينفى منها ما ينفى وفق مقتضيات النضال الإنساني من أجل العدالة والحرية، أي من أجل الاشتراكية في عصرنا.

إن مناضلي عصرنا يحتاجون إلى أفكار ثورية جديدة، لا تقطع الصلة بأفكار الرواد، ولكنها لا تنحصر فيها.

كما أن مثقفي عصرنا، ومثقفي بلادنا خاصة، يحتاجون إلى تصحيح صلتهم بالماضي، بعيده وقريبه، كيلا يظلوا أسرى أفكار الأجداد. ويبقى القارئ الجاد في النهاية شخصية مستقلة، يقرأ دون أن ينساق، وتنمو شخصيته الثقافية عبر التنوع والشك والتفكير.