هاجس الإبداع في قصيدة النثر
هاجس الإبداع في قصيدة النثر
بقلم: أ. د. حسين جمعة
هناك غير ما باحث تناول هاجس الإبداع لدى الراغبين في دخول عالم الأدب الجميل... ومهما قيل في هذا الشأن، فهو هاجس مشروع ونبيل؛ بمثل مشروعية انتماء ما يسمى (قصيدة النثر) إلى النص الإبداعي... وليس عيباً أن تنعت بهذا التصنيف ما دامت تمتلك شروط الفن الجميل؛ ما ينقذها من وهدة السقوط في الصراع حول ماهية الشعر وماهية النثر؛ فالشعر شعر والنثر نثر.
فإذا كان الهاجس وحده لا يصنع مبدعاً؛ إذ لابد له من الموهبة والحساسية المرهفة، والثقافة؛ وامتلاك التقنيات اللغوية والبلاغية والموسيقية و.... فإن الصور البديعة، واللغة المشرقة والانفعال الجياش لا يرقى وحده بجنس ما إلى إدخاله في جنس آخر، إذ لابد لنا من التفريق بينهما مهما كانت التخوم المتداخلة بين الأجناس الأدبية... وكلنا يعرف أن هناك مقالة قصصية؛ وقصّة شعرية، وشعرية القصة، أو... وأي مبدع لا يضيره أن يصنف كل نمط في موقعه المناسب من الجنس الأدبي... علماً أنه لا يمكننا أن نصنف أي نمط من القول تحت باب الإبداع إن لم يمتلك الشروط الواجبة لذلك.
ثم إن أصحاب بعض الأنماط الأدبية تجرؤوا على الأدب، ولم يبالوا بما يفعلونه من جرح للإحساس السليم، وإيذاء لرهافة الشعور، من خلال نتاجهم المريض المسكون بانفعالات متبلدة، وفطرة ميتة، ولغة رديئة، وعبارات متكلفة تستعرض العبارات المنسقة والمجموعة من هنا وهناك، فكانوا معول هدم للغة وبناها المتوارثة.
ونعود إلى التركيز فيما دار حول قصيدة النثر من معارك، وما زالت تدور... وما من نمط أدبي أثار صراعاً بين الناس كما أحدث الصراع حول ما يسمى (النثيرة) أو (قصيدة النثر)، علماً أنها انبثقت من المخيلة الإبداعية الثقافية في إطار الخصائص الشعرية الفواحة من صورها المتحررة من بعض القيود القديمة وفي طليعتها الوزن والقافية والروي... فقد أقامت مكانها معايير أخرى كالدخول في عوالم الإيقاع الداخلي، وإشراق النثر المشع، ولذة الأفكار المتتابعة و...
إذن، دارت معارك نقدية ـ وما زالت ـ حول مشروعية التسمية بوصفها تتأبى على الانتماء إلى جنس أدبي ما... فهناك من يرى أنها أبعد ما تكون عن الشعر المعروف، بل أي شعر كان، مهما امتلكت من خرق للمألوف ومن حيوية التصوير الجميل، وطبيعة الشعر المثير للانفعال؛ والمدهش للرؤى التي تستجيب لكل فكرة أياً كان جنسها... ويدفعون هذه التسمية إلى حضن النثر، ولا يعيبها ذلك؛ لأن من معايير الشعر الوزن والإيقاع؛ إذ لا يحل له أن يتحلل منهما وإن تحلل من الروي والقافية؛... بل يذهب أعداء تسمية (قصيدة النثر) إلى أنها حطمت قواعد اللغة الشعرية ذاتها، ولا سيما حين امتلأت باللغة اليومية؛ وبمسحة استعراض المضمون الذي تعالجه؛ ما أوقع المتلقي في إشكالية كبرى لدلالة اللغة الشعرية... ومن ثم رأوا أن ممارسة هدم البنية اللغوية الموروثة للشعر العمودي لا تخدم الأدب العربي الحديث ولا الهوية التي يستند إليها... وهذا كله ما تجرأت عليه (قصيدة النثر)؛ ما يجعلها تدخل في صميم تشويه مقصود لصورة الأمة، وبخاصة حين أصّر أصحابها على هَدْم اللغة... بحجة مجاراة العصر.
أما من نافح عنها فقد جهد في إثبات مشروعيتها في عالم الأدب الحديث، ولا سيما حين أضحت وجوداً حقيقياً، ووجوداً فنياً متمرداً على الأشكال القديمة؛ وأثبت لها بعض الرواد قامتها الإبداعية، أمثال محمد الماغوط وأدونيس وأنسي الحاج، فكانت وسيلة فنية مليئة بالأفكار النظرية التي تجلت في حياتنا، ثم اتسعت للمعاناة الاجتماعية الكبرى التي نعانيها... ما يشي بأنها غدت إنجازاً اكتسب من المتعة الفكرية ما حقق لها الخروج عن المألوف، في الوقت الذي اكتسبت فيه التوازن والصمود حين كسرت بعض القوالب الفنية القديمة... علماً أنه لا يستطيع كتابتها ـ كما يرى أنصارها ـ إلا من كان قادراً على الإبداع، وعلى المثاقفة مع الآخر... ولهذا لابد من توسيع مفهوم الجنس الأدبي ـ ولا سيما الشعر ـ ليصبح ضاماً لأشكال إبداعية جديدة تواكب العصر الذي تنبت فيه، وتحقق له الجمال والحرية؛ ولكل عصر إشعاعه الإبداعي، وفلسفته الكونية الخاصة به. ولا شيء أدل على ذلك كله من قصيدة نزيه أبو عفش وعنوانها (الصغير فنسان) ومنها: (انظر ملحق الثورة ـ ص 12 ـ العدد 636 ـ 17/ 3/ 2009م):
هنا يرقد...!
إذ كان يستحي من أنه ـ كسائر الناس ـ يمتلك اسماً كاملاً،
كان يكتفي بالتوقيع باسمه الخجول الصغير: Vincent
أما الآخرون لكي يُصيِّروا جماله صالحاً لبورصات الموتى،
فقد أسبغوا على شاهدة قبره الاسم الكامل لحياته المذبوحة:
(Vincent Van Gogh)
هو الذي تألم لصالح الجمال
هو الذي أبغض النجاح قدر ما أبغض الفقر
هو الذي لم يهد نفسه من عطايا الحياة إلا ما يجعل الحياة كابوساً
انظروا ما فعلوا به
هو الذي ـ كمن يعلِّق شمساً ـ علق قلبه على الظلام الذي هو فيه
انظروا ما فعلوا به!
وإذا كنت ممن أؤمن بكسر القوالب الجامدة والمقيدة للإبداع واختراع أنساق إيقاعية ولغوية جديدة فإنني ممن يؤمن كذلك بأن الشعر شعر، والنثر نثر؛ وكل منهما يعدُّ نصّاً إبداعياً جميلاً... وإذا كنا مستمرين في البحث عن تجنيس ما يسمى بقصيدة النثر فسيبقى الصراع محتدماً بين أعدائها وأنصارها؛ ويكفي أن نقول جميعاً: إنها نص أدبي بديع ومثير، ما دامت تمتلك شروط الإبداع المرجو... وإلا فهي كلام لا طائل تحته.