من النقد البنيوي إلى الطريقة الرابعة
من النقد البنيوي إلى الطريقة الرابعة
بقلم: سليمانالسلمان
كثر الحديث عن سقوط الأيديولوجيات، بل عن موتها، والانطلاق إلى حرية بلا حدود، وقد حاول الكثيرون ولم ينجحوا في البحث عن طريق ذاتية أو عامة لأجل الخلاص فردياً أو جماعياً كما يدّعون، لتحرير العقل والفكر من سيطرة الأيديولوجيات (بحثاً عن طريقة رابعة)، كما في مقالة الدكتور كمال أبو ديب في مجلة (دبي الثقافية) العدد 45 فبراير/ شباط 2009.
ومنذ البداية وفي إشكالية العنوان: سقوط العقائديات (الأيديولوجيات) وتحرير العقل والفكر الاجتماعي بحثاً عن طريقة رابعة. أقول للباحثين عن كسر القيود: أليست الطريقة الرابعة التي تسعون إليها قيداً لمن يسلكونها؟ ألا تزيدون بهذه الطريقة قيداً على القيود التي ستكسرونها؟ أوليس البحث عن هذه الطريقة أيديولوجيا، وأنا لا أقول جديدة، مع أني لا أؤمن باستقرار الأيديولوجيا، لأني مع التطور في كل شيء، ومع المنهج الذي يغتني بكل شيء، لكي لا يقف أمام أي شيء، بل ليكسر المعوقات من حواجز وسدود فكرية، مهما حاول البعض تحصينها أو تزيينها.
إن الدكتور المتخصّص بالأدب العربي، هو ناقد تبنى البنيوية في النقد مدة طويلة، ولا أعلم ما إذا كان قد تركها على رصيف حياته، أو أنه ما يزال يجلس معها، لكن في جامعة لندن، وأحس أنه انتقل إلى تنظير تجاوزي آخر، معدّداً كتبه في ذلك. ومما كتب في المقالة المذكورة سابقاً (كنت في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، قد كتبت مقالة بعنوان "سقوط الأيديولوجيا وتحرير الشعر" اقترحت فيها أن عصر العقائديات قد انتهى، وأن سيطرة الأيديولوجيا على الفكر، والإبداع الثقافي في العالم العربي قد آلت إلى زوال) ويشير بعد ذلك إلى فرحه في ما يكتب.
وأنا أسأل: كيف يقف الإنسان الكبير المبدع في صف غيره إن لم يكن في صفه؟ أما حين يقف بعضنا إلى جانب بعض فإننا نحمي وندافع.
وهذا ما أرغبه من كل قلم يكتب في نزوع دائم إلى الجمال والحق، لا هروباً من الواقع المتفتح إلى اصطناع رؤى مؤلمة أحياناً، لأنها ببساطة البديهية أقول: من لا يقف في هذا الصف فلا بد أن يقف في غيره. ومن لم يعرف مكانه، فإن مكانه قلة المعرفة.
وهكذا نرى أن أبسط الأمور (أيديولوجيا). وفي النظرية مبادئ تُحترم وتتبع لأنها تفسر. وحين يكون العلم رائداً، والفكر قائداً، فإن الرهان حقيقة السلوك، وأي خطأ فيه يُردُّ إلى خطوات السير، وعثرات الطريق والهدف واحد.
إن الأفكار المزروعة في منشأ كل منا، تترك آثارها فينا أينما كنا في بيروت أو لندن. وحساب الجماعات البشرية، والخلاص الكبير لا يبدأ من وهمها بل من علمها ونشاطها الاجتماعي. وفي وحدة وصراع الأضداد تبرز المعطيات الأقدر على الحياة، لأن المتغيرات بكمها وكيفها داخل هذا الوجود تحتم السير الحلزوني الصاعد في نفي ما لا يستحق الحياة، وهذا أبسط البسيط في شكلية تحليل كل شيء. وهنا أعجب ممن يحاول تجاوز مغناطيسية الأرض بحجة أنه قادر أن يرفع يديه إلى رأسه.
ويبدو لي الأدب بفنونه ظاهرة لها دائرة دورانها، من يخرق فضاءها الكوني، فهو من هيأ لها وسائلها من مجتمعه وفكره، وهي ظاهرة أيديولوجية تقوده إلى اجتياز المحيط المحيط بالكرة الأرضية، دون أن ينسى أن له على الأرض تلك القاعدة التي انطلق منها.
وهنا يغدو الإيمان بالأيديولوجيا إيماناً بالإنسان، وهذا ما يدفعنا قبل أن نحرر الشعر أن نحرر الإنسان في الشعر. فإذا كان كل شيء يفسَّر حسب مصلحة قائله، وإن نفى ذاته عنها. فأقول لمصلحة من سنحرّر الشعر من إنسانيته، فإن لم يكن لكل الناس، فما نفع بيت بلا أساس؟!
هكذا تبدو المصلحة الإنسانية في تحرير الإنسان المظلوم، الذي لا يريد الكثيرون الاعتراف بحقه، وهو في الوجود كل كينونة الوجود لا الجزء الذي يريدوننا أن نكتب لأجله وهو (الأنتلجنسيا) في كل بلد.
والانتماء يا سيدي ليس ظاهرة تخلف، بل العدمية التي هي المقياس الشرير لها في عصر انهيار الرأسمالية الحتمي. وننجح في توفير الفكر المناضل لأجل العدالة والمساواة، وهما جزء من جماليات الطموح إلى الخير، والقدرة على اكتناه محتواه، وفتح العينين الباسمتين لا الدامعتين على طبيعة هي ملك جميع الناس، إلا إذا قال قائل: (من معه يعطى ويزاد، ومن ليس معه يؤخذ منه) وهذا كلام بدأ به عصر الميلاد.
إن هوس الأديب العربي بالأفكار والقضايا الكبرى، والعقائديات كان ولا يزال نابعاً من الحياة الإنسانية ذاتها، والسعي إلى الخلاص من السيطرة. فلا حرية تحت ظلال الاحتلال، (وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) بل بالكلمة، وكيف يكون ذلك في ظل سيطرة استعمارية رأسمالية وحشية؟ لك أن تفتح عينيك يا صاحبي لأنني حين أغلق عيني، أفكر بما كنت أرى راسماً طريقاً رابعة وخامسة وسادسة للخلاص، أو أعود إلى أسس النظرية الرئيسة المؤسسة للدرب الذي فيه خلاص الملايين ولا يزال، والعلة في من يرسم اليوم لا في من رأى المنهج الذي لم يستطع أحد تدميره، لأنه ليس بناء من صوان بل هو الذرات التي فتحها ونشرها في الوجود الصواني من أسّسوا العقائدية التي لا تغلب.
ويقول الأديب الكلي الكمال: (وذكرت مثلاً على ذلك (الانهيار)، نهج كارل ماركس في تفسير المجتمع، وحركة التاريخ، ونهج تشارلس داروين في تفسير نشأة الكائنات الحية بما فيها الإنسان وتطورها، ونهج سيغموند فرويد في تفسير تركيب النفس البشرية، واقترحت: أن هذه الأنماط من التفكير انتهت، وقد أشرت قبلاً إلى أنها انهارت لتبزغ مكانها (جماليات التجاوز)).
ويتوجه بعد ذلك نحو الشعر العربي، وأسأل متأكدا:ً أليس أجمل ما قيل في الشعر العربي والعالمي، وأقواه ثباتاً ما قاله المؤدلجون، لا العدميون القادمون من أحضان الانحلال الرأسمالي؟ أؤكد ذلك وأقوله حتى اليوم، فإن الأرض التي أنبتتهم معرفياً وثقافياً سقتها أيديولوجيا نضالية، لم ترضها أنت ولكنها حقيقة بكل مسمياتها.
إن الفكر النابع من المعرفة الغزيرة لا يكفي أن يعرف البحيرة، بل عليه أن يقف فيها على صخرة الثبات على الفكر. أما أن نطرح الفكر جانباً ولا نحاول الحديث عن إنسان معدم مقتول أو منهزم في صراع المال والتجارة، وانهيار البنوك، بين القصور الفارهة وبيوت الصفيح، فهذا هو الموت الأدبي، فكم جيلاً مرّ تحت ظلال العبودية؟ وحتى متى ننتظر؟ أليس لنا الحق في التعبير عن الحق في الحياة، والموت لأجل ألا تموت السعادة في قلوب الجوعى القادمين إلى حيث تلوك حياتهم (الميدوزات) الموزعة في كل بلد، وبأسماء مقدسة أحياناً؟
وإذا كان فوكوياما، أو غيدنغ البريطاني الذي أعجب به الدكتور كمال أبو ديب في زمن العولمة المنهارة هما رأس منهجه، فليعلم أن هذا منهج سينهار لأنه يبنى على رمال الرأسمالية المتحللة والتي يحاولون إسنادها.
أفلا يرى المفكر الناقد نفسه أحياناً في هذه المقالة شبه اشتراكي على طريقة الأحزاب الإسكندنافية؟ ويعجبني حين يكرر أشياء من سان سيمون وفورييه في الأخلاق والأعمال، ودور الدولة والمؤسسات.
وأسمح لنفسي أن أقول مع الدكتور كمال: (بدا لكثيرين أن الرأسمالية تواجه أزمة انهيارها التي كان كارل ماركس قد تنبأ في القرن التاسع عشر بأنها ستخبط الرأسمالية في مرحلة تالية من تطورها في القرن العشرين. (ويروى أن كتب كارل ماركس كانت بين أكثر الكتب مبيعاً في معرض فرانكفورت الأخير للكتاب). غير أن الانهيار كان وهماً رغبوياً، أو يبدو لي شخصياً كذلك، وقد أكون أشد خطلاً مما أظن).
نعم لقد صدقتَ فيما قلت، وفيما بدا لك، ولكنه ليس وهماً رغبوياً كما تقول، بل هو واقع صادق حيّ نعيشه اليوم. ومن لم يره فهو أشد خطلاً بالتأكيد. فنحن نؤمن كما يقول لينين (إن الرأسمالية تستطيع أن تتجاوز أزمتها حين لا يكون هناك بديل ثوري) وأقول: يدفعها إلى الجحيم، ويبني البديل الإنساني للبشرية في رؤية ماركسية. وما الانفجارات البركانية في بنية الرأسمالية إلا بشائر الموت وزفراته. فالوجود على الأرض لا يُقاس بزمن محدود، لهذا كانت الرأسمالية تحمل بذور انهيارها في داخلها، وتطول المدة حين لا يكون البديل قادراً على الإسراع في دفنها. وأخيراً هل هناك مايدل على صفة الناقد ونحن نقرأ حسرته على ما أصاب الدول الرأسمالية ومكونانها الاقتصادية حين يقول: (وما يعنيه ذلك كله هو موت الصفاء العقائدي الرأسمالي أولاً، ثم سقوط العقائديات ثانياً)، وفي ثالثاً: يرمي قميص العقائدية في سلة المهملات ليبرز أهمية المجتمع، دون أن يدري، وهو يدري أن كل ذلك يدور في المجتمع.
وإذا كان صاحبي يعود إلى المزج والخلط، فإن الفوضوية هي عنصر من مكونات الفكر البرجوازي الصغير الذي أجهد لينين نفسه في تحليله، ويتجلى هذا الفكر في أجمل صوره في هذه المقالة خصوصاً في التجاوز الأبدي الذي يريد فيه الدكتور دوام الفوارق الاجتماعية والطبقية لواقع مهزوم محطم يحقق دماره على حساب الطبقات الفقيرة في المجتمع المنتجة لخيراته حيث يحقق عودة الرأسمالية إلى واقعها الظالم وعلى حسابهم أيضاً.