عندما تفقد "الكرامة".. كرامتها..!

د. صلاح عودة الله قرأها 599
 

عندما تفقد "الكرامة".. كرامتها..!

د. صلاح عودة الله

تمر علينا اليوم الذكرى الحادية والأربعون لمعركة الكرامة.. تلك المعركة التي كانت أملنا الأكبر في تحرير وطننا الغالي من العدو الغاشم.. أملنا في بزوغ فجر جديد.. فجر الحرية والتحرر.. فجر اعادة كرامتنا التي فقدت غشاء بكارتها.. وهنا أستذكر ما قاله شاعرنا الراحل الكبير نزار قباني بعد نكسة حزيران المؤلمة عام 1967:

وفقدت يا وطني البكارة..

ولم يكترث أحد..

وسجلت الجريمةضد مجهولٍ وأسدلت الستارة..

نسيتْ قبائلُنا أظافرَها..

تشابهت الأنوثة والذكورة فيوظائفها..

تحولت الخيول إلى حجارة..

لم تبق للأمواس فائدةٌ..

ولا للقتل فائدةٌ.. فإناللحم قد فقد الإثارة..

دخلوا علينا.. كان عنترة يبيع حصانه بلفافتي تبغٍ وقمصانمشجرة.. ومعجون جديد للحلاقة..

كان عنترة يبيع الجاهلية..

دخلوا علينا..

كان أخوالالقتيلة يشربون الجن بالليمون..

يصطافون في لبنان..

يرتاحون في أسوان.. يبتاعون من خانالخليليِّ الخواتم والأساور، والعيون الفاطمية..

مازال يكتب شعره العذريُّ قيسٌ.. واليهودتسربوا لفراش ليلى العامرية..

حتى كلاب الحيّ لم تنبح.. ولم تطلق على الزاني رصاصةبندقية..!.

في الحادي والعشرين من آذار عام 1968 قامت القوات الصهيونية بهجوم مكثف على قرية الكرامة في غور الأردن ومن أبرز أهدافها ضربُ وشلُّ النشاط الفدائي الفلسطيني، وكذلك لدفع الأردن إلى اتخاذ سياسة حازمة تجاه نشاط المنظمات الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني الغاشم.. ومن أهداف هذا الهجوم أيضا: - إرغام الأردن على قبول التسوية والسلام الذي تفرضه إسرائيل وبالشروط التي تراها وكما تفرضها من مركز القوة. - محاولة وضع ولو موضع قدم على أرض شرقي نهر الأردن بقصد المساومة عليها لتحقيق أهدافها وتوسيع حدودها. - ضمان الأمن والهدوء على خط وقف إطلاق النار مع الأردن.

معركة الكرامة.. هي بوابة المعارك ومؤشر الانتصارات والروح والمعنويات العالية التي صنعت النصر.. واستطاع الفدائيون الفلسطينيون مع الجيش العربي الأردني في مرحلة إعادة البناء، أن تجابه قوى العدو وتنتزع منها زمام المبادرة.. معركة الكرامة.. أدخلت الأمة بكاملها دائرة الفعل وأخرجتها من آلامها وجراحها التي سببتها نكسة حزيران وحولتها الى نشوة النصر. وكانت المعركة بين قوات إسرائيلية نظامية ومقاتلين فلسطينيين لم يتعدَّ عددهم 300 مقاتل كما واشتركت وحدات من الجيش الأردني لمساندة المقاتلين الفلسطينيين. أسفرت نتائج المعركة عن صد الهجوم الإسرائيلي وإيقاع خسائر فادحة في صفوفه.. كما وأثبتت المعركة نجاعة حرب العصابات التي انتهجتها المنظمات الفلسطينية.. وقد طلبت القيادة الصهيونية وقف إطلاق النار في نفس اليوم نتيجة لعدم قدرتها على الصمود أمام المقاتلين الفلسطينيين والأردنيين. في هذه المعركة توحّد المقاتل الفلسطيني والجندي الأردني في خندق واحد هو خندق الكرامة فكان النصر.. وأخلصا النية فتوحدت القلوب لتعود الكرامة.. فليكن خندق الكرامة هو الخندق الذي يجمعنا من جديد.

لا شك أنها ذكرى عزيزة على نفوسنا، ليس لأننا أحرزنا النصر فيها فقط، بل لأنها جمعت الدم الفلسطيني مع الدم الأردني في معركة كانت لاستعادة الكرامة، نفتخر بها ونحن نعيش مرحلة هوان وذل لم يشهدها تاريخنا منذ عقود، بل قرون.. نعيش حالة من التشرذم والانقسام لم نشهد لها مثيلاً منذ انتصاب الكيان الصهيوني.. نعيش في زمن أصبحت فيه الخيانة مجرد وجهة نظر، والمقاومة إرهاباً والعملاء نشيطين في حقوق الانسان.. انه زمن الذل والقحط والهوان.. زمن العار.. العدو الصهيوني يرتكب المجزرة تلو المجزرة بحق أبناء شعبنا على مرأى ومسمع العالم الديموقراطي والمتحضر، بل على مسمع ومرأى الزعماء العرب والمسلمين وأمام صمتهم المخزي الذي لا مبرر له.. غزة تحرق ولا حراك.. انقسام عربي مخزٍ على أمر بسيط جداً وهو أين سيعقد المؤتمر العربي والذي سيكتفي بإدانة الهجمة الصهيونية الشرسة.. رئيس الوزراء التركي أردوغان ينسحب من إجتماع دافوس الأخير ويقول لرئيس الكيان الصهيوني: أنتم قتلة الأطفال والأبرياء، وعمرو موسى وبدون خجل يستمر في الاشتراك في لقاءات هذا الاجتماع.. الرئيس الفنزويلي يطرد سفير الدولة العبرية من بلاده والرئيس البوليفي يقطع العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدولة، وفي المقابل تقوم سلطة رام الله بمهاجمة المتظاهرين المساندين لاخوانهم في غزة.. والمعتقلات العربية تمتلئ بمن هبوا وتظاهروا ضد الإجرام الصهيوني في غزة هاشم.. ويسألونك لماذا تغضب؟. كلنا أو لنقل معظمنا سمع من الذين نالهم شرف الدفاع عن الوطن في تلك المعركة، سمعنا كيف دارت أحداثها، فالواقع ليس كما يسوقه الإعلام الموجه، والحقيقة تبقى حبيسة ذكريات الجند الأوفياء، عانقت بنادقهم بنادق إخوتهم وأبوا إلا أن تكون وحدة تجلب القوة، وإخلاصاً يبعث النصر من عمق اليرموك والقادسية، وثباتاً تندحر أمامه قوة الجيش الذي لا يقهر.

وان كان الكيان الصهيوني قد فشل في تحقيق أهدافه في معركة الكرامة على المدى القريب الا أنه تمكن من تحقيقها على المدى البعيد وهذا ما نعيشه اليوم بعد مرور أكثر من أربعة عقود على هذه الكرامة. ترى ألا يحتاج العرب وهم في حالة الاحتقان.. بل الاحتضار القائمة، وفي ظل تقاعس وتخاذل.. بل استسلام حكامهم لمشيئة الإرادة الأميركية ـ الصهيونية المشتركة إلى معركة "كرامة" جديدة تخرجهم من النفق المُظلم الذي زُجوا فيه بعدما تعذر عليهم تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان من المغتصبين الصهاينة حتى الآن، وبعدما سقط العراق في قبضة الاحتلال الأميركي، وتصاعدت التهديدات الجدية والخطيرة المحدقة بسوريا ولبنان والسودان والصومال وأقطار عربية أخرى؟

أليسوا بحاجة إلى معركة "كرامة" جديدة تعيد إليهم كرامتهم المُهانة كما فعلت من قبل معركة "الكرامة"؟

أليسوا بحاجة إلى معركة "كرامة" جديدة تعيد إليهم إرادتهم المسلوبة كما فعلت معركة "الكرامة"..؟.

لعلّ فضاءات المورث التأريخي العسكري الإسلامي والعربي، وروح الرسالة وصورة الفئة المؤمنة والقوة الابداعية هي التي جعلت مقاتلونا في الكرامة.. يتراكمون على الأسنّة في الوغى كالفجر فاض على نجوم الغيهب.

وأختتم مقالي هذا ولسان حالي يردد أيضاً ما قاله فارس الشعراء العرب نزار قباني:

ياأيها الوطن المسافر في الخطابة والقصائد والنصوص المسرحية..

يا أيها الوطن المصورفي بطاقات السياحة والخرائط, والأغاني المدرسية..

يا أيها الوطن المحاصر بين أسنانالخلافة والوراثة والإمارة

وجميع أسماء التعجب والإشارة..

يا أيها الوطن الذيشعراؤه يضعون كي يرضوا السلاطين الرموش المستعارة..

يا سيدي الجمهور إني مستقيل،

إنالرواية لا تناسبني وأثوابي مرقعةٌ

ودوري مستحيل..

لم يبق للإخراج فائدةٌ..

ولالمكبرات الصوت فائدةٌ

ولا لمدرب الأفيال فائدةٌ

ولا للشعر فائدةٌ..

وأوزان الخليل..

ياسيدي الجمهور سامحني إذا ضيّعت ذاكرتي،

وضيعت الكتابة والأساطر

ونسيت أسماءالشواغر..

إني قتلتك أيها الوطن الممدد فوق أختام البريد،و

فوق أوراق الطوابع،

وذبحتخيلي المضربات عن الصهيل..

إني قتلتك واكتشفت بأنني كنت القتيل..

يا سيدي الجمهورسامحني،

فإن دورَ مهرّجِ السلطان دورٌ مستحيل.

ورغم كل ذلك سأبقى متفائلا وهكذا علمنا التأريخ بأن الشعوب اذا هبت ستنتصر.. وأن العدو ومهما صنع من النيران سنخمدها، فاننا من لفحها سمرٌ، وان تمكن من القضاء على الثوار كلهم, سيتمرد الشيخ والعكاز والحجر..

المجد والخلود لشهداء الكرامة الأبرار ولكل شهدائنا الذين قضوا من اجل تحرير الوطن..الخزي والعار للعملاء ومن سار في فلكهم.. والنصر آت لا محالة, وما بعد الليل الا بزوغ الفجر. –

القدس المحتلة