ألإعلام و... كاهن الحقيقة !

إيلي مارون خليل قرأها 1,260
  

ألإعلام و... كاهن الحقيقة !

إيلي مارون خليل

أن تنتظرَ صحيفةَ الصّباح، كلَّ صباح، يعني أنّك تنتظر أمرًا ما، شيئًا ما، جميلا على الأرجح. ألغيبُ قد يحمل إليك الفرح، الفرج. يُحِبُّ المَرءُ الانتظارَ. في الانتظار قلقُ الأمل. في كلِّ أملٍ قلقٌ يَأملُ التَّحَقُّق. وفي كلِّ قلقٍ أملٌ يرجو الخَلاص. ألتَّحَقُّقُ يعني أنّك وصلتَ. في الوصول، خلاصٌ من وضعٍ تريدُ النّجاةَ منه. ما تريدُ النّجاةَ منه يُزعجُك. يؤخِّرك. يُميتُ، فيك، رغبةً، أمنيةً، طموحًا.

... وتصل الصّحيفة! بسرعةٍ تتلقَّفُها عيناك واليدان. بسرعةٍ: تكرج عيناك على العناوين؛ قلبُك بين الألفاظ؛ خيالُك بين السُّطور؛ رغَباتُك في كلّ كلمة، كلِّ تعبيرٍ، سطرٍ، مقطع. وتقلب الصّفحةَ، والصّفحةَ، والتّاليةَ، والّتي بعد... إلى أن تُنهيَ تّصّفُّحَك، فقراءتَك... يَخيبُ أملُك. وتبدأ انتظارًا جديدًا.

لماذا؟ كلُّ صحيفةٍ، عندنا، تُقدِّمُ إليك ما تُريدُه هي، لا ما تُريده الحقيقة. ألخبرُ قد يكون نفسُه، لكنّ الصّحيفةَ توردُه، تَرويه، تُقدِّمُه بطريقةٍ مختلفة. بل متناقضة. تضيع الحقيقة. تتشوَّه. تنقلب. مسكينةٌ كلُّ حقيقة. يُتَلاعَب بها، كلٌّ يَدّعيها، كلٌّ يريدها، كلٌّ يمتلكُها... وهي بعيدةٌ عنهم جميعًا. كيف؟ هذا يُخفي تفصيلا. ذاك يمحو جانبًا. آخر يُحَرِّفُ تعبيرًا. ذيّاك يستبدلُ صورة. ذيّالك يخترع، يُضيف، يُجَمِّل، يُبَشِّع... كلٌّ يُغَنّي على ليلاه، سيّدِه... كلٌّ بوقٌ، كلٌّ صوتٌ لغيره، كلٌّ ناحرٌ للحقيقة!

ما دورُ الإعلامِ إذًا؟

دورُه الإعلان! كلُّ صحيفةٍ إعلانٌ لوليِّ نعمتِها، سببِ لعنتها. باتت الصّحيفةُ لعنةً لا نعمة.

دَورُه التَّشويه! كلُّ صحيفةٍ تُشَوِّه خصمَها: نفسيّةً، شخصيّةً، سيرةً، فِكرًا...

دورُه التّرويج! كلُّ صحيفةٍ تُرَوِّج ما تشاء. مَن تشاء. كيف تشاء. قدر ما تشاء. أو قدر ما "يُدفَع" لها. ألمُحَرِّرون؟ مُلتزمون. كلٌّ ملتزمٌ عقيدةً، حزبًا، تيّارًا، يمينًا يسارًا... قناعةً؟ أهم مقتنعونَ، حقًّا، بما يكتبون، ينشرون، وبه يُبَشِّرون؟ إذًا، فهم يُحتَرَمون. مرتاحو الضّمير. أصحابُ قِيَمٍ لا يُتاجَر بها. مصلحة؟ أهُم يميلون إلى حيث هم، لأنّ في ذلك خيرهم المادّيّ والمعنويّ؟ فُلان يُقدِّم إليهم "منحةً" جامعيّة، وظيفة، "ربطة" عنق غالية، دعوة إلى "وليمة"... وكم هي كثيرةٌ، و"غاليةٌ" مثلُ هذه "الولائم"!

هذه هي "الحُرّيّة"؟ حرّيةُ الانحياز. كلُّ انحيازٍعَوَر. ألانحيازُ هو عدمُ الرّؤيةِ الكاملة. إنّه رؤيةٌ مجتَزَأة. كلُّ اجتزاءٍ نُقصان. ألنُّقصانُ عيبٌ في الإنسانيّة.

حرّيّةُ الاختيار ؟ كلُّ اختيارٍ يتطلَّب تضحية. تختار جانبًا ؟ أنت تُضَحّي بآخَر. تختار رأيًا ؟ أنت تُضَحّي بآخَر. تختار فكرة ؟ تُضَحّي بأخرى.

ليس على الإعلاميّ التّضحية بجانب من الحقيقة. عَمَلُه... أن يُظهِرَ الحقيقةَ الكاملة. أن يبحثَ عنها بجهد، بعناد، ب"تضحيةٍ" هنا مجالُها. عليه ألاّ يكونَ فريقًا، ولا طرَفًا. يفقد احترامَ "النُّخبة" ولو أصحابُها قلّة. يفقد احترامَ "الأكثريّةِ الصّامتة"، هي تعرف لماذا لم تختر بعد، ومتى تختار، ومَن... إنْ...

ألإعلاميُّ النّاجحُ هو مَن "يلتزمُ" الحقَّ والحقيقة، ولو بعيدًا من "التزامه".

صعبةٌ هذه؟ صحيح. مَن يقولُ إنّ العملَ الإعلاميَّ سهل؟ أن يُضَحّي الإعلاميُّ في سبيل الحقِّ والحقيقة، لا أن يُضَحّي بهما، هي المسألة! ألا يستطيع؟ لمَ هو في هذه "المهنةِ/الرِّسالة"؟ أيَقبل أن "يُشَوِّهَ" رأيَه آخَر؟ لمَ، إذًا، يعمل هو على "تشويه" رأي الآخَر؟

وأنتَ تتناولُ صحيفتَك الصّباحيّةَ، أنت "تتناولُ" رأيَك مُسَبَّقًا! أنت تقرأ هذه الصّحيفةَ، تحديدًا، لأنّها "تناسبُك"، تناسبُ "قناعاتِك"، "اتّجاهاتِك"... لا لأنّها تحمل إليك الأخبار الّتي تريد معرفتَها. أنت تقرأ "هذه" الصّحيفةَ، لأنّك "تعرف" ما تحملُه إليك. وتُقَدِّرُه. فأنت "تنتظرُه".لا تقرأها ل"تعرفَ"، بل لأنّك "عارفٌ" سلفًا بما ستُقَدِّمه إليك. بِ"معرفتِك". بِ"ثقافتِك". أهي "الثّقافةُ" المرجوّةُ من الإعلام؟ أم هي "ثقافة" ما تريده؟ أهذه هي "الثّقافةُ" الحقيقيّةُ، الشّاملةُ، العميقةُ، الغنيّةُ المُغنية، الخصبةُ المُخصبة ؟ ألثّقافةُ البانيةُ شخصيّةً، مجتمعًا، وطنًا، حضارة؟ ألثّقافةُ الرّسوليةُ، الانفتاحيّةُ، القابلةُ، المُحاوِرة؟

وأنت... أن تُريدَ هذا من صحيفتك، من الإعلام، يعني أنّك "خانعٌ"، قابلٌ، حُكمًا ومُسَبَّقًا، بما يريدُه الغيرُ لك. يعني أنّك "متنازلٌ"، طَوعًا، عن حرّيّتك واستقلاليّتك وقدرتك على الاختيار. أنت الإنسانُ العاقلُ القادرُ الحرُّ المُثقَّفُ الرّائي... كيف تقبل هذا لنفسك؟ كيف تتنازل عن حقِّك في "المعرفة"؟ معرفةُ "الحقيقة" ليست حقًّا لك، فحسب، إنّها واجبُك!

ألواجبُ يدعوك، بل يفرض عليك، أن تبحث عنه، بقوّة، بثبات، بعناد، وأن تتمسّك به، تُعليه، وبه تُبَشِّر. ألحقيقةُ تدعوك، إنتصر لها. إقتحم لتجدَها وتُعلنَها وتعمل لها وبها، لا بفرح عميمٍ، إنّما بسعادة تتفجّر من داخلك، وفي الشُّفوفيّة تُقيمُك... أنت، إجعل ذاتَك "كاهنَ" الحقيقةِ إلى الأبد، تَرْقَ إلى الأبد! إلى الأبد!

 الأحد 1/3/2009