لعبة شدّ الحبل أم تبادل أسرى؟

نبيل عودة قرأها 1,381
 

لعبة شدّ الحبل أم تبادل أسرى؟

بقلم: نبيل عودة

أكتب، ساعتين قبل أن تعقد حكومة إسرائيل جلستها للنظر في آخر تفاصيل ما وصلت إليه "لعبة المباحثات" بين الوفد الإسرائيلي ووفد حماس في القاهرة حول موضوع تبادل الأسرى وليس إطلاق سراح شاليط فقط.

بالضبط، كما نشعر بالأسى مع نوعم شاليط وعائلة شاليط وسائر المواطنين في إسرائيل، عرباً ويهوداً.. على استمرار غياب ابنهم في الأسر، كذلك نكون بلا منطق، وبلا حسٍّ إنساني إذا لم نشعر بالأسى مع ألاف الأسرى الفلسطينيين، الغائبين عن عائلاتهم في الأسر الإسرائيلي.. وأقول هذا ليس من منطلق انتمائي لشعب اسمه الشعب الفلسطيني إنما من منطلق إنساني مجرد.

 لا أعرف حتى الآن كيف ستتضح الأمور والى أين يمكن إن يقود التشارط على الآخرين الذي تمارسه حكومة إسرائيل بالأساس، وهل نحن امام اتفاقٍ "مخفيٍّ" بتعابير التشاؤم، حتى لا يثور الفاشيون في إسرائيل.. ولا تمكنهم الحكومة من مساحة زمنية لتنظيم احتجاجاتهم وانتقاماتهم؟..أم هي الحقيقة المعروفة عن العناد الإسرائيلي بالسير على حافة الهاوية، حتى لو كلف الأمر مصير شاب يهودي لا يتمنى أحد إن يصيبه مكروه، بل إن يعود إلى أحضان أهله سليماً معافى مقابل مجموعة لا تشمل حتى الآن كل الأسرى الفلسطينيين..؟

إن الحجة التي تتذرع بها هذه الحكومة والحكومات الإسرائيلية كلها منذ بدء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: الأيدي الملوثة بالدم".. حان الوقت لإسقاطه.

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي صراع دموي منذ مائة سنة، وأيدي الطرفين ملوثة بالدماء.. لم يكن الصراع بيننا ولا للحظة واحدة صراعاً عشقياً، لنمارس الطبطبة والتنعيم والعناق والقبل. أيضا ممارسات إسرائيل ضد الأقلية العربية داخلها، والمحكومة حسب القوانين التي أقرتها كنيست إسرائيل ومحكمتها العليا، لم تخل من دماء المواطنين الفلسطينيين الذين قتلوا بأيدي جنود ورجال شرطة على مختلف أنواعهم.. وكان قتلهم بدون وجه حق، بدءاً من شدمي منفذ مذبحة كفر قاسم مروراً بسفاحي يوم الأرض الأول وصولاً إلى قتلة الشباب العرب أل 13 في أحداث أكتوبر 2000.. وليت قتل المواطنين العرب في إسرائيل توقف هنا..

هل دم الفلسطيني لا يبقي أثراً على أيدي القتلة إذا كانوا يهوداً؟ وفقط الدم اليهودي يبقى ملتصقاً بأيدي الفلسطينيين إلى أبد الآبدين؟

آسف لهذا الحديث عن القتل والدم، ولكننا لم نكن البادئين به، ولم نجعله مقياساً لمنطق أعوج.. كنت أتمنى إن أتحدث عن الهايتك والاقتصاد والرقي الحضاري والتنوير وزيادة المعرفة ورقي العلوم والتفاهم والتعاون على التطوير، والخروج من  كهف النزاع الإثني والديني.. والاعتراف المتبادل بحق الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، إن يقيم كل منهما دولته المستقلة وان يقوم التعاون للبناء والتقدم وليس للقتل والهدم.

يقولون إن حماس تراجعت عن اتفاقات أُقِرّت سابقاً.. لا أعرف ما هو موقف حماس.. أعرف من زملاء صحفيين يهود ذوي اطلاع جيد إن مطالب حماس لم تتغير خلال السنوات الثلاثة منذ أسر شاليط ، مع أنه بات معروفاً لإسرائيل أيضا، ولكل مواطن في هذا الشرق الممزق، بأن كل أسير يظل في السجون الاسرائيلية سيجر في أعقابه حالات شبيهة لخطف شاليط او لما قام به حزب الله من أسر جنود ليحرر قنطار وغيره من الأسرى اللبنانيين.

لا أستطيع إن أقول إن حماس اتخذت موقفاً متطرفاً.. لأن المطالبة بتبادل أسرى حسب أي عرف دولي، يعني كل ما عندك مقابل كل ما عندي..

ان الاعتبارات الإسرائيلية والقوانين الإسرائيلية التي تجري على أساسها محاكمة الفلسطينيين المتهمين بالقتال ضد إسرائيل هي مسخرة لا تهمُّ دول العالم.

هناك نهج، ولا أعرف اذا كان يوجد قانون دولي حول الأسر.. وأتوقع انه يوجد.. وأتوقع انه ينص على التبادل الكامل لكل الأسرى بغض النظر عن عدد القتلى الذي سقطوا برصاص الأسير، ودوره في إنزال الخسائر بالجانب المعادي.. الا في حالة مجرمي الحرب الذين توجد محاكم دولية خاصة للتعامل معهم.

من هنا، كانت رؤيتي ان مسألة الأسرى الفلسطينيين باتت تشكل معضلة لإسرائيل نفسها، خاصة بعد أن أضافت قيوداً على مفاهيم الأسرى الفلسطينيين لا تمت بصلة لمفهوم أسير الحرب.. وألحقت به مفهوماً غريباً عن "الملوثة أيديهم بالدم"..

ربما حان الوقت ان يخترع الشعب الفلسطيني رصاصاً ومتفجرات تقتل بدون ان تسيل دماء الضحايا.

أقول هذا بألم وسخرية سوداء لأنني، أصلاً، أقف ضدّ كل أشكال العنف، وأؤمن انه يمكن الوصول لاتفاق فلسطيني إسرائيلي على حل قضية فلسطين، على أساس حدود الرابع من حزيران.. وحل عادل لقضية اللاجئين، تماماً كما جاء في مشروع السلام العربي.

الكرة في الملعب الإسرائيلي. أيضا مصير شاليط  كرته في الملعب الإسرائيلي. إسرائيل ستعطي في النهاية  لحماس كل ما طلبته. موقف حماس لم يتغير إطلاقاً. هكذا يقول الصحفيون اليهود ذوي الاطلاع.. فلماذا يجب إضاعة سنة كاملة أخرى من حياة الأسرى.. شاليط والفلسطينيين؟

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com