مؤسسات وقرارات
مؤسسات وقرارات
عطية مسوح
كلما تعرّضنا نحن العرب لنكسة ما، أو أصابتنا ضربة أو وقعت علينا مظلمة من المظالم، استيقظت لدى الكثير من سياسيينا ومثقفينا وغيرهم نزعة الهجاء، وهي نزعة قديمة تأصلت في تاريخنا النفسي والعاطفي والثقافي، وصببنا جام غضبنا على جهات كثيرة، نكون على صواب في تحديد بعضها، وعلى خطأ في تحديد بعضها الآخر.
لا يكون هذا في الشارع فقط، ولو كان كذلك لوجدنا له ما يسوغه، فالغضب الشعبي قد يتجاوز حدود الدقة والاتزان أحياناً، وتطغى فيه العاطفة على ما عداها، وخاصة حين يكون في الأمر ظلم واضح أو تحيز ومجافاة للموضوعية. لكن الأمر يتجاوز ردات الفعل العاطفية الغاضبة ويجد له حضوراً في الندوات الفكرية والمواقف والتحليلات السياسية والنشاطات الثقافية، فيغدو عند ذلك ضاراً، ويوصل إلى خلافِ ما يرغب فيه أصحابُه، وهم ينطلقون من حرص على المصالح القومية وألم لما يحلّ بأمتنا منذ مئات السنين حتى اليوم.
ولا أقصد بهذه النزعة الهجائية الاتهامات التي قد يوجهها أصحاب موقف معين إلى أصحاب المواقف الأخرى، فبعض العرب، ولا سيما الحكام، لا يكترثون لما يصيب الأمة أو يهددها، ويخافون فقط على مصالحهم ومواقعهم، لذلك تراهم شديدي الحذر من إغضاب هذه الإدارة الأمريكية أو تلك. كما تراهم يصوغون مواقفهم على نحو لا يتطابق مع المصالح العربية ولا يؤدي إلى حماية حقوقنا القومية. لكن ما أقصده أن هذه النزعة الهجائية تتجه إلى المؤسسات الدولية والعربية المعترف بها، وذات الشأن السياسي والمعنوي، والتي لا يمكن للمواقف الهجائية أن تدفعها إلى الأفضل، والتي لا يفيد تعطيل دورها أو إضعافه في دفع نضالنا القومي إلى الأمام ولا يجعلنا نحصل على مزايا ومكاسب، بل يزيدنا تشتتاً وضياعاً. وأعني على وجه التحديد جامعة الدول العربية ومؤسساتها، كما أعني المؤسسات الدولية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة ومنها مجلس الأمن الدولي.
لا أشك في أن هناك خللاً كبيراً وضعفاً واضحاً في عمل هذه الهيئات العربية والدولية، ولا أشك في أن هذا الضعف يقترن بممارسة بعيدة عن الأخلاق الإنسانية وروح العدل، وهي الكيل بمكيالين أو أكثر، إذ لكل حالة مكيالها بعيداً عن الموضوعية والثوابت الأخلاقية والمبادئ السياسية التي تنص عليها المواثيق التأسيسية لهذه المنظمات.
ممارسة الكيل بمكيالين أو أكثر تجعل مجلس الأمن مثلاً يتخذ قرارات على درجة عالية من التشدد تجاه قضية ما في مكان ما، ويهمل ما يماثلها في مكان آخر، فكأنه يحدد الطرف الذي يجب أن يخدمه القرار قبل أن يبحث في حقيقة المشكلة.
لكن الباحث المتعمق، الذي لا ينساق وراء نزعة الهجاء العاطفية، يدرك أن المشكلة ليست في هذه المؤسسات، بل يصل إلى أن هذه المؤسسات ضرورية للحياة السياسية وللعلاقات بين الدول على النطاق العالمي، وعلى النطاق العربي (فيما يتعلق بجامعة الدول العربية) وأن إضعاف دورها لا يفيد الشعوب، بل يفيد المتنفذين ويحقق مصالح الدول المهيمنة على الوضع الدولي.
نعم، إن الباحث المدقق سيجد أن المشكلة ليست في هذه المؤسسات بل هي في الأحوال السياسية الدولية، وهي أحوال لا تحددها المؤسسات بل تتأثر بها وتتبع لها. وسأذكر على سبيل المثال أن القرارات التي صدرت من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو من مجلس الأمن الدولي، بشأن القضية الفلسطينية، كانت تأتي لصالح العرب على وجه العموم، وكان النقض الأمريكي، أو التعنّت الإسرائيلي ورفض التنفيذ، هي ما يعطّل تلك القرارات.
كان ذلك في ظل توازن قطبين عالميين، لكل منهما تأثيره وامتداداته، أما ما نراه اليوم من تحيز لغير العدل والحق أو من ضعف في قرارات هذه المؤسسات الدولية، فهو ناتج عن هيمنة الولايات المتحدة على الساحة الدولية واختلال التوازن الدولي وضعف الأقطاب المناوئة للقطب الأمريكي.
وما دفعني إلى الكتابة حول هذا الموضوع، صدور طبعة جديدة هي الرابعة من كتاب (القرار 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية) للباحث الدكتور جورج جبور، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1991، والثانية والثالثة عام 2001.
الكتاب بحث هام في هذا القرار، وما سبقه وتبعه، وتحليل للمواقف تجاهه، ولمسوّغاته وظروفه أو حيثياته كما يقول الحقوقيون. وكذلك لظروف إلغائه وردود الفعل على هذا الإلغاء.
القرار الذي يساوي بين العنصرية والصهيونية ينتهي بالعبارة التالية، بعد مقدمة تاريخية تذكر وقائع محددة: (الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرّر أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري).
كان ذلك في جلسة الجمعية في 10/11/1975 وبأغلبية 73 صوتاً مقابل 35، وبامتناع 32 عضواً عن التصويت.
وواضح من تاريخ القرار أنه جاء حصيلة لوجود قطبين عالميين لا قطب واحد، ونتيجة لنضال سياسي متنوع الأشكال للعرب وأصدقائهم على النطاق الدولي، ولنهوض المقاومة الفلسطينية ووضوح اتجاهاتها الوطنية التحررية، واتزان طرحها الإعلامي المؤثر في الرأي العام العالمي.
أما إلغاء هذا القرار، فكان في جلسة 16/12/1991 أي عندما مالت موازين القوى، وتهاوى التوازن الدولي وبدأت تتضح هيمنة القطب الأمريكي.
ولعل القرارين، وتاريخهما، يؤكدان أن المشكلة هي في الوضع الدولي، وفي السياسة الأمريكية خاصة، وليست في هذه المؤسسات التي جاء وجودها تلبية لحاجة دولية، وتعبيراً عن رغبة الناس جميعاً، دولاً وشعوباً، في الوصول إلى حلول للمشكلات عن طريق التفاوض والبحث لا عن طريق الحرب، بعد أن اجترعت البشرية مرارة حربين عالميتين مدمّرتين.
الأمر ذاته ينطبق على الموقف من جامعة الدول العربية ومؤسساتها، فكثيراً ما نسمع من يقول: لا فائدة من هذه الجامعة، ولا حاجة إليها، وهي تضرّ أكثر مما تفيد، وغير ذلك من كلام يتعاظم في ظروف العدوان أو الاجتياح ونتيجة لتقصير قرارات الجامعة عن الحاجة القومية والتطلعات الشعبية.
ليست المشكلة في الجامعة العربية، أو في مؤسساتها النوعية، بل في الأنظمة العربية، وفي استهتار الكثير من الحكام العرب بإرادة شعوبهم.
العرب في حاجة إلى أطر تساعدهم على تمتين علاقاتهم الرسمية والتنسيق بين مواقفهم السياسية تجاه القضايا التي تواجههم، وهم في حاجة إلى مؤسسات اقتصادية وثقافية واجتماعية مشتركة، تقرّب بين توجهاتهم وتؤمن الفائدة المتبادلة. ويبدو أن هذا الطريق التدرجي التراكمي هو الطريق الأكثر واقعية للتضامن، ومن ثم للوحدة، التي من الصعب أن تكون اندماجية أو شاملة أو فورية كما كنا نظن. ولو أن العرب، أحزاباً وقيادات، وحركات شعبية، اتجهوا نحو تقوية دور الجامعة ومؤسساتها، وتعميق العلاقات الشعبية والحزبية بينهم، وشكلوا ضغطاً على الحكام في هذا الأمر، لكنا اليوم في حال أفضل من التضامن والتقارب، ولقطعنا شوطاً كبيراً في طريق الوحدة العربية التي لا بديل لها من أجل عودة العرب إلى التاريخ بفاعلية ونشاط.
إضعاف الجامعة ومؤسساتها، وسلبية الموقف الشعبي العربي تجاهها، لا يفيدان الأمة، بل يستفيد منهما الحكام الذين لا يريدون أن تلزمهم هذه المؤسسة بسياسة أو موقف، ولا يريدون للضغط الشعبي أن يقود إلى قرارات أكثر قوة، بل لا يريدون أن يعتاد الشعب على التعبير عن آرائه وطموحاته وأن يكون هذا التعبير عامل ضغط عليهم.
إن تخليص المؤسسات العربية والدولية من عللها وضعفها قضية نضالية لا مناص من السير فيها، كي تكون هذه المؤسسات أكثر نفعاً للشعوب.