هل السلام ممكن في الشرق الأوسط

 

هل السلام ممكن في الشرق الأوسط *

برناردو لويس **

ترجمة وتعليق: عدنان نقول ***

المواجهات العنيفة التي جرت في قطاع غزة بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس قبل نهاية العام الماضي والتي ترافقت مع أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية 2009 تستدعي إعادة طرح سؤال مطروح دائماً وأبداً وهو: الى متى سوف تبقى منطقة الشرق الأوسط بعيدة عن الإستقرار؟ او بالأحرى متى يتوصل العرب والإسرائيليون الى السلام؟ – ان الأحداث الأخيرة تدلل على وجود طريقين للسلام الأول هو المواجهة والقتال عن طريق الحرب لفرض وقائع جديدة على الأرض من خلال استخدام القوة المسلحة وهذا الطريق صعب ومعقد أثبتت الأيام فشله – وطريق آخر هو السلام والمحادثات المباشرة الذي كان مثالاً يحتذى وهو الطريق الذي اتبعه, وسلكه الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي اغتيل عام 1981 من خلال بحثه عن السلام وأعلن عنه بشكل رسمي من خلال زيارته (القدس) فالرئيس السادات لم يتخذ هذا القرار بشكل عبثي او بضغط من الصهيونية العالمية وانما كان سلوكه وكانت تبريراته منطقية للخروج من تحت عباءة (الاتحاد السوفياتي) الذي كان مهيمناً على مصر في ذلك الحين لان السادات كان يرى إسرائيل أقل خطورة من الاتحاد السوفياتي الشيوعي وهكذا كانت مبادرته التاريخية للسلام مع اسرائيل وبالرغم من كل الصعوبات بين (مد- وجزر) علاقات (حارة او فاترة) متقلبة الأطوار فان اتقاقيات السلام الموقعة عام1979 بين مصر وإسرائيل استمرت وصمدت وكان لهذه الاتفاقيات نتائج لصالح الشعبين المصري والإسرائيلي وهذا ما أدى فيما بعد لفتح الطريق أمام الأردن لتوقيع اتفاقية سلام عام 1994 وايضا اتصالات ومحاداثات مع بعض الدول العربية في - الوقت الحالي تغيرت الأمور قليلاً لجهة تصاعد النفوذ الايراني وامتداده لان بعض الدول العربية ازداد تخوفها من تعاظم النفوذ الايراني ومحاولاته السيطرة على المنطقة كلها وخطره أكبر من خطر إسرائيل وبشكل خاص تصاعد نفوذ وتاثير (الإسلام الشيعي المتطرف) بدعم وتأييد وقيادة من ايران وهذا يعني تهديدات ايرانية مضاعفة كون ايران بلد غير عربي وله مطامع وتقاليد امبراطورية فارسية وهو يحاول توسيع نفوذه في منطقة الشرق الأوسط وحوض المتوسط واعتماده على الطائفة الشيعية في تطبيق استراتيجته- واعطائهم أكبر قدر ممكن من القوة والسلطة في العراق والسعودية وبلدان الخليج العربي وبلدان عربية أخرى الأغلبية منها تعتنق المذهب (السني) وتتواجد في السلطة منذ زمن طويل – وهذا التواجد الشيعي يمتد من جنوب شرق العراق حتى شمال سورية مروراً بلبنان وصولاً الى جنوب إسرائيل وتحديداً (غزة)، وهذا التوضع يشكل تهديداً مضاعفاً من حيث ازدياد عدد السكان الشيعة في المنطقة – وخطر امتداد (ثورتهم) الشيعية وهو ما يعتبر شيئاً خطيراً بالنسبة معظم المواطنيين العرب السنة يهدد (انتماءهم، وجودهم، هويتهم..) اكثر من أاي خطر إسرائيلي. وبعض الدول العربية أظهرت ردود فعل مشابهة لردود فعل السادات تجاه الاتحاد السوفياتي وراح حكامها يتطلعون الى إسرائيل للوصول معها الى حل (اتفاق) ممكن ومستطاع وفي نفس الوقت فإن الانتماء للأمة العربية والعروبة يفرض عليهم نوعاً من التضامن والوفاء مع غزة ويفرض أيضاً على الحكام والنظام العربي وجميع الحكومات المتواجدة في السلطة التنديد بالاعتداءت الإسرائيلية غير المشروعة ضد سكان غزة وقيادة حركة حماس (السنية) الواقعة تحت التاثير والنفوذ الايراني. إن التحدي والتهديد لكل القيادات العربية السنية في منطقة الشرق الاوسط في مثل هكذا ظروف يمكن ان يتمخض عن حل مشابه لما حصل مع مصر في عهد السادات. لو حدث هذا الامر فان ذلك سوف يفتح الطريق لحل سلمي قد يكون فاتراً أحياناً متوتراً تصاحبه بعض الاشكالات بين جميع الأطراف الا انه سيكون دائماً ومستقراً وطويل الأمد وأفضل من حالة الحرب. والشيء المنتظر بكل تفاؤل ان يرافق ذلك بعض التطورات الديمقراطية الحقيقة في العالم العربي وهناك مؤشرات تدل على ان هذا الأمر ليس مستحيلاً لان بعض العرب أظهروا أنهم قادرون على تقبل شكل من أشكال الديمقراطية والتعايش مع ديمقراطية في المنطقة مشابهة للديمقراطية الموجودة في إسرائيل وبناء ديمقراطية تناسبهم تكون لها أسسها الدستورية والقانونية.

في الماضي كانت مبادرات السلام تصتدم بمصالح قوى عظمى من خارج المنطقة اليوم ومع تفرد الولايات المتحددة الامريكية كدولة عظمى وحيدة في العالم ووجود مصالح حيوية لها في المنطقة ووجود مستودع بترول كبير ورخيص في المنطقة يفرض عليها ان تمارس دورها في بناء وصنع السلام في منطقة الشرق الاوسط.

خاتمة وتعليق

نقول للسيد برناردو لويس ولكل الأكاديميين في الجامعات الغربية ومراكزالبحوث والدراسات الاستراتيجية ان السلام في الشرق الأوسط مرتبط بالدرجة الاولى في تطبيق العدالة وعودة الحقوق المشروعة للشعوب الفلسطيني واللبناني والسوري وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة واهمها القرار242 والقرار 194 المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها بالقوة عام 1948 على يد العصابات الصهيونية وعودة الأراضي العربية المحتلة التي احتلتها إسرائيل بعد نكسة حزيران عام 1976 اي الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس المقدسة ومزارع شبعة اللبنانية والجولان السوري المحتل وعودة اللاجئين ثوابت حددتها الشرعية الدولية ومنظمة الامم المتحدة وقراراتها ذات الصلة وبدون تطبيقها والالتزام بها فان اي حديث عن السلام سيكون مجرد سراب ومضيعة للوقت. الجانب العربي قدم ما عنده من خلال المبادرة العربية والدول والشعوب العربية أصبحت تتقبل فكرة وجود إسرائيل في المنطقة على أساس حل الدولتين ومبدأ التعايش السلمي مع إسرائيل، والسؤال المطروح علينا جميعاً كمحللين سياسيين ومراقبين وكشعوب عربية وأسرة دولية: هل إسرائيل مستعدة للذهاب بعيداً في مسألة صنع السلام مع العرب وقبول قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على أراضي عام 1976 وعودة اللاجئين؟ كل المؤشرات السياسية وخاصة بعد الانتخابات الأخيرة في إسرائيل وفوز اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو حزب الليكود - وإسرائيل بيتنا- بزعامة افغيدور ليبرمان وميول الشارع والراي العام الإسرائيلي نحو التعصب والتشدد وتاييده بنسب عالية ومرتفعة ا لعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وقتله للمدنيين العزّل بهذه الطريقة واستخدامه للأسلحة المحرمة دولياً وتدميره للبنى التحية ومقومات الحياة تقول (لا) توجد فرص حقيقية لبناء سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الاوسط على المدى المنظور.

والسؤال الآخر المطروح علينا اذن: الى اين ذاهبة المنطقة في ظل غياب السلام؟ الجواب الأكيد في غياب السلام لا مكان لغير العنف وعدم الإستقرار ومزيد من الحروب ومزيد من إراقة الدماء ومزيد من سباق التسلح والاستعداد العسكري على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورفاه المنطقة ونموها.- وشعوب المنطقة ودولها لاتتحمل المسؤولية وان من يرفض السلام العادل والشامل هو وحده الذي يتحمل المسؤولية ومن يجاريه في سياساته المعادية للسلام ويقدم له الدعم المالي والسياسي والعسكري فاذا كانت الادارة الأميركية الجديدة راغبة في تحقيق السلام في الشرق الاوسط عليها القبول بمبدأ ممارسة الضغوط السياسية والتهديد بقطع المساعدات المالية والعسكرية لصالح بناء السلام مقابل الأرض وقبول إسرائيل مبدأ الشراكة والانصهار في نسيج المنطقة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي عندها سوف تحصل إسرائيل على السلام والأمن والأمان واستمرارية وجودها وبقاءها- واي خلط للأوراق عن طريق التهويل بقوة ايران النووية وخطر حركة حماس وحزب الله والبقعة الجغرافية الضيقة والخطر الديمغرافي والسكاني الفلسطيني ومشاكل المياه والتلطي وراء معادة السامية واستغلال المحارق النازية لممارسة منطق الحرب والعدوان ومتابعة بناء المستوطنات وتفريغ القدس الشرقية من سكانها العرب الأصليين وهدم منازلهم كأسلوب جديد لتهجيرهم ومتابعة الحفريات لهدم المسجد الأقصى وسياسات قضم الاراضي والعزل العنصري بواسطة الجدار الفاصل والحواجز العسكرية الثابتة والمتحركة لمنع تنقل الفلسطنيين وبقاء اكثر من 12 الف فلسطيني في سجون الاحتلال يواجهون أبشع أنواع الإعتقلات القسرية دون أية تهم قضائية توجه لهم سوى مقاومة الاحتلال العسكري لأرضهم والحديث عن الديمقراطية وبناء الشرق الاوسط الجديد ودول الاعتدال والتطرف واليمين واليسار وتقسيم العرب الى شيع وملل ومذاهب هو خروج عن سكة السلام الحقيقي كلها أمور وسياسات أصبحت مكشوفة لا تخدم عملية بناء السلام الحقيقي القادر على البقاء والاستمرار. السلام العادل والشامل يبنى بالنوايا الحسنة والرعاية الدولية المحايدة والارداة السياسية الصادقة والقادرة على اتخاذ القرار الذي يلبّي مصالح حميع الأطراف والفرقاء في منطقة لم تنعم بالاستقرار والأمن والسلام منذ آلاف السنين وحان الوقت لبناء هذا السلام التي تتطلع اليه شعوب المنطقة لتعزيز فرص النمو والرخاء والرجاء لشعوب عانت طويلاً من ويلات الحرب والفوض وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ما تريده المنطقة من ادارة أميركية جديدة ورئيس أميركي جديد ومن عرق جديد سياسة جديدة بزعامة باراك حسين اوباما تاخذ في الحسبان مصالح جميع الأطراف على طريق بناء السلام المنشود في منطقة استراتيجية يتوقف مصير العالم وأمنه وسلامه واستقراره عليها.. سلام عادل وشامل أساسه الأرض مقابل السلام، والمبادرة العربية وقرارات مؤتمر مدريد للسلام وبغير ذلك كل جهد سيكون مصيره الفشل ويكون مضيعة للوقت ولايخدم مصالح شعوب المنطقة والعالم.

* مقال مترجم عن صحيفة كلارين الارجنتينية

** أستاذ كرسي في جامعة بريستون

*** إعلامي ومحلل سياسي- الارجنتين

9\3\2009

Argentina-

adnancorsp@hotmail.com

Tel: oo5493815290599