نصر الدين البحرة في (تجربتي.. في القصة القصيرة)

د. حسان الرهونجي قرأها 6
  

نصر الدين البحرة في (تجربتي.. في القصة القصيرة)

د. حسان الرهونجي

ضمن نشاط المركز الثقافي العربي بأبي رمانة تحدث الأديب والصحفي والقاص الأستاذ نصر الدين البحرة عن تجربته في القصة القصيرة، حديثاً بعنوان (تجربتي.. في القصة القصيرة)، مستعرضاً بدايات تجربته في الأدب بشكل عام والقصة القصيرة بشكل خاص، والظروف التي ساقته للتعرف على هذا الصنف الأدبي، عندما كانت عائلته تقطن في أواخر الثلاثينيات في حي المهاجرين، حيث كان بعض الأهل والأقارب والأصدقاء يصعدون إلى منزل العائلة، مما كان يطلق عليها حينذاك المدينة (أي دمشق القديمة داخل السور). وكان بينهم أحد أقربائه أبو أحمد فلفل الذي كان يجمعه وإخوته ليأخذ في قص الحكايات عليهم: (أبو أحمد هذا، أول من لفت انتباهي إلى شيء طلي مسلٍّ اسمه الحكاية والقص) وكذلك قريبتي أم عادل التي (أتقنت هذا الفن، فإنها كانت سيدة سهرات الشتاء). ثم يتذكر تردده فيما بعد على مقاهي خيمة خيال الظل (قره كوز وعيواظ)، لا سيما في مقهى (العمارة)، ثم أبو عزات الكراكوزاتي في مأذنة الشحم، وكان هذا بين عامَيْ 1947 و1948 عندما كان في الصف السابع الإعدادي. ثم يعود في ذاكرته قليلاً إلى الوراء). حين انتبهت إلى المكتبة (يقصد مكتبة والده التي نقلت من المهاجرين إلى بيت جده لأمه في مأذنة الشحم، حيث كان الأهل يعيشون، بعد وفاة والده).

بدأت أنقب فيها عن كتب أقدر أن أقرأها، في تلك السن، فعثرت على كتب كامل الكيلاني، أول كاتب للأطفال في الأدب العربي الحديث، ولم ألبث أن عثرت على أعدد من مجلة (الهلال) يرجع بعضها إلى عام 1929 وفيها اكتشفت كاتب القصة القصيرة العربي الكبير، وهو في الآن ذاته، أحد مؤسسيها الرواد: محمود تيمور. ثم يتذكر مجلة (الكاتب المصري) التي كان يجلبها إلى البيت أخوه مصطفى، هنا بدأت أتعرف على الأسماء الكبيرة: برناردشو، أندريه جيد، جان بول سارتر، دوستويفسكي، أوسكار وايلد، طاغو، ديكنز. وقرأت في هذه المجلة أولى قصص: (المعذبون في الأرض) لطه حسين، ولست أذكر جيداً كيف اكتشفت اسمَيْ (أنطون تشيخوف وغي دو موباسان). وفي عام 1947 قدر لي أن أنشر أولى كتاباتي في مجلة (العندليب) للأطفال، التي كان أخي مصطفى في هيئة تحريرها. أما قصتي القصيرة الأولى فقد نشرت في مجلة (الرقيب) الأسبوعية الدمشقية بعنوان (حكمة الشيطان) عام 1950. وقد نشرت في المجلة ذاتها في السنتين التاليتين بعض قصص قصيرة أخرى، كانت أكثر نضجاً، شكلاً ومضموناً. وقد بدأت حينذاك أقترب قليلاً من وضع يدي على بعض أسرار فن كتابة القصة، وأمسيت أكثر تمكناً من تقنيتها، وفي الحق فإني كنت أكتب وأجرب وأمزق، وليس في ذهني شيء واضح محدد، سوى أنني أريد أن أكتب، وأن أغدو قاصاً).

ثم يسترسل في ذكرياته عندما كان ينزل من الزبداني حيث كان مدرساً في إحدى ثانوياتها بعد تخرجه من دار المعلمين، إلى دمشق والتقائه بأصدقائه في مقهى الهافانا، وسنوح الفرصة في هذا المقهى لقراءة أعدادٍ من مجلة (النقاد) التي كان يصدرها الأستاذ فوزي أمين، ويتولى شؤون تحريرها الأستاذ سعيد الجزائري. فيقول: (سألت نفسي مرة، ترى، هل سيذكر اسمي يوماً بين هؤلاء الكتاب: كامل عياد، جودت الركابي، شاكر مصطفى، جلال فاروق الشريف، حسيب كيالي، فارس زرزور، غسان الرفاعي، سعيد حورانية، نزار قباني)...؟
ثم يعرج في ذاكرته على بداية صلته بالفكر الماركسي والواقعية الاشتراكية فيقول:
(في دار المعلمين، أتيحت لي فرص متعددة للاطلاع على التيارات السياسية التي كانت تجيش في صدور الشبان في سورية، وكانت الأحزاب العقائدية جميعاً تحت الأرض، في تلك الفترة من أيام العقيد أديب الشيشكلي، وقد شاركت في أكثر من مظاهرة خرجت من معهد دار المعلمين، ضد نظام هذا الرجل، وكنت أقدر أن أتملص من اعتقال رجال الأمن لي، على نحو ما، في حين اعتقل عدد من زملائي في الصف، ونقل بعضهم إلى حلب، أو طرد نهائياً من المعهد مثلما نقل آخرون، للأسباب نفسها من دار المعلمين بحلب إلى دمشق.

لم يستطع أخي الأكبر الذي كان عضواً في الحزب الشيوعي السوري، أن يترك أي أثر سياسي حقيقي في نفسي، وإنما القراءات وحدها هي التي رسمت قناعاتي الفكرية والخط السياسي الذي التزمت به طوال حياتي: عشر سنوات كاملة داخل تنظيم الحزب الشيوعي، وقد انتهت عام 1963، وسنوات تلتها، ظللت فيها محتفظاً بقناعتي الفكرية، مع الحفاظ على استقلالي التام، عن هذا الحزب أو ذاك، فقد علمتني التجربة، أن يكون الأديب منتمياً إلى فكر، ولا منتمياً إلى حزب.

أذكر هنا أنني قرأت مبادئ الفكر الماركسي، في كتاب مدرسي، عرضها على نحو مناقض معاد. وكان بين الكتب الهامة التي أثرت في تفكيري، كتاب المفكر اللبناني الدكتور جورج حنا (قصة الإنسان)، وكتابه الآخر (ضجة في صف الفلسفة).

ولعبت الأدبيات السوفييتية دوراً كبيراً في تحريض الوعي السياسي والأدبي لدي. كانت التنمية الروحية لدي تسير في خطين متوازيين: خط للفكر وخط للأدب. وإذا كان المتوازيان لا يلتقيان إلا في اللانهاية، فإنهما كانا ملتقيين عندي، في البداية. وربما كان هذا هو السبب الذي جعل قصصي الأولى المستوية، ملتزمة تماماً بما كان يعرف يومذاك باسم: مذهب الواقعية الاشتراكية، وهو الذي صاغ مبادئه ووضع أسسه الكاتب السوفييتي العظيم مكسيم غوركي عام 1934 في المؤتمر الأول للكتاب السوفييت. وأستطيع القول اليوم، بمزيد من الهدوء والموضوعية إن المعركة الأدبية التي دارت حينذاك من حول كتابي: (يقصد الأستاذ البحرة كتابه (هل تدمع العيون) الذي طبعه له الأستاذ الشاعر مدحت عكاش على نفقته في مطبعة الجمهورية)، كانت تخفي وراء التعصب لهذا المذهب الفني أو ذاك فكراً سياسياً معيناً.

وبكل بساطة يمكن الاستنتاج على النحو التالي: فقد كنت مؤمناً إلى درجة التعصب بمذهب الواقعية الاشتراكية، وكان الطرف الآخر يرفض هذا المذهب، بما ينطوي عليه من فكر، وما يترتب عليه من عناصر وأشكال فنية. وكنت أفهم الواقعية الاشتراكية باختصار شديد، إنها ذلك المذهب الأدبي الذي يهتم فيه المبدعون بقضايا الطبقة العاملة والفقراء المهمشين اجتماعياً، فيصور مشكلاتهم، بما في ذلك قضايا القلب، رابطاً إياها بالمسألة العامة للمجتمع، على نحو بعيد عن الفجاجة والمباشرة.

بعبارة أخرى، إنها الواقعية مضافاً إليها الالتزام بفكر الاشتراكية العلمية، أما الشكل الفني للنتاج الأدبي، وإن يكن ذا صلة وثيقة بالمضمون، فالمبدع حر يصوغه على النحو الذي يراه.

وأقدر أن أوجز فهمي للواقعية الاشتراكية:

1ـ  إنها تناقض المذهب الطبيعي في الأدب.

2ـ وهي ترفض الشكلية، أي الاهتمام بالشكل دون المضمون.

3ـ تؤمن هذه الواقعية أن للأدب رسالة اجتماعية، أي ترى أن له دوراً خطيراً في المجتمع يؤثر في تطوره الإنساني، أي أن الأدباء مسؤولون، وهذا هو المعنى الاجتماعي والوطني والقومي للالتزام.

كنت أردد باستمرار عبارة ماركس المشهورة: إن ما فعله الفلاسفة حتى الآن أنهم اكتفوا بتفسير العالم، أما الآن فالمهم هو تغييره.

ثم يستشهد بأفكار مفكري وفلاسفة الماركسية الأوائل بأن (لا مجال أمام الأديب أن يكون محايداً). فإن مجرد كون الأدب بعيداً عن ساحة الصراع، هو في الواقع تحيز إلى معسكر الرجعية).

ثم يستطرد فيقول: (ولو أننا طبقنا هذه النظرية المعيارية على أدبنا العربي لرأينا فيه على اختلاف عصوره، آثاراً ذات طابع تقدمي حقيقي، من حيث النظر إلى القوى الاجتماعية الطالعة، والتناقضات التي تحكم حركة المجتمع التاريخية، والطبقات المنهارة، والشرائح الجديدة، ونستطيع أن نقدم أمثلة كثيرة من مقامات بديع الزمان الهمذاني، والحريري، ولا سيما (المقامة المضرية). ونحن نرى أدباً واقعياً تقدمياً في (كليلة ودمنة) و(الأدب الكبير) و(الأدب الصغير) لابن المقفع، وفي (البخلاء) للجاحظ، وفي (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وفي زهديات أبي العتاهية، وسخرية أبي نواس، وسخط أبي العلاء ا لمعري، وحقد المتنبي.

ثم ينهي محاضرته (تجربتي في القصة القصيرة) إلى القول: (كانت كلها تجارب عارمة كبيرة، ما تزال على الرغم من عظمتها محتفظة بكل بكارتها في الذاكرة.
ثم تلت المحاضرة الشيقة إضافات ومداخلات وبعض تساؤلات حول ذكرياته التي تعرض لها في حديثه الغني والممتع.