لنبادر قبل فوات الأوان لإنقاذ الموسم الزراعي
لنبادر قبل فوات الأوان لإنقاذ الموسم الزراعي
مشهور غريبة
قاربت زراعة المحاصيل الشتوية، من قمح وشعير وما شابه، من الانتهاء. وكل الدلائل والمؤشرات تفيد أن المساحة المزروعة من هذه المحاصيل قد تراجعت كثيراً، سواء في الأراضي المروية أو الأراضي البعلية.
ويعود السبب في ذلك إلى موجة الجفاف وانحباس الأمطار في مناطق الزراعة الواسعة لهذه الحبوب، وإلى ارتفاع كلفة الإنتاج بسبب رفع أسعار المحروقات، وإلى قلة المساحات التي حوّلت إلى الري الحديث، إذ ما زالت طريقة الري بالغمر هي السائدة، ونسبتها تتجاوز الثمانين بالمئة. إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكساً مباشراً وكبيراً على كلفة مختلف العمليات الزراعية، فقد ارتفعت أجور الفلاحة إلى أكثر من الضعف، وكلفة السقاية وصلت إلى حد غير معقول وغير اقتصادي، إذ إن الجفاف وقلة الأمطار جعلا الأرض تخلو من أية رطوبة تساعد على إنبات البذور، مما استوجب ري الأرض قبل زراعتها وبعدها، أي أنه أضاف ريَّات متعددة مكلفة جداً تقوم مقام الأمطار التي كانت تؤدي هذه المتطلبات الزراعية. حدثني أحد المزارعين أنه عندما باشر بسقاية أراضيه تمهيداً لزراعتها بالقمح، وجد أن كلفة ري الدونم الواحد ستزيد عن 1500 ليرة سورية، لأن الأرض عطشى وجافة وتمتص المياه، مانعة إياها من الانتشار في الحقل بسهولة وسرعة، ولهذا توقف عن العمل تقديراً منه أن أي مردود إنتاجي لا يعوض كلفة السقاية، ناهيك بأجرة الفلاحة والسقاية وثمن البذار وأجرة نثره وغير ذلك من التكلفة. تشير هذه المعطيات والوقائع إلى أننا أمام واقع مأسوي يلحق بالمزارعين وبالشعب ككل. فالفلاح في حالة يرثى لها، والشعب بحاجة إلى المواد الغذائية، والأراضي تبور ولا تزرع، وما زرع منها لا يعطي النتائج المرجوة نظراً للانحباس المطري ولعدم قدرة المزارع على إعطاء الأرض الرّيات الضرورية، فإمكاناته المادية لا تسمح بذلك. والسؤال الآن! هل نترك هذه الحالة تسير في طريقها المخيف، والزراعة هي أساس اقتصادنا الوطني، وتحقيق أمننا الغذائي وتأمين المواد الأولية للعديد من صناعتنا التحويلية، وصادراتنا إلى الخارج. إن أي مهتم بمصير شعبه وبلده يقول لا! ويطالب باتخاذ التدابير الفورية لتلافي الوصول إلى هذه الكارثة. لقد اتخذت الحكومة مؤخراً، العديد من الإجراءات والقرارات من أجل تجنيب الاقتصاد الوطني تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تلف العالم، فخفضت أسعار المواد الأولية والكهرباء والأسمنت، والتسهيلات المصرفية وسواها، من أجل تشجيع الصناعيين وتحفيزهم كي يستمروا في عملهم ومشاريعهم الخاصة. صحيح أن للصناعة دورها الهام في اقتصاد أي بلد، ولكن للزراعة دورها الأولي في هذا الاقتصاد ومكانتها العليا في بلادنا خاصة، بل وفي أي بلد مهما كان مستوى تطوره، لأنها تقدم المواد الغذائية التي لا يمكن العيش بدونها. وإذا أخذنا بالحسبان متطلبات الشراكة السورية الأوربية التي وقّعنا عليها مؤخراً، نجد أن دور الزراعة يجب أن يتنامى عندنا أكثر فأكثر في آفاق تطورنا الاقتصادي والاجتماعي.
إن من الضروري والحالة هذه، أن يصار فوراً وبدون أي تأخير إلى تخفيض أسعار المازوت والكهرباء بالنسبة للمحركات المستعملة في ري المزروعات، فهناك مسوّغات كثيرة تتطلب هذا التخفيض، ومنها:
أولاً: تأمين خبز الشعب الذي هو أساس الحياة والاستقرار الاجتماعي والقرار السياسي المستقل.
ثانياً: تمكين المنتجين الزراعيين من تحقيق دخول مقبولة تؤمن لهم بعض احتياجاتهم وترفع من شأنهم الاجتماعي، وتحرك السوق الداخلية في مختلف جوانبها.
ثالثاً: انخفضت أسعار النفط انخفاضاً كبيراً، فمن 148 دولاراً للبرميل، يوم قامت الدولة برفع أسعار المازوت من 7 ليرات إلى 25 ليرة، إلى 40 أو 41 دولاراً.
رابعاً: دعمت الدولة المازوت المعدّ للتدفئة، أفلا يحق للمزروعات وهي عصب الحياة، أن تدعم هذه المادة التي هي أساس إنباتها ونموها وإنتاجيتها وإنتاجها، وبذلك نحقق الأمن الغذائي ونحصل على ما يمكن أن نصدره فيقوى اقتصادنا وتزداد إمكاناتنا في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
خامساً: إن دخولنا في الشراكة الأوربية يستوجب تخفيض كلفة الإنتاج إلى أقصى حد، لنتمكن من الصمود في الأسواق الأوربية، خاصة أن صادراتنا تقوم أساساً على المحاصيل الزراعية بأنواعها وبشقيها النباتي والحيواني.
هذا جانب من المسألة والجانب الآخر الضروري في تلافي المخاطر هو:
1ـ تأمين التمويل بالقروض اللازمة للمزارعين لمتابعة أعمالهم الزراعية المتعددة الجوانب، من فلاحة وبذر وما شابه، ومن استجرار للمحروقات لري الأرض وزراعتها، ومتابعة سقايتها حتى نؤمن الموسم.
2ـ الإسراع في تأمين مستلزمات الإنتاج، وخاصة الأسمدة ودعمها وحصر استيرادها بمؤسسات الدولة والتنظيمات الفلاحية، وإدخالها في صندوق الدعم الزراعي.
إن المعلومات تشير إلى أن أسعار الأسمدة في السوق الخاص هي ضعف السعر الذي تقدمه مؤسسات الدولة.
3ـ تذليل جميع الصعوبات والعوائق التي حالت وتحول دون تحقيق التحول نحو الري الحديث، إذ ليس من المعقول أن تبقى هذه المسألة المصيرية تسير عفوياً، والبلاد في أقصى مخاطر النقص المائي.
4ـ التخطيط منذ الآن لمواجهة ما يلزم من المواد العلفية وتأمينها مسبقاً، كي لا نقع في أزمة عند الحاجة إلى هذه المواد، وكي لا نقضي على الشق الحيواني من زراعتنا، هذا الشق الذي أصابه ما أصابه في العام الفائت.
5ـ (وهذا مطلب استراتيجي)، وهو: تكثيف كل الجهود وبذل كل الإمكانات لجر مياه دجلة والفرات والاستفادة منها في الري للتعويض عن الجفاف وعن المياه الجوفية المستنزفة.
تلك هي باختصار الإجراءات والتدابير التي نراها ضرورية لتلافي المخاطر وإنقاذ الموسم الزراعي الحالي والنهوض باقتصادنا الزراعي ككل، آملين أن تلاقي الاهتمام والاستجابة من المسؤولين المختصين.