في الذكرى المئوية الأولى للجمعيات القومية العربية

عطية مسوح قرأها 865
  

في الذكرى المئوية الأولى للجمعيات القومية العربية

عطية مسّوح

كل الأحداث والمعارك التي تُفرض علينا، نحن عرب هذا الزمان، تؤكد حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد، وهي أن العرب لا يمكن لهم أن يحققوا حضوراً في هذا العالم، أو يكونوا أمة ذات شأن في الحاضر والمستقبل، ما لم يكونوا متضافرين متضامنين.

ولن يتحقق التضافر والتضامن عفوياً، بل إن الشكل العفوي الذي يتجلّى به في المحن والشدائد هو بلا فائدة تذكر. وقد دل على ذلك ما جرى في العراق وغزة، كما دلت عليه كل المعارك التي خاضها بلد عربي أو عدة بلدان منذ عام 1948 إلى اليوم.

ولعل الكثيرين يعدّون هذا الذي نقوله أمراً بديهياً، لأن كل عربي، كبيراً كان أم صغيراً، يعرفه ويردده، ولأن ما يقال في هذا الشأن أصبح مدعاة للملل والتذمر لأنه لا يعدو أن يكون نوعاً من أنواع الوعظ والتكرار.

هذا صحيح، فلقد استأثر موضوع وحدة العرب أو تضامنهم بمعظم ما كتبه المفكرون والسياسيون والأدباء منذ مئة وخمسين عاماً إلى اليوم، حتى لم تعد أية كتابة قادرة على الإتيان بجديد.

ومع ذلك أعدُّ العودة إلى هذا الموضوع المعروف المطروق، ضرورية، لا لإضافة معرفة جديدة ولا لتأجيج المشاعر العربية، كما تفعل بعض الكتابات العاطفية والشعاراتية التي تطغى في الشدائد والمعارك، ولكن لإيقاظ الإرادة، والبحث عن نقطة البداية. فهذا الأمر البديهي في أذهان العرب، أو الغالبية الساحقة منهم، وصل إلى درجة من البعد عن التحقق الفعلي فغدا أشبه بالمستحيلات. وكثيراً ما يردد الواحد منا، بمرارة وأسى: مستحيل أن يتفاهم العرب على شيء... أو: العرب متفقون على ألا يتفقوا، أو غير ذلك من العبارات التي تؤكدها التجارب السياسية في العصر الحديث.

كثيراً ما نقول: لقد فشل المشروعان العربيان القومي والاشتراكي في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد أن استطاعا اجتذاب العقول والمشاعر، وتكوين تيار شعبي واسع، والوصول إلى الحكم في عدة بلدان عربية. وبفشل هذين المشروعين انفسح المجال من جديد أمام قوى أصولية، أو قوى (حاكمة في بعض الأقطار) ارتبطت بالسياسات الاستعمارية (الأمريكية خاصة) ارتباط مصالح، وهذان النوعان من القوى يفتقدان برنامج نهوض حقيقي يرفع مستوى الشعب اقتصادياً وثقافياً ويسير بالأمة في طريق التقدم ويعزّز تقاربها وتضامنها.

نعم، لقد فشل المشروعان القومي والاشتراكي، لكن التسليم بهذا الفشل، والاستسلام له غير صحيح. ولا بد لمن يفكرون بمصالح الشعب ولا سيما فئاته الكادحة، وبمصالح الأمة وهي تواجه مشكلتي التطاول الخارجي ممثلاً بالصهيونية والإمبريالية الأمريكية، والتخلف، الذي تكرسه القوى الرجعية، لا بد لمن يفكرون بمصالح الأمة من البحث في الأسباب العميقة التي أدّت إلى فشل المشروعين القومي والاشتراكي، والحوار حول سبل إنهاضهما على نحو جديد قابل للحياة في الظروف المعاصرة.

ولعل من المفيد أن نعبّر عن قناعتنا بأن فشل هذين المشروعين لا يعني عدم مشروعيتهما، ولا يعني أنهما لم يكونا حاجة موضوعية، أو أنهما جاءا إلينا وافدين من الفكر الغربي كما يقول بعض الباحثين، فالفشل جاء من فقدان الخطة الموضوعية والخطاب العقلاني المرن.

قد يقول بعض القراء، إن في هذا الرأي استباقاً للبحث والحوار الذي دعوتَ إليه منذ قليل، وإطلاق حكمٍ قد لا يقود إليه البحث والحوار. فقد يؤدي البحث إلى بطلان المشروعين أساساً، وإنكار الحاجة إليهما.

وهذا اعتراض صحيح من جهة المنطق وأصول الحوار، لكنني لا آخذ به ولا أكترث له، لأنه يستند أولاً إلى فكرة منهجية غير علمية مفادها أن ما فشل واقعياً هو غير صحيح وغير ضروري. ولأنه يعبر ثانياً عن موقف قدّ مسبق رافض لهذين المشروعين ومضاد لهما.
أما خطأ الفكرة المنهجية التي تقول بعدم صحة كل ما فشل واقعياً، فيأتي من أن عوامل النجاح والفشل متعددة متداخلة، وقد يفشل مشروع ما بسبب إغفال عامل معين أو إبراز عوامل أخرى، وقد تكون التجربة الفاشلة بداية للشروع بتجربة أخرى أكثر صواباً في المجال ذاته، ذلك لأن طموح الإنسان إلى العدالة ـ والاشتراكية مشروع عدالة ـ وطموح الإنسان العربي إلى الوحدة القومية بحثاً عن حضور حقيقي في العالم المعاصر، هما طموحان مشروعان لا يمكن لأحد أن يسفههما ويزيلهما من الوجدان الشعبي.

ولم يأتِ هذان المشروعان فجأة، ولم يولدا ولادة غير طبيعية، بل جاءا معبرين عن الحاجة أولاً، وعن وعي عدد من المفكرين والسياسيين العرب لهذه الحاجة ثانياً. أما الخطأ فكان في أن دعاة الاشتراكية، ولا سيما الماركسيين، لم يبحثوا في الأشكال التي يجب أن تكتسبها الماركسية كي تلائم البيئة العربية أو المحلية، ولم يوفّقا في وضع سلم الأوَّليات التي يجب التركيز عليها، بينما وقع دعاة المشروع القومي بخطأ آخر، هو الانسياق وراء الشعارات الكبيرة، وأهمها شعار (الوحدة العربية)، وهو شعار عظيم وهدف نبيل، دون أن يسعَوْا إلى التكوين الفعلي والتدرّجي للمقوّمات التي توصل إليه.

قلت: لم يأتِ هذان المشروعان فجأة، ولم يولدا ولادة غير طبيعية.

وسأتناول في هذه المقالة ولادة المشروع القومي العربي، ذلك أننا في عام 1909 أي في عام الذكرى المئوية لتأسيس عدد من الجمعيات العربية التي عبرت عن نمو الإحساس القومي ودفعت المشاعر القومية إلى مستويات أعلى، ونقلتها من العفوية إلى التنظيم.

وإذا كانت التنظيمات والجمعيات المعبرة عن إحساس العرب بالغبن في ظل السلطنة العثمانية قد بدأت بالتكون منذ أواسط القرن التاسع عشر فإن تطور الرؤى العربية والأساليب الكفاحية كان سريعاً في العقد الأول من القرن العشرين، الذي شهد ولادة أول حزب قومي عربي هو (حزب الجامعة العربية) الذي أسسه نجيب عازوري عام 1904، كما شهد ولادة عدد من التنظيمات عام 1909 وهي: المنتدى الأدبي والجمعية القحطانية، وأبرزها جمعية (العربية الفتاة).

أسس هذه الجمعيات عدد من المفكرين المناضلين الذين كان بعضهم في البداية مؤمناً بفكرة اللامركزية، أي المحافظة على السلطنة العثمانية على أن يكون للعرب إدارتهم الخاصة في ولاياتهم، وعلى أن تكون اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب التركية، وكان بعضهم الآخر يحمل نزعة استقلالية أكثر جذرية، انطلاقاً من أن العرب أمة لها لغتها وأصلها وثقافتها وتاريخها، وهي جديرة بأن تكون لها دولتها القومية المستقلة.

لكن الأحداث التي أعقبت تأسيس هذه المنظمات الثلاث، إضافة إلى حزب اللامركزية، عززت الشعور بالانتماء القومي العربي من جهة، وزعزعت الثقة بالعثمانيين، المحافظين منهم والحداثيين، وأكدت أن الصواب هو في خروج العرب من العباءة العثمانية، وإقامة كيانهم السياسي المستقل.

يجمع المؤرخون والباحثون في أحداث تلك المرحلة على أن (العربية الفتاة) كانت أكثر الجمعيات أهمية ونشاطاً. ويؤكد معظمهم أنها تأسست عام 1909. تاريخ التأسيس هذا أكده الباحثون بو علي ياسين وجمال باروت ونجاتي طيارة في كتابهم المشترك (الأحزاب والحركات القومية العربية)، كما أكدته الباحثة الدكتورة سهيلة الريماوي في كتابها (جمعية: العربية الفتاة ـ 1909 /1918 ـ دراسة وثائقية)، بينما ذكر المستشرق السوفييتي لوتسكي في كتابه (تاريخ الأقطار العربية الحديث) أنها تأسست عام 1911 بمبادرة من بعض أعضاء المنتدى الأدبي الذي تأسس عام 1909، كما يلتقي معه في تأكيد هذا التاريخ الباحث وليد المعلم في كتابه (سورية 1916 ـ 1946).

وبغض النظر عن دقة هذا التاريخ أو ذاك، فإن الكل يجمعون على أن لهذه الجمعية الدور الأكبر في نقل الفكر القومي العربي إلى مرحلة أكثر نضجاً، وأنها كانت على درجة عالية من الدقة في التنظيم وإتقان العمل السري.

ومن دلالات ذلك أن قيادة الجمعية تكوّنت من ستة أعضاء معروفين بصلابتهم وعمق تفكيرهم، بينما كان المنتسبون إليها على درجتين من العضوية: درجة العضوية التامة، ودرجة المرشحين الذين يُختبرون جيداً لفترة زمنية غير قصيرة. وتذكر د. سهيلة الريماوي أن قيادة الجمعية وضعت شيفرة سرية خاصة بالمراسلات بين أعضائها، وبينهما وبين المسؤولين في المناطق. وذكرت هذه الشيفرة التي هي عبارة عن ترقيم خاص لحروف الأبجدية يختلف عن الترقيم التقليدي المعروف، أي: أب ج د ـ هوَّز ـ 1 ـ2ـ.... ثم 10ـ 20ـ 30...إلخ. فترقيم العربية الفتاة كان بترتيب جديد للأبجدية هو: بزغ فجر وطنك...إلخ، وبترقيم 1ـ2ـ3... إلى 28 فإذا أرادت القيادة أن تطلب من أحد القادة المحليين مثلاً أن يسافر إلى دمشق، تكتب له بدلاً من (سافر إلى دمشق):

27ـ20ـ4ـ6ـ20ـ13ـ20ـ16ـ11ـ11ـ17ـ24

وظلت هذه الشيفرة سرية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وانحلال الجمعية.

في عامي 1915 ـ 1916 سيق عدد من أعضاء وقياديي هذه الجمعية إلى المشانق، كما سيق غيرهم من أعضاء حزب اللامركزية الذين شاركوا في مؤتمر باريس والنضال القومي الاستقلالي، بينما استمر بعضهم في العمل السياسي وكانوا من الرموز الوطنية للمرحلة اللاحقة.

واليوم، ونحن ندرك أهمية التلاحم القومي العربي، وضرورة تطوير الفكر القومي والفكر الاشتراكي العربي، نذكّر بتلك البدايات العظيمة التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، وفي عام 1909 خاصة، لعلنا نستلهم من جديد الروح القومية العالية لمؤسسيها ونخلد ذكراهم، ولا سيما ذكرى أولئك الذين استشهدوا في سبيل حرية الوطن ووحدته.

في الظروف الصعبة التي تعيشها أمتنا، وفي ظل التطاول الأمريكي الصهيوني الذي يُنزل بنا الضربة تلو الأخرى، ولا يوفر من دمائنا دم طفل أو رضيع، يتأكد أكثر فأكثر أن استعادة المشروع القومي والمشروع الاشتراكي، والتلاحم بينهما على قاعدة العقلانية والعلمانية، هو الطريق إلى بناء مجتمع قومي قادر على تحقيق مكانة وحضور في عالم اليوم.
وليكن هذا العام، عام الذكرى المئوية لتأسيس (العربية الفتاة) حافزاً لنا، ومناسبة لتأكيد المشروع النهضوي العربي على أسس جديدة.