صباح الغضب، صباح النصر

الدكتور حبيب بولس قرأها 1,031
 

صباح الغضب، صباح النصر

بقلم : الدكتور حبيب بولس

Habib%20Boulos.JPG 

يا اهل غزة،
يا شبابنا وصبايانا،
امامكم نعترف:
نحنجياد شاخت شجاعتها، وضمرت اجسادها، تشكلت قوادمها، اما انتم فجيادنا الطالعة منالشمس نحو الشمس، أنتم رهان المرحلة.
ايها الشباب والصبايا،
حين تصبح القضية،قضية شعب يذود عن مقدساته
حين تصير القضية، قضية شعب يدافع عن كرامته
حين يقفالفلسطيني في العراء وحيدا يواجه ارقى انواع الآلات العسكرية
حين ينتصبالفلسطيني متحديا غطرسة المحتل، وهو لا يملك سوى كرامته وحلمه الاخضربالواحة،
تنهال عليه الذكريات، ويخر امام الزمن، وتتهافت عند قدميه الاشياء،فيصرخ:
لاسماء فوقي، ولا ارض تحتي، انا الفلسطيني بالعذاب تعمدت وبالقهر تسربلت،فمن:
"
أنشر على لهب القصيد شكوى العبيد الى العبيد"
وانا ابحر في ذاكرةالتاريخ
أمخر عباب الزمن الرديء
أرجّ اعمدة الصمت العربي
اهز جدرانالقهر
أعري عهر العهر
استحضر مأساتي،
اقف معها وجها لوجه
اعايناحداثها
فيسكنني البارود ويحتلني هدير المدافع
انضو عن مأساتي ملابسها،اعريها، اشرب كأسها المر، فيتراكم في صدري الضيق، وينتفض فيّالذل
ويتقحمنيالعار، ويرتد الى الذاكرة تاريخ
مزيجه الخيانة، ولبّه الغدر،ولحمته النفاق
اسافر في عتمة ليل الزيف،
فألتقي النكبة شلال خوف، ونهررحيل،
ونزيف شعب "رمت معاطفه الجبال"
بكت ودعته وطوى السفر النزال
حريق،دمار، دخان، عويل، صراخ، بكاء
وعلى سطح بيتنا المقنطر هوى الهلال
فكان الخوفوكان الهلع
وكان الرحيل وكان القتال
وكان ان نعى بوم ونعق غراب
فعشنا فيالضياع، بين البقاء، وبين الذهاب
قرى هدمت، قرى شرّد اهلها
وأخرى بقيت تنتظرمن الدهر الجواب
وطن نازف، جرح ملحاح
"
فيا وطن، كان جدي يفرش الحطة تحتالدالية وينام
والازاهير نشاوى والغمام
يا زمن قمة الجرمق كانتعالية
والدوالي حانية،
ثم مال الدهر غدرا يا زمن
فيا زمن،
عشتُ معالغدر عار اللجوء
ومرّ الخيام
وذل الفقر وانكسار العوز
ورحتاكابر
"
فظلم ذوي القربى قاس يا وطن
فكان صباح وكان مساء، وكانت الرحلة منالبحر الى البحر، وكان التمزق بين الرحيل والبقاء، بين البقاء والرحيل،
وكانالصراع والطريق طويل طويل
أرحل؟ جبال مكسورة الجناح، ارض تستصرخ
أرحل؟ وطننازف، جرح ينزّ
أبقى؟ وكيف البقاء يا زمن؟ وحكم الاجنبي ظالم يقهر
أرحل؟ وأناالذي رسم من شرايين القلب للوطن قصيدة
أرحل؟ وأنا الذي جدل من دموع العين للوطنضفيرة
ارحل؟ وأنا الذي حفظ انجيل الارض واحترف قرآن الجبال
وأتقن توراةالبحر
ارحل؟ وأنا الذي تعمد في العشق حتى النخاع
وغزل لشمس الوطن من الوجعتعويذة
صلاة هي عشقي لك يا وطن
محبتي لك مصلوبة على وجوه النساء، محفورة علىقلوب الاطفال،
مزروعة على جبين العذارى
ارحل ام ابقى يا وطن؟
ما اصعب انيواجه العاشق بالسؤال!
ابقى ام ارحل يا وطن؟
والطريق طويل، وانتظار الفجرطويل، وعرس الضياء بعيد
لا بأس عليك يا زمن، فأنا مذ جئت تمرستبالمصاعب
وعاقرت منذ البدء المِحن
تقول: "الطريق طويل
اذا كان ماذاتريد؟
تقول: الخلاص بعيد
وفي ظلمة الليل وحش وموت اكيد
اذا كان قُل لاتداور، اذا كان ماذا تريد؟"
أنا سوى ارض بلادي لا اعبد شيئا،
فعلى جسدي انتيا وطن
عزيمتي منك اليك عزيمة لا تفل
هنا باقون فليشربوا البحرا، ياوطن
على جسدي انت "فالارض خناجر تحت الاقدام الوحشية،
والارض مقابر للاقدامالهمجية
باقون: القرار، باقون: الاصرار
فعلى لحمي أنت يا وطن
و"بأسنانيسأحمي كل شبر من ثراك بأسناني".
رحلتي منك اليك، عنك وفيك
هنا في الرحم منكنحن منزرعون
من جرحك سنغزل للنصر اكليلا
ومن دموعك سنقص للطفل حكايةالصمود،
و"سنفهم الصخر إن لم تفهم البشر/ ان الشعوب إذا هبت ستنتصر"
فباسم كلامرأة صادروا فرحتها يا وطن
باسم كل طفل اغتالوا بسمته
باسم كل ام قتلوازغرودتها
باقون هنا، رغم انف الغاصب، ورغم انف القهر وأنف الزمن
"
سأظل هناامسك جرحي بيدي وألوح بالاخرى
لربيع يحمل لبلادي دفء الشمس وباقاتالازهار"
سأظل هنا انبش خاصرة الألم، افتش فيها عن بهجة،
اخترق الجرح، ابحثفيه عن فرحة، احمله بيد وبالأخرى
احمل زهرة
فيا وطن،
منذ "سأحمل روحي علىراحتي وأهوي بها في مهاوي الردى"
كانت الرحلة المضنية ستين عاما
فكان صباح،وكان مساء، وكان ان شربنا التجربة حتى الثمالة، وعرفنا ان الحزن قد ينبت فرحا، وانالشر قد يلد خيرا، وان المأساة قد تفرخ أملا
ومنذ "هذي شراييني خذوها وانسجوامنها بيارق جيلنا المتمرد"
كانت المعرفة: من رحم الموت قد تكون الولادة، ومعالشدة فرج، ومع اليوم غد، وخلف السحاب غيث
وهكذا كان يا وطن،فرغم الحزن ورغمالقهر، رغم الصمت ورغم العهر، رغم الخروج ورغم البحر، ما هنا يوما ولا خذلناك ياوطن. بل رأينا ان الفرج آت، وقلنا: "فلتسمع كل الدنيا فلتسمع، سنجوع ونعرى، قطعانتقطع، ونسف ترابك يا ارضا تتوجع.
ونموت ولكن، لن يسقط من ايدينا علم الاحرارالمشرع"
كان صباح، وكان مساء، وكانت الانتفاضة، وكان الغضب، يا وطن، شلال فرحونهر كرامة، فارتدت الى التاريخ عزته، وعاد الى الزمن اباؤه، ورجع الى فلسطينالشموخ، فعلت الهامة، وانتصبت القامة، ولمع الإصرار على جبين شيخ، وشعّ التحدي علىوجه ام، وزغرد في يد الطفل الحجر.
وزال عن الوطن الترهل، وسقطت عنه اقنعة الزيف،
وغادره الحزن، وقلنا:
"
عملاق هذا العصر،
هبّ اطلع النصر
فكل السابقيناطلعوا الهزيمة"
فالتأم الجرح، وتآزرت السواعد، وكان صباح، وكان مساء، وكان رجالوكان شباب وكان اطفال يرسمون بالحجر للوطن خارطة فرحه.
كان صباح، وكان مساء،وكانت صبايا، وكانت نساء يغزلن بالحجر للوطن اكليل نصره. كان صباح، وكان مساء،وكانت امهات، يحرقن بالحجر المسافات، وبالتضحية ينسجن للوطن حكاية عزه.
"
فالأمالتي لم تودع بنيها بابتسامتها الى الزنازين لم تحبل ولم تلد".وانتم ايها الشبابوالصبايا، انتم يا اهلنا في غزة،
يا من رسمتم الوطن في الذاكرة، ويا من رفعتمالى اليد حجرا غاضبا، وعلما خافقا، يا من آمنتم بالكلمة الحرة الشريفة، وقلتم:ملعونة وخائنة هي الكلمة التي لا تصبح رصاصة تطلق في وجه اعداء الحياة. وشوكة فيطريق الحق هو القلم الذي لا يفرز كرامة.
انتم ايها الشباب والصبايا، يا أهلنا فيغزة وفي كل مكان من فلسطين و"كل مكان ينبت العز طيب" فلسطين بانتظاركم، ها هي قداغتسلت بالتحدي، وتطيبت بالصمود، وتعطرت بالاصرار، ها هي قد دفعت المهر غاليا: ارضاودماء وشهداء.
فهاتوا الحلم عسلا ولبانا ومرا، هاتوا الحلم وتعالوا لتشهد سويةزفة الشمس وعرس القمر. فهذه ثورة الغضب، ثورة الحجر، ثورة البشر، ثورة الشجر،
"
فكونوا يا شبابنا على الشفاه لحونا، امطرونا بطولة وشموخا، واغسلونا من قبحنااغسلونا".
ويمينا،
"
سنظل الى أبد الآباد، نتجدد يا وطن الاجداد"
فنحن وغزةوشعبنا كله والنصر وشمس الاحرار، على ميعاد، على ميعاد.