ثقافة الثأر

صفاء شاهين قرأها 241
  

ثقافة الثأر

صفاء شاهين

أن يتأثر الفرد برأي الغير أو ثقافة ألآخر ليس أمراً سلبياً بشكل مطلق، بل من الفطرة تأثير الناس على بعضهم وتأثرهم بغيرهم، ولكن القوي من يترك بصماته في حياة الآخر، والأمة الضعيفة دائماً تقلد غيرها، بينما القوية تجعل الآخرين يتبعونها.

فالمرء في حياته لابد أن يترك أثراً ينتفع به الناس، ولابد أن يكون فاعلاً وأن يكون له شأن مؤثر إيجابياً على الآخرين، وليس متأثراً سلبياً بالآخرين. فالحياة تفاعل وتأثير وتجديد وابتكار، وليس من الضروري أن يكون الابتكار اختراعاً أو المجيء بشيء غريب، ويكفي أن يكون المبتكر ذا أسلوب أو سلوك إيجابي يُعجب به الآخرين ويتأثر به الناس وينتفع به المجتمع.

ومن مآسينا التي نحاول الفكاك منها بشتى السبل ضعفُ ثقافة الكثيرين من أفراد مجتمعاتنا العربية إن لم يكن معظم أفرادها، وخضوعها واستمراؤها التبعية الثقافية، والركون إليها دون مقاومتها أو مواجهتها، ولاشك أن ذلك يؤثر تأثيراً مباشراً وملموساً على تربية النشء وعلى العقيدة، وعلى ذوبان الثقافة الأصلية المستمدة من تراثنا وحضارتنا العريقة. وليس أدل على ذلك من ضعف ثقافة البعض وهشاشتها أمام الغزو الثقافي الذي بات يتسلل إلى مجتمعاتنا وإلى بيوتنا دون استئذان عبر الفضائيات التي اقتحمت حتى الخصوصيات واستقرت في كل جزء من البيت، تلك الفضائيات التي يحمل الكثير منها غث العطاء، والقليل منها ما هو مفيد وإيجابي، فلننظر كيف اقتحمت تلك الفضائيات بيوتنا، واعتدت على أوقاتنا، وسرقت منا الأبصار والأسماع وخطفت انتباه الصغار والكبار. وياليتها خطفت الانتباه لما فيه خير للناس، أو لما هو مفيد علمياً وثقافياً لكان ذلك أهون وأخف وطأة. ولكنها في الغالب أمور سطحية وذات طابع سلبي وغير ذات جدوى لنا ولمجتمعنا.

وللأسف وجدت بعض الثقافات الوافدة طريقها إلى نفوس البعض وقلوبهم ووجدانهم، وهي مصحوبة بإغراءات سطحية ضعيفة تستغل الخواء الوجداني لدى الكثيرين، وفي غفلة من البعض واستهوان واستخفاف بالآثار المدمرة لهذه الهجمة الثقافية التي غزتنا في عقر دارنا، وهي بلا شك هجمة مدروسة بعناية وليست عشوائية، غرضها زعزعة ثقافتنا الراسخة، وخلخلة كيان مجتمعنا. وقد أعطت مفعولها وأثرت في الذين استجابوا لها وابتلعوا الطعم ووقعوا فريسة لها. ولا أحد منا ينكر مدى التأثير السلبي لبعض القنوات الفضائية على مجتمعاتنا من خلال ما تقدمه من مسلسلات وأفلام وخصوصاً على فئة الشباب، مما يؤكد هشاشة الثقافة لدى البعض ويدلل على وجود ثقافة التبعية. ولم يكن هذا يحدث في ظل وجود أساس متين للثقافة وفهم عميق لرسالة الإنسان في الحياة، وضرورة أن يكون المرء مؤثراً قوياً فاعلاً إيجابياً صامداً أمام المهددات الثقافية والفكرية وغيرها.

الواقع يشهد بوجود خلل في التركيبة الثقافية، ومازلنا في بر الأمان أو بالقرب من الشاطئ، ولم نبلغ بعد أعماق الضياع، فلابد من الالتفات إلى هذا الجانب وتقويم اعوجاجه قبل أن يقع الفأس في الرأس. ونحن لا ننكر أن لدينا ثقافة على قدر من المتانة يجعلها تصمد أمام أعتى الرياح والعواصف الفكرية، ولكن الاستهانة بالثقافات الوافدة والاستخفاف بآثارها السلبية يجعلنا نقع في الفخ بسهولة، وهذه هي الضريبة التي يدفعها الشخص الذي يستسلم للتبعية، بل يدفعها المجتمع الذي يكثر فيه التابعون غير المؤثرين، ولم يكن مجتمع بمعزل عن تلك الخسارة ما لم يكن أفراده أقوياء مبتكرين غير مقلدين ولا متبعين لغيرهم بغير علم ولا كتاب منير.