ندوة المهرجان المسرحي الرئيسية: (الدراما تورجيا)
بين غموض المصطلح وضبابيةالممارسة
خليل بيطار
بحثت ندوة المهرجان المسرحي الرابع عشر الرئيسية خلال ثلاثة أيام 14 إلى 16 /12/2008 مفهوم (الدراماتورجيا)، ودور الدراماتورج (الخبير المستشار) في تنفيذ العرض المسرحي، وحضر فعاليات الندوة عمداء معاهد مسرحية عالية عرب وأجانب، ومحاضرون ومخرجون مسرحيون ومعدّون وكتاب ونقاد وإعلاميون. وأدار جلساتها كلٌّ من: يوسف العاني و د. ماري إلياس و د. نهاد صليحة و د. عبد الإله فؤاد، و د. رياض عصمت و د. أكرم يوسف.
قدم د. نبيل حفار ورقة عمل الندوة، وأشار فيها إلى اكتمال مفهوم (الدراماتورج) في القرن العشرين، وتطوره حالياً بظهور أساليب جديدة في المضمون والإخراج، تلبية لذائقة جمهور شاب متلهف للجديد، ودعا إلى تعاون عربي بين كتاب المسرح والمخرجين لاقتناص أفكار جديدة وبناء شبكات اتصال، وتقوية الجانب العملي في التعليم المسرحي، وتعديل الذهنية (الدراماتورجية).
ورأت د. ماري إلياس و د. جواد الأسدي أن هناك تشوشاً في مفهوم الدراماتورجيا، وهناك صعوبة في ضبطه، بسبب تنوع وظائف ممارس المسرح، فالدراماتورج صاحب رؤية وتحليل بحسب د. إلياس، وهو مساحة مفتوحة تسمح بمشاكسات خطيرة برأي الأسدي.
ورأى جيرار أستور من فرنسا أن الدراماتورجيا استعارة يبنيها الفنان ويواصلها المتفرج، وركز على أهمية الشخصية المسرحية، وعلى الحاجة إلى تهيئة جمهور المسرح لتلقي أبعاد الشخصية ورغباتها، لأنه من غير الممكن اختزال العالم برؤية واحدة.
ورأت د. ماري إلياس أن وظائف (الدراماتورج) تنوعت مع تطور المسرح وفنونه، والمفهوم مرتبط بعلمي الجمال والعلامات، أي كيف أعبر عن الفكرة وأقرؤها فنياً، والدراماتورج عارف بالمشروع المسرحي، والمخرج مهتم بعرض وجهة نظره الخاصة والناقد عارف بالفن والتلقي وقادر على الدفاع عن وجهة نظره.
ورأى المخرج د. جواد الأسدي من العراق أن المفهوم يصعب ضبطه، وأكد أن شطحات المخرج تمنح الدراماتورجيا معاني جديدة.
ورأى د. عبد الحليم المسعودي من تونس أن الدراماتورجيا التي بدأت مع بريشت أفضت إلى ميلاد سلطة المخرج المؤلف، وأسست ما يسميه الناقد برنادورت العقلية الدراماتورجية التي تنظر للمسرح بطريقة مغايرة أكثر توهجاً وحياة. وذكر المسعودي ثلاثة عناصر للمسرح المناوئ إلى المسرح هي:
أن تعمد الدراماتورجيا إلى عرض الصورة ثم تبديدها أو إضعافها، والتفكيك الدائم للعمل المسرحي بصرياً ولفظياً، وإضمار صدم المتلقي واستفزازه المباشر أثناء العرض باعتباره جزءاً لا يتجزأ منه.
وقدم د. حسن المينعي من المغرب عرضاً لتطور التجارب المسرحية الجديدة، كالتعبيرية الألمانية ومسرح المحطة في فرنسا، وتحطيم الأجناس وظهور أشكال مثل مسرح العبث ومسرح المبادرة ومسرح بلوتارسكي الروسي والفرق المسرحية الأمريكية مثل فرقة (خبز ودماء).
وتناول المحور الثاني للندوة علاقة الدراما تورج بالترجمة، وذكرت د. عبلة الرويني من مصر أن المخرج يمارس وظيفة الدراماتورج في مصر وهو يمارس سلطة أكثر من فتح فضاءات وحوارات لم نتمرن عليها. ورأت أن الممارسة الدراماتورجية في مصر فردية وعشوائية.
وذكر د. نبيل حفار أنه اكتشف فواجع في بعض الترجمات التي لا علاقة لها بالمسرح، وعدد من المسرحيات المترجمة في المعاهد لم يقدم على المسرح، ورأى أن الترجمة ليست نقلاً من لغة إلى لغة بل من ثقافة وروح إلى مثلهما.
وتحدث د. عادل قره شول. عن تجربة تقديم مسرحية ونوس (مغامرة رأس المملوك جابر) في لايبزيغ وعمله مع المخرج كدراماتورج، وبين أن مهمة الدراماتورج أن يعرف لمن يريد أن يقدم نصه.
ورأت د. نهاد صليحة من مصر أن الترجمة شمعة، وقدمت نموذجاً للمترجم الدراماتورجي. الملمِّ بلغتي الترجمة وفنون المسرح من حيث تلاؤم الجمل والحروف للأداء السليم، فالدراماتورج جسر وسيط يربط بين أطراف العملية المسرحية ويقف على حافة الأشياء كلها. وهو حلقة وصل بين الفكر المسرحي والفن.
ولفتت منحة البطراوي من مصر إلى أن الترجمة سابقة لعمل الدراماتورج، والأساس أن تجري الترجمة عن الأصل قبل الإشارة إلى الأمانة أو الخيانة. ويمكن أن يكون الدراماتورج هو المترجم والمقتبس والمعد والمخرج، ولا بد أن يعرف المترجم سياق كتابة النص وواقع الموسيقا والفن التشكيلي في زمن كتابته.
ورأت عزة القصابي من سلطنة عمان أننا نبحث في التخصص ضمن التخصص كما هو الحال في الدول المتقدمة، وعمل الدراما تورج حاضر في العرض المسرحي عندنا لكنه غير موجود كتخصص علمي.
وعالج المحور الثالث للندوة علاقة الدراماتورج بالتعليم المسرحي، وعرض د. محمد المديوني من تونس تجربة المعهد العالي المسرحي هناك، واقترح إلغاء الدراسات التلقينية وتعزيز الجوانب العملية وإدخال قضايا تربط الدارس بتاريخ المسرح، وتحليل العروض منهجياً وجمالياً وإشراك الطالب في ورشات المشاريع.
ورأى د. يونس وليدي من المغرب أن الدراماتورج يضيء النص بصرياً، وقدم تطبيقاً تعليمياً حول إخراج نص (رسالة الغفران) للمعري، رغم صعوبة مقاربة المقدس.
وتناولت محاور الندوة الأخرى علاقة الدراماتورج بالسينوغرافيا والإخراج والنقد، ولم يناقش محور الدراماتورج ومسرح الطفل لضيق الوقت، وتكاملت شهادات المشاركين مع مداخلات المحاضرين كما أغنت المناقشات محاور الندوة.
ورأى فرانس راوتيس من ألمانيا الذي قدم ورشة عمل في المعهد العالي المسرحي بدمشق أن على الدراماتورج أن يتمتع بالصبر والرؤية الفلسفية، وأن يفسح في المجال للجمهور كي يكون جزءاً من تفسير النص.
وتحدث مخرجون وممثلون عن تجاربهم، من بينهم د. رياض عصمت وجيانا عيد وسامي عبد الحميد وعثمان جمال الدين، وأغنوا محاور الندوة بآرائهم، وطرحوا تساؤلات غير التي طرحها سوفوكل وشكسبير.
ووافق المشاركون في الندوة على بيان تضامني مع أهالي غزة ودعوا إلى فك الحصار عن القطاع.
كما أعلن د. أكرم يوسف عن تشكيل لجنة تأسيسية لمركز أبحاث ودراسات مسرحية، تضم في عضويتها عدداً من الباحثين من معظم البلدان العربية.
لقد أضاءت الندوة معظم جوانب العملية المسرحية، وكانت مناسبة لتفاعل الخبرات والثقافات والرؤى، وألقى المشاركون فيها وعلى هامشها ملاحظات نقدية متخصصة على العروض الكثيرة التي قدمت على مسارح القباني والحمراء ودار الأسد والمعهد العالي وملجأ القزازين والمركز الثقافي الفرنسي.
وكان مفيداً توزيع المحاضرات مطبوعة على المشاركين بالندوة، والإفساح في المجال للمهتمين والإعلاميين بطرح الأسئلة أو تقديم بعض الانطباعات.
وأعتقد أن فعاليات الندوة الرئيسية ومناقشاتها الصريحة منحت المشتغلين بالمسرح عندنا فسحة أرحب للنظر والإصغاء للآراء الخبيرة، وللعمل الجماعي الذي لا ينجح أي عمل إبداعي دونه.