كتاب مكلف جداً - قصة قصيرة

د. زارا ابراهيم قرأها 565
 

كتاب مكلف جداً

د. زارا ابراهيم

بعد أن تناول فطوره، خرج أبو أحمد من منزله مثقلاً بهمومه الكثيرة، متجها إلى مركز عمله اليومي، وهو المهندس القديم الذي أمضى أكثر من سبعة عشرة عاماً في منصبه الإداري حتى أصبح جزءاً من أثاثات غرفته التي بدت كصور من (الماضي)، من أزمنة عرفت الأبيض والأسود فقط. أزقة المدينة وشوارعها التي اعتاد المرور عبرها كانت تعرف هذا الشخص جيداً من خلال مسيرة روتينه اليومي. في هذا اليوم بالذات بدا غير مكترث، انتابه شعور غريب أفقده حسه بالمحيط الخارجي وبدأ يسرع الخطى، تفكيره حجب عنه حتى رؤية المارة من الناس، بل كان بمقدوره السير وهو مغمض العينين في شوارع حفظته عن ظهر قلب.

وصل إلى دائرة عمله، استقبله مراقب سجل الدوام بذلك الدفتر الضخم، وضع توقيعه أمام اسمه في سجل الدوام بحركة روبوتية، فجأة لمح على طاولة الموظف كتاباً باللغة الانكليزية حينها تذكر بأن عليه المرور بمستودع الكتب المدرسية ليشتري المقرر الجديد للغة الانكليزية لابنته (نسرين) بعد أن يئست من تأمينه عن طريق المدرسة. دخل الغرفة محيياً زملاءه الموظفين ثم استأذنهم بسرعة مطلقاً ساقيه للريح باتجاه المستودع. قدماه كانت تحمله بخفة نحو مركز الكتب، في قرارة نفسه تمنى أن يكون الموظف موجوداً هناك لأنه اعتاد على غيابه المتكرر أو الإقفال المؤقت بحجة تحميل الكتب الواردة إلى المستودع وأحياناً أخرى بحجة الجرد. تنفس أبو أحمد الصعداء بعد أن رأى باب المستودع مفتوحاً، فرح أكثر عندما وجد الموظف منهمكا بترتيب أكداس الكتب المكومة التي أنزلت تواً من سيارة الشحن.

حيا الرجل وطلب منه الكتاب المطلوب ثم ناوله ورقة نقدية من فئة الخمسمائة ليرة وقال:

- وأخيراً سوف تسعد ابنتي بكتابها الجديد.

- أخي، ألا يوجد لديك الثمن المطلوب؟ فقط مئة وخمسة وعشرون ليرة، لا يوجد لدي "فكة" لهذه الورقة النقدية.

-والله ما عندي لقد نفض الأولاد وأمهم جيوبي قبل أن أعبر عتبة الباب، أنت تعرف الحال.

- ابحث في الجوار، لا أستطيع أن أخدمك.

انتاب الحماس أبا أحمد بعد أن تأكد من الحصول على ضالته المنشودة فغدا فرحاً لدى مبادرته المارة بطلب الفكة، لكن أحداً لم يستجب لطلبه، عرج نحو الطرف الآخر من الشارع فلمح بائع الفواكه واقفاً أمام دكانه. قرر هذه المرة عدم السؤال عن الفكة خاصة عندما وقعت نظرته الغريزية على صندوق الرمان المصفوف مع بقية الفواكه الأخرى، وهو بطبعه من محبي هذه الفاكهة لكن راتبه الشهري عادة لا يسعفه لشراء ما تشتهيه نفسه وأولاده، خاصة في النصف الأخير من الشهر فيصبر صبر أيوب لحين استلام راتبه بداية الشهر، هذه المحدودية في الإمكانات المادية طبعت ألوانها على نمط حياته الاجتماعية بكل مفاصلها. والشيء الآخر الذي شجعه على الشراء كان مرضه وشكواه الدائم من معدته، وحسب معلوماته الطبية عن الرمان، أنها مفيدة جداً للمعدة، إضافة إلى ذلك سوف يدخل السرور إلى قلوب أسرته فتحمس أكثر.

- مرحبا يا أخي، أريد كيلوين من هذا الرمان.

أشار بيده نحوها. سلمه البائع كيس الرمان، وهو بدوره ناوله الورقة النقدية، أعاد له البائع بقية المبلغ. وضعها في جيبه، لكنه انتبه إلى خلوه من الفئات النقدية الصغيرة اللازمة لدفع ثمن الكتاب، فطلب من الرجل استبدال ورقة نقدية بأخرى حديدية من فئة العشرة أو الخمسة وعشرين. اعتذر منه الرجل لعدم توفر الحديد لديه. لكن أبو أحمد ألحّ في رجائه بسبب حاجته الماسة لها، لكن دون فائدة. حتى شراء الرمان لم يفده لتلبية حاجته. مضى في طريقه علّه يجد شيئاً، شاهد سيارة أجرة واقفة بانتظار الركاب، هرع صوب السائق طلباً لفكّ ورقة من فئة الخمسين ليرة فقط وكان واثقاً بأنه لن يرد خائباً.

- هذا هو لحظة وصولي إلى الموقف، والله لم استفتح بعد، إسأل أصحاب الدكاكين يا أخي.

ندب أبو أحمد حظه التعس وبدأ يفقد صبره وتوازنه وشعر بتسارع نبضات قلبه ونفسه الزائد وانتابه دوار خفيف، لكنه تدارك الموقف وانطلق باتجاه دكان مفتوح وجد نفسه أمامها. كان الصبي ينظف أرضية الدكان، توقف عندما بدا الرجل أمامه مسرعاً.

-       أهلا يا عم تفضل

-       أريد علبة دخان وكبريت من فضلك.

فتح أبو أحمد علبة الدخان مباشرة، أشعل سيجارته الأولى بعد هجران دام أكثر من سنتين عله يريح من أعصابه قليلاً، ناول الصبي ورقة من فئة المائة. اعتذر الصبي بسبب درجه المقفل وبأنه لا يستطيع رد تكملة المبلغ له إلى أن يعود المالك وما عليه سوى الانتظار أو الشراء ببقية المبلغ.

بدأت أنفاس الدخان تتسارع وتخرج مثل مداخن البيوت القديمة من الفم والأنف سوية، لم يحص أبو أحمد عدد السجائر التي احترقت في تلك الفترة القصيرة من الانتظار، بدأ يفقد صبر الانتظار فطلب من الصبي أعطائه أي شيء بالمبلغ المتبقي وغادره مسرعاً إلى المستودع. دخل الغرفة، وجد الرجل على حالته في صراع مع النقل والترتيب.

- ها.. هل جئت بالمبلغ المطلوب؟

- أعطني الكتاب لو سمحت وخذ المبلغ .... المهم خلصني.

- لكن هذا زيادة عن ثمن الكتاب.

- الله يسامحك بالباقي، لا أستطيع الانتظار أكثر.

وضع أمين المستودع المبلغ في درجه وسلم أبو أحمد الكتاب الذي خرج بلمح البصر. أما صاحبنا الأمين فعاد وفتح درجه من جديد وابتسم بمكر من تحت شواربه عندما لمحت عيناه العلبة المليئة بعشرات الليرات ومن فئة الخمسة وعشرين وكذلك مثلها من فئة الخمسات. أما أبو أحمد فقد كان يومه منحوساً وسيئاً قضاها بكآبة في مكتبه طيلة فترة الدوام، أحيانا كان يغمض عينيه باحثاً عن وميض أمل لدى عودته إلى البيت واستقبال ابنته نسرين والمنظر الرائع لحبات الرمان اللذيذة واجتماع أفراد الأسرة حوله، لكنه استفاق فجأة من سباته وتأملاته عندما تلمس علبة الدخان في جيبه وبدأ يندب حظه من جديد.

zarabro@hotmail.com