حقوق الإنسان على قدم واحدة

عطية مسوح قرأها 1,411
  

حقوق الإنسان على قدم واحدة

عطية مسوح

بعد ستين عاماً من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحقّ للناس في كل أرجاء الأرض أن يتساءلوا: هل حالُ حقوق الإنسان اليوم أفضل مما كانت عليه منذ ستين عاماً؟

صدر ذلك الإعلان في العاشر من كانون الأول عام 1948 أي بُعيد انتهاء أكبر حرب في التاريخ، الحرب التي كان ضحيتها عشرات ملايين القتلى وأكثر من مئة مليون من المشوّهين والجرحى، والتي أحدثت دماراً في البنى التحتية والمنشآت العمرانية يفوق مجموع ما حدث في عدة قرون سابقة، إضافة إلى الانتهاك الكبير لحقوق الإنسان، الذي مارسته الدول المتحاربة. ففي ظروف الحرب، أية حرب كانت، تنمو لدى الحكومات نزعة التضييق على حرية الناس بحجة قد يكون فيها بعض الصواب لكن فيها الكثير من الخطأ، وقد يجد دعاتها العديد من الذرائع لكن أضرارها أكبر بكثير من فوائدها. تلك الحجة هي وجود خطر خارجي وحالة حرب استثنائية وصعوبات مادية، مما يقتضي التضييقَ على الحريات وضبطَ كل شيء.

إن صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان حلقة من حلقات السعي لإعادة الحياة البشرية إلى طبيعتها بعد انتهاء الحرب، وخطوة متقدمة في مجال التشريع على المستوى العالمي. وقد أحدث مناخاً إيجابياً استفاد منه المناضلون من أجل الديمقراطية والحرية في كل أنحاء العالم، وغدت مفرداته وبنوده كالآيات يرددها ويتغنى بها السياسيون والمفكرون والزعماء والمناضلون، ويزعمون كلهم أنهم ينطلقون منها ويستلهمونها في رسم سياساتهم وتحديد أهدافهم.

وبطبيعة الحال فإن ذلك لا بد أن يترك بعض الآثار الإيجابية على الواقع. وهي آثار تتفاوت من مكان إلى آخر، فثمة مجتمعات لم تتسرب إليها بعدُ نسمات ذلك الإعلان، ولا يعترف فيها للإنسان بحقوق سياسية أو اقتصادية إلا بالحدود الدنيا، ومجتمعات قطعت شوطاً مهماً في رعاية بعض تلك الحقوق، لكنها لم تصل إلى درجة التطبيق الفعلي لمحتوى ذلك الإعلان الإنساني، وإن ادّعى الحاكمون فيها غير ذلك. وأعني بهذه المجتمعات تلك التي بلغت مستوى عالياً من التقدم الصناعي والعلمي والحضاري، وتمارس فيها الديمقراطية السياسية على نحو فعال.

ولعلنا لا نحتاج إلى كثير من الأمثلة والبراهين، فإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد ما تعارف الناس ـ منذ قرون ـ على تسميته بالحقوق الطبيعية، وعلى رأسها الحق في الحياة، فإن حياة الإنسان في كثير من المجتمعات المتطورة مهددة بالخطر، وذلك من خلال العوامل المؤدية إلى انتشار الجريمة وتوليد المجرمين، وأهمها عامل البطالة والفقر. وكثيراً ما يشير الباحثون الاجتماعيون إلى تفاقم ظاهرة الجريمة المنظمة (المافيات) في عدد من البلدان المتطورة، كما أن ثمة جهات ومافيات ومنظمات ترعى إنتاج المخدرات وتنظم توزيعها ونشرها، ومعروف ما يولده ذلك من جرائم متنوعة.

ولعل ما ذكرناه، وما هو واضح في الدول والمجتمعات الأقل تطوراً أو ما نسميه بالمجتمعات المتخلّفة، وما يعانيه إنسان هذه الدول والمجتمعات من قمع سياسي وتطاول على حقوقه المختلفة، وما يشهده العالم من حروب تصطنعها الدول الإمبريالية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية تُزهق فيها الأرواح وتُلغى الحقوق، لعل ذلك كله يجعل السؤال الذي بدأنا به سؤالاً مشروعاً.

لكن السؤال عن حال حقوق الإنسان سيستولد إجابات تختلف باختلاف وجهة نظر من يجيب ومصالحه وتطلعاته، لذلك نجد ضرورة أن نستتبع هذا السؤال، أو نرفقه بسؤال آخر: ما هي حقوق الإنسان وكيف يمكن الوصول إلى حال أفضل في مجال تطبيقها وحمايتها؟

ثمة ثلاث مدارس في النظر إلى حقوق الإنسان في عصرنا:

المدرسة الأولى، تلك التي تولي الأهمية القصوى للحقوق السياسية، بل تكاد تقصر حقوق الإنسان عليها. كحق الإنسان في التفكير والتعبير عن رأيه، وحقه في أن يتميز، وحقوق الجماعات في تكوين الأحزاب، والنشاط السياسي الحر وفق دساتير تصون الحريات وتنظمها، وحرية الصحافة، والحق في نقد المسؤولين وتفنيد مواقفهم وسياساتهم وغير ذلك. إضافة إلى الحرية الدينية وحق الجماعات الدينية في ممارسة طقوسها، وحق الفرد في أن يكون مؤمناً أو ملحداً، وإضافة أيضاً إلى أساس الحقوق وأولها وهو الحق في الحياة.

لكن هذه المدرسة تغفل ما يسمى بالحقوق الاقتصادية للإنسان، كحقه في العمل والحصول على أجور مجزية تكفل له ولأسرته حياة لائقة، وحق أبناء الفقراء في الحصول على فرص التعليم المساوية (أو القريبة على الأقل) لفرص أبناء الأغنياء، وحقه في رعاية شيخوخته، وضمان صحته، وغير ذلك.

لذلك يرى أصحاب المدرسة الثانية، أن هذه الحقوق هي الأصل، وهي الأشد اتصالاً بالحق الأول وهو حق الحياة، ويرون أن الحقوق السياسية التي يركّز عليها أصحاب المدرسة الأولى هي شائهة وزائفة لأنها لا توفر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولأنها تقترن ـ في ظل النظام الرأسمالي ـ بالتفاوت الطبقي والاستغلال والظلم الاجتماعي.

وليس الاختلاف بين المدرستين مجرد اختلاف في وجهات النظر أو الرؤى الفلسفية والفكرية، بل إنه في حقيقته تعبير عن مصالح متفاوتة متضاربة. لكن الانطلاق من تضارب المصالح والانسياق مع مقتضياتها والنظر إليها نظرة قريبة ضيقة دون التطلع إلى الجوهر الإنساني والغاية البعيدة التي اجتهد من أجلها المفكرون والفلاسفة ذوو النزوع الإنساني، وهي حرية الإنسان وسعادته، أدت إلى اندفاع أصحاب المدرسة الأولى في تقديم الجانب السياسي من حقوق الإنسان واستصغار بل إهمال الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وإلى اندفاع أصحاب المدرسة الثانية في اتجاه معاكس، يقصر الحقوق على جانبها الاقتصادي والاجتماعي، ويهمل الجانب السياسي.

ولم يخرج العالم عملياً، على امتداد القرون الأخيرة ومن ضمنها السنوات الستون التي أعقبت صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عن هذين النهجين في النظر إلى حقوق الإنسان.

لذلك، سيجد الباحث أن ما كان سائداً من أنظمة سياسية واقتصادية ـ اجتماعية في القرن العشرين، لم تكن جادة في هذه المسألة، بل كانت تخضعها لما هو أضيق مما تقتضيه إنسانية الإنسان وتتضمنه الشرائع والمناهج الإنسانية ومنها الإعلان العالمي ذاته.

وإذا انطلقنا من أن الأصل في الحقوق هو ما عرف بالحقوق الطبيعية، أي التي تتصل بالإنسان لمجرد كونه إنساناً، وفي مقدمتها حق الحياة، وما يتفرع منه، وإذا أخذنا بالحسبان ما أضافه التقدم الحضاري والثقافي وتجربة الإنسان ذاتها من حقوق، فإننا ندرك أهمية الربط المحكم بين الحقوق السياسية والحقوق الاجتماعية، أي بين العدالة السياسية والعدالة الاجتماعية، بل لعلنا ندرك أن الفصل بينهما على النحو الذي عرفته تجارب القرن العشرين وأنظمته الرأسمالية والاشتراكية، كان وبالاً على جانبي العدالة المذكورين. فحقوق الإنسان السياسية لا تكتمل، بل لا تتحقق فعلياً في ظل التفاوت الطبقي الكبير السائد في الأنظمة الرأسمالية، ولا صحة للحديث عن تساوي الفرص في الترشيح والانتخاب والممارسة الإعلامية وحق التعبير عن الذات والرأي، إذا كان ثمة من يستطيع ـ بأمواله ـ التحكم بالمؤسسات الإعلامية والإعلانية، وصرف الأموال الطائلة لترويج ذاته وبرامجه. وبرغم الكثير من إيجابيات التجربة الديمقراطية في الغرب الرأسمالي، وبرغم تطلع الوطنيين والديمقراطيين في المجتمعات المتخلفة إلى هذه الإيجابيات وسعيهم إلى استلهامها في الحياة السياسية لبلدانهم، فإن هذه الديمقراطية تقف على قدم واحدة، وتظل عرجاء شوهاء لإغفالها العدالة الاجتماعية. وبالمقابل، فإن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، ستكون ناقصة وغير ثابتة إذا لم تنطلق من قاعدة تأمين الحقوق السياسية. تكون ناقصة لأنها تقتصر على جانب دون آخر، أي إنها في المحصلة نصف حقوق الإنسان، وغير ثابتة لأن نخبة من الحاكمين والمتنفذين، سواء منهم من كانوا مناضلين قبل أن يصلوا إلى الحكم، أو من يتسلقون سلم القيادة والإدارة متسلحين بالشعارات، سيحوّلون مواقعهم إلى مصادر للتميز والغنى. وهذا يعني أن كل المنجزات التي تقدم تحت شعار العدالة الاجتماعية ستكون معرضة للتشويه والتفريغ من محتواها الشعبي والإنساني، في ظل غياب المعارضة التي تنتقد وتدقق، والإعلام الحر الذي يكشف الفساد والانحراف والالتفاف على القانون.

من هنا، أشار الكثيرون إلى أن أفضل مناخ للنضال من أجل العدالة الاجتماعية هو مناخ الديمقراطية السياسية. وهذا ما يؤكد ارتباط جانبي حقوق الإنسان ارتباطاً بنيوياً وتكوينياً، فلا مجال لتحقيق حقوقه السياسية (المواطنة والتساوي أمام القانون) دون حقوقه الاقتصادية والاجتماعية (الحق في العمل والتعلُّم والطبابة.. وغيرها) ولا مجال لتحقيق العدالة الاجتماعية والمحافظة عليها دون الانطلاق من الحقوق السياسية وثوابت الديمقراطية الحديثة.

هذا على صعيد حقوق الإنسان على المستوى الأنظمة السياسية والعلاقات الاجتماعية. لكننا سنجد الحال أشد مرارة إذا نظرنا إلى هذه الحقوق على مستوى العلاقات الدولية. فثمة انتهاك لحقوق الشعوب لم يعرف التاريخ أكثر منه فظاعة، يتجلى بالدرجة الأولى في السياسة العدوانية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية، ويروح ضحية لها مئات الألوف في العديد من بلدان العالم، كما يتجلى في ممارسات إسرائيل ضد شعب فلسطين، وغير ذلك من صور الانتهاك. وبدلاً من أن تهتم الدول المتقدمة والغنية بمساعدة الشعوب التي تعاني انتشار المجاعات والأوبئة، نجدها لا تسعى إلا إلى مزيد من النهب، وهو ما يزيد مشكلات الشعوب تفاقماً.

كل ذلك يجري تحت شعارات إنسانية، وفي ظل تشريعات ذات محتويات وأهداف إنسانية، ومنها إعلان حقوق الإنسان.

ألا نستطيع، مع كل هذا الذي نراه ونسمعه أن نقول إنه لا بد من برنامج جديد لحقوق الإنسان يستند إلى كل ما أنجزته البشرية في هذا المجال، ويؤكد ثوابت الديمقراطية السياسية، ويصل إلى الجمع بين العدل والحرية، أو بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، ويمكّن الشعوب من الحصول على حقوقها، ومن النضال لوضع حد لتطاول القوى المضادة لهذه الحقوق؟

وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يزال على درجة عالية من الصوابية، وإذا كانت الأمم المتحدة غير مؤهلة لمثل هذا الذي نطلبه، فإن القوى التقدمية والديمقراطية في كل المجتمعات والدول هي المؤهلة لوضع مثل هذا البرنامج والنضال من أجله. وهي مسألة نضالية مستمرة لا نهاية لها.