لم يعد غريباً على الرقة ومديرية الثقافة فيها احتضان مهرجان عربي للرواية يشارك فيه أدباء ونقاد ومثقفون وإعلاميون من مختلف الأقطار العربية، وحتى من دول الجوار مثل تركيا.
فقد سبق لهذه المدينة أن استضافت ثلاثة مهرجانات: أولها للمسرح, وثانيها للشعر, وثالثها للفن التشكيلي خلال سنة واحدة! وذلك بالتعاون بين جهات رسمية وأهلية, وهو ما لم يتحقّق في أية مدينة سواها حتى الآن.
ويعدّ مهرجان الرواية في دورته الرابعة الذي امتد على تسع جلسات وأربعة أيام (25 كانون الأول 2008) نقلة نوعية عبر توسيع دائرة المدعوين التي شملت كلا من مصر واليمن والمغرب والجزائر والعراق والكويت والأردن وتركيا, والبعثات الإعلامية الممثّلة بالفضائية السورية، والدنيا, والرأي, والنيل الثقافية, والرافدين. وعبر تكريم اثنين من الروائيين البارزين وهما خيري الذهبي وبهاء طاهر الفائز بجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى عن روايته (واحة الغروب), إلى جانب الشهادات الخاصة لعدد من الكتاب عن تجربتهم الروائية، والدراسات والمداخلات التي قدّمت وتناولت تجربة عبد السلام العجيلي, ونبيل سليمان, وعلي المقري, وأحلام مستغانمي, وغادة السمّان, ونوال السعداوي, وإسماعيل فهد إسماعيل, وعبد الرحمن منيف, وفواز حداد, ونهاد سيريس.
وسلّطت الضوء على الرواية في مصر وسورية واليمن والعراق والأردن من خلال دراسات نظرية معمّقة تناولت رواية السجن, وجماليات العنونة, وجماليات المكان, وجماليات الشخصيّة الروائية.
ـ شهادات في العجيلي وأدبه:
أشار نيروز مالك في شهادته إلى التصنيف الجائر الذي وضع العجيلي في خانة الأدب الرجعي, في الوقت الذي يصب فيه كل ما كتبه في خدمة الإنسان والارتقاء بوعيه وفكره, فقد لمس فيه كاتباً تقدمياً لا يقل شأناً عن بقية الكتّاب الذين صنفوا تحت خانة (التقدمي). وتساءل: كيف يمكن لكاتب أن يكون رجعياً إن كان يحض في نتاجه الإبداعي على فضح المظالم والوقوف إلى جانب بسطاء الناس؟ كيف يمكن لكاتب أن يكون رجعياً حين يدافع عن الإنسان البدوي البائس المهمش في المدن الصغيرة أو القرى المتناثرة على أطراف الأرض العارية؟
أما عبد الستار ناصر فقد أكد أن المناصب التي تبوأها العجيلي لم تكن إلا قبض ريح، فيما بقي أدبه خالداً وشاهداً على عصره, وتساءل: ماذا بقي من العجيلي؟ ثم أجاب: لم يبق في الذاكرة غير المبدع، القاص، الروائي، الأديب. وأظنه لو كان حياً حتى اليوم لقال: إنه نادم على نصف العمر الذي مضى في حومة السياسة، وإن كتابة قصة قصيرة أو رواية واحدة أفضل بكثير من الجلوس على دكة النواب وكرسي الوزارة.
وبيّنت فوزية المرعي في شهادتها الأوجه المتعدّدة في إبداع العجيلي وشخصيته, راصدة انعكاس المعرفة الاستشرافية في أدبه, قائلة: لابـد من الإقرار أنّ العجيلي كاتب مبدع موسوعي المعرفـة, واسع الإطلاع, كثير الأسفار, متعدد الثقافات, متمرس التجـارب, بانورامي الرؤى. وتتضافر هذه العناوين رغم بساطة أسلوبه لتضعه في قالب الإبداع الإشكالي فهو:غزالي الشكديكارتي اليقينباسكالي الرؤية أشعري التفسير.
وأوضح محمد عبد الحميد الحمد الأسباب التي جعلت العجيلي ابن بيئته، ورأى أنها تكمن في إرثه البيولوجي والأسري والمدرسي, وفي المحيط المجتمعي أيضاً. ثم تحدث عن ولادته وأسرته، ثم حارته التي تسمى (السبع دربات)، وعن العديد من الشخصيات الطريفة التي كانت قريبة من العجيلي وأثرت فيه وساهمت في تكوينه.
وتحدث صبحي الدسوقي عن العلاقة التي ربطته بالعجيلي, وما اتصف به من علم ومعرفة واسعة وتواضع جم، مبيناً أن عظمة العجيلي تتبدى في بساطته في التصرف والتعامل مع الناس, وفي العلاقات الاجتماعية الإنسانية الطابع، وفي أدبه الذي يمتاز بالغزارة والتنوع والتفرد.
ـ شهادات إبداعية:
الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد: مضى عليّ الآن أكثر من ربع قرن في القاهرة ولم أكتب عنها غير بضع قصص قصيرة ومشاهد متفرقة في رواية أو أكثر. لقد عشت في الإسكندرية ربع القرن الأول من حياتي، وكتبت عنها أكثر من سبع روايات حتى الآن. السنون الأولى بالتأكيد تظل تثير الدهشة رغم أنني عشت في القاهرة سنوات الأسئلة الصعبة، سنوات التحول الاجتماعي والسياسي العنيف في السبعينيات، لقد كتبت عن ذلك لكن بروح إسكندري. بألم عميق وحزن جليل وتوتر لا ينتهي. هكذا بنيت معمار رواياتي وموضوعاتها.
وجاء في شهادة الكاتب والناقد المصري سيد الوكيل أن لديه مفهوماً شخصياً عن الشهادة الأدبية، فهي استقراء الذات المبدعة، وليست دراسة التجربة، والذات المبدعة هي كائن مراوغ، ومحاولات كتابتها لا تكتمل، ولن تكتمل أبداً.
وأشار إلى أن الصورة هي طفولة الإنسان القديم، وهي الآن سائدة، فالعالم يرشقنا بالصور من الفضائيات والأقمار الصناعية، ومشاهد الحروب والتمردات، والرواية كانت مرآة سحرية تجسدها الصور، وقد وقع في غواية مرآته السحرية، فتمنى أن يرى أرضاً وبلاداً وأحلاماً تتحقق.
أما مكاوي سعيد صاحب رواية: (تغريدة البجعة)، التي اختيرت ضمن القائمة القصيرة للبوكر العربية في دورتها الأولى, فقد قدم شهادة مختلفة لم تتناول أعماله، ولا كيف كتبها، واكتفى بالقول بأنه كتب القصة القصيرة والرواية والشعر. ثم تحدث عن المجتمع وتطوره، وأسباب الاهتمام المتزايد بالرواية وترجمة مختارات منها إلى اللغات الأجنبية، ورأى في ذلك ظاهرة إيجابية تؤكد التواصل الإنساني الذي سيتعمق بين الشعوب حين تتم الترجمة بشكل متكامل ودقيق. وأضاف علينا أن نخجل لأن مستوى التعليم والقراءة لدينا في حالة سيئة، وتوزيع الكتاب في أدنى مستوى له.
وتحدث غازي حسين العلي في شهادته المعنونة بـ (الرواية وتنضيد الواقع) مشيراً إلى أن روايته الأولى: (حمود مستدير القامة) كانت في العام1985، وقد اعتقد منذ ذلك الحين بأنه لا جدوى من الكتابة لأن الناس لا يقرؤون.
وبعد مضي عقد أو يزيد كتب روايتين الأولى: (صخب الأرصفة)، والثانية )حديقة الرمل)، وهذه الأخيرة صدرت في العام 2005. ووصل من خلال التجربتين إلى أن الرواية القصيرة يمكن أن تكون أقرب إلى الذائقة المعاصرة، وأن الاهتمام بالهامشي أولى من الاهتمام بالقضايا الكبرى.
وتحدث الشاعر والروائي اليمني علي المقري عن (الأخدام) أو (الخدم)، وهم الفئة أو الشريحة الاجتماعية التي تناولها الأديب في روايته (طعم أسود.. رائحة سوداء) التي اختيرت ضمن القائمة الطويلة للبوكر العربية، وهم فئة اجتماعية منبوذة، ويعيشون أصلاً في تجمعات معزولة، لا يحصلون على أقل الحقوق, وهم عصيون على النظافة، ووضعهم هذا يجعلهم متمردين على القيم الأخلاقية والجنسية. وتساءل: كيف يمكن أن يقترب جنس أدبي من هذه الفئة ويرصد وضعهم ويتناول مشكلتهم ويعالج همومهم؟ وأجاب بأنه لم يهتم في البداية بنوع الكتابة، فقد كان المهم أن يكون للكتاب إيقاعه الخاص، لذلك تتبع تاريخ الزنوج وقارنه مع تاريخ (الأخدام). وكان من الصعب أن يطوّع ما كتبه لبعض الأنماط السردية، ففي السرد كما في الشعر هناك عمود آخر هو عمود الرواية، وقد وجد أن الكتاب يشبهه ولا يشبه عالم الأخدام، فأعاد كتابة الكتاب معتمداً على مرجعيتين في السرد: الأول أسلوب الحوليات في الكتابة العربية، والثاني أسلوب السرد الحديث، وتساءل: هل أفلحت؟ هل اقتربت من عالمهم؟ ثم أجاب: لا أعرف، لكنني أعرف أنني حاولت. القاص والباحث محمد رشيد الرويلي، تحدث في شهادته عن مجموعاته القصصية الست ورواياته الثلاث، ورأى أن أعماله المتواضعة كانت نتاج تجربة وعلاقة حميمة بمن علّموه وأفاد منهم، مثل الشيخ الضرير في قريته، والحلاق الذي كان يستعير منه الكتب.وأشار إلى صلته بالعجيلي وعدد من أبناء جيله خلال إقامته في الرقة, وما تركه ذلك من أثر في شخصيته وإبداعه.
وقدّم الروائي الأردني هاشم غرايبة شهادة عن تجربته الروائية وصلة عمله الأخير بالتاريخ, وأشار فيها إلى أنه هو الناقد الأول لرواياته، وكثيراً ما يحاور أصدقاءه ويستمع إلى آرائهم فيها. وهم يقدمون عادة ملاحظات تنبهه إلى بعض الفجوات أو النواقص أو الأخطاء، واعتماداً على ملاحظاتهم يردم تلك الفجوات، ويكمل ذلك النقص، ويتجاوز الأخطاء. وأضاف غرايبة: لما بدأت كتابة روايتي الثانية عن بترا وقعت في شرك (المعرفة)، ورحت أكمل السرد من حيث انتهت سابقتها (بترا- ملحمة العرب الأنباط).. وبعد أن قطعت شوطاً بعيداً في كتابة رواية تأريخية، انفتحت أمامي أوراق معبد الكتبا.. فنحيت التاريخ هامشاً، وانشغلت بأحلام عائلة الكتبي.
وتحدّثت الكاتبة المصرية صفاء عبد المنعم عن علاقتها بالكتابة قائلة: في بداياتي كتبت عن تجارب خاصة بي , تجارب كانت تبعث على الأسى أكثر مما تبعث على التقدير, وجمعتها في مجموعة مشتركة (حكايات الليل 84). وفي عام 1990 صدرت مجموعة (تلك القاهرة تغريني بسيقانها العارية). حينذاك تعرفت على المحافل الأدبية والندوات، وتبحرت في القراءات، وأصبح لي بيت يخصّني، وأصبح لدي صورة متواضعة عن مفهوم الكتابة وبعض القراءات النقدية, وتحديد موقف صغير من العالم.
الكاتب المصري سعيد نوح بيّن في شهادته أنه في زمن بلا بداية وفي فضاء لا يعرف حدوداً يكتب. وتساءل: ما الذي يستطيع أن يقدمه في ظل وجود ذاكرة معرفية تضم سرفانتس ونجيب محفوظ ويحيى حقي والأدب الروسي والأدب العالمي؟
وقدمت الكاتبة السورية ماري رشو شهادتها بعد خمس مجموعات وعشر روايات، قائلة: ما زالت تتزاحم الأسئلة حتى لأجدني عاجزة أحياناً عن كتابة شهادة عن تجربتي، فما الذي أهلني للكتابة؟ أهو تميز فيّ.. أهي موهبة أم هي الأمكنة الأخرى الغريبة عني والتي أريد أن أتعرفها، فأكتبها لكي أجعلها أليفة، أم هو المخزون الذي وصل تراكمه إلى حد الانفجار؟ أم هي التناقضات بين الحلم والواقع؟
وما الذي دفعني للكتابة؟ أهي طفولتي الجميلة ونشأتي الهادئة وخيالي المتدفق باستمرار؟ أم هي مراحل المراهقة التي حملت مزيداً من الأحلام؟ هل هو الزواج المبكر والاصطدام مع واقع يغصّ بالمسؤوليات؟ أم هو الخارج المضطرد مع الداخل المليء بالأسئلة؟ هل هي الأمكنة الأخرى التي فجّرت التساؤلات؟ أم هو المخزون والمتناقضات التي توقع في المتاهات؟ أم أن كل هؤلاء ساهم بطريقة ما، لتصبح الصلة بيني وبين الكتابة على أشدّها؟
الروائي عبد العزيز الموسى قدّم شهادة عن تجربته من خلال روايته (الغراب الأعصم) التي تدور أحداثها في بلدة (الصيور) قائلاً: في رواية الغراب الأعصم نتعثر بالأمكنة, والطبيعة والأرض والتنور, والزرع, في التلال والجبال والبيوت والأزقة والحجارة والفصول! الرواية مرسومة على خلفية قرية الصيور, وأحياناً يتمدد المكان نحو حماة. تتغير الفصول فتتغير الأمكنة وتتغير الأنواء النفسية ونصير إزاء أمكنة شاتمة. لبعض الأمكنة في الصيور رائحة دبقة لا تفارق الذاكرة, والبيئة في طبيعة الغراب الأعصم تحضن البنية النفسية كرحم دافئ يعطي انفعالات ويصب أمزجة من حقد وكره أو نشوة أو ربما حالات غاضبة. لا يمكن تتبع مسارات الأمكنة ومصباتها لمن لم يعش في بيئة مماثلة أو على تخومها. البيئة تكشف عن النوء النفسي في صيور يضيق بكل شيء ويعطي كل شيء. والصيور محكوم بأمكنته التي أنبتت ناسه ورسمت ملامحهم النفسية بلغة مختلفة. المكان في رواية الغراب الأعصم متحف للطبيعة تتمشى عبره الوقائع وترتسم بألوانها وانفعالاتها.
واختتم الكاتب والمترجم رفعت عطفة هذه الشهادات بالإشارة إلى أنه لم يكن كاتباً محترفاً، لكنه كان يشعر بأن لديه ما يقوله، بل إنه يمتلك طريقة خاصة لقوله. وإلى أن اهتمامه بالكتابة دفعه لتحويل المركز الثقافي في مصياف إلى قبلة للأدباء والمثقفين من كل أرجاء سورية. ثم تحدث عن قصته التي نشرت في ملحق الثورة الثقافي التي أثارت له أزمة كبيرة، حين اعتقد عدد من القراء أنها مكتوبة عنه وعن زوجته وأنها من حياته الشخصية، وهي تستهين ببعض ما يعتقدون أنه من المقدسات.