"جبران وجه لبنان" - كتاب لـ جوزيف الخوري طوق
منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، استهواه عبقريُّ لبنان _ جبران خليل جبران، وأقبل على قراءة كتبه خفية ووضعها تحت وسادته. هذا العشق لصاحب (النبي)، لم يكن فقط بسبب جذوره البشراوية بل لكونه ثوروي ورؤيوي أراد لبنانه مثالياً، والإنسان فيه متمتعاً بالكرامة. خلود لبنان، واستقواؤه على عوامل الزمان والمكان، والمفهوم التثليثي اللبناني المتضمن الأرز وبشري وجبران... دفعت الكاتب جوزف الخوري طوق، إلى الغوص في أعماق صاحب (النبي) وصاحب (لكم لبنانكم ولي لبناني)، في محاولة منه لإيجاد الأجوبة التي تمكنه من كسر طوق كلِّ شكل من أشكال العبودية والصنمية الذاتية والوثنية المتحجرة في العقول والنفوس والممارسات والتقاليد والشرائع والأنظمة الإجتماعية المتعددة والمناهج الفكرية، والمذاهب العقائدية والفلسفية المبتذلة والعفنة والبائدة، توصلاً إلى تحقيق الغاية الإنسانية المطلقة، وسعياً إلى تجسيد السعادة البشرية الشاملة بلا حدود وبدون تمييز (كما يقول طوق في مقدمة جديده (جبران وجه لبنان) الصادر حديثاً. يأتي هذا الجديد ضمن سلسلةٍ دأبَ طوق على إصدارها عن ابن قريته، وجار الأرز، بلغت إلى اليوم ستة وأربعين جزءاً، تضمن الدراسات والمقالات منذ تاريخ وفاته إلى اليوم. "وجه من وجوه قريتي، أوصل اسم لبنان الى العالمية" هكذا حدد طوق رسالة جبران خليل جبران الذي كان ولا يزال وجهاً حضارياً ورسالة حبٍّ وسلامٍ إلى العالم، في وقت كان لبنان منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، ممزَّق الوجه، يحوطه الموت والدمار...
صحيح أن الكتب التي تتناول جبران لا تكفّ عن الصدور، وتعالج مختلف جوانبه الأدبية والإنسانية، إلا أن جوزف طوق أراد في جديده، أن ينشر مقالات لم تنشر من قبل لأدباء وشعراء ودارسين، مرفقة بمخطوطات لهم، بهدف التأكيد على أنَّ هذا العبقري من لبنان، هو نبع لا ينضب يزداد تدفقاً كلما غرف منه الادباء والشعراء. إبداعاً وقوة على استمرار التواصل الحضاري على مرّ السنوات والأجيال.
(جبران عالم قائم بذاته ولذاته، ابتدأ آتوناً من المتناقضات وانتهى بوتقة من نار صَقلت وصَهرت بحرارتها ودفئها وحنينها ووجدانها وعاطفتها وفكرها واتساع آفاقها، كلَّ هذه المتناقضات، لتسلم نهائياً بنظامية وانتظامية الكون، وبانضباطيته عبر خالق فاعل ومنظم وضابط للكل).
إن هذا العالم الذي وصفه طوق في مقدمة كتابه، شكل محور المقالات والدراسات في كتاب (جبران وجه لبنان).
جنيف
(جبران على الميازين) عنوان المقالة الأولى للأديب الراحل (رياض حنين) كتبها في العام 1991، جمع فيها آراءً لمجموعة من الأدباء والشخصيات الذين عرفوا جبران شخصياً. يقول في نهاية مقاله: "وكما ان كل هذه الآراء الخاطفة، على تقاربها وتناقضها، كانت بلا مقدمة، فإنها تظل بلا خاتمة. ولكنني أضعها أمام القارئ وجهاً لوجه، ليدقق فيها ويكتشف بنفسه غثَّها وسمينَها. وعلى كل حال، فاذا كانت الناس حقاً، في كل زمان ومكان، لم تختلف إلا على الشخص العظيم، فإن جبران، شئناً أم أبينا، هو أحد العظماء ولا ريب.
وإني أحلم مثلما حلُمَ كثير من قبلي، بأن تصبح بيروت، يوماً، نقطة انطلاق فكر جبران وكتاباته وتصاويره بعد مهماته، كما كانت نيويورك نقطة انطلاق فكره وكتاباته وتصاويره في حياته".
غوش
د. قيس غوش ركَّز في مقاله على (خصائص صوفية جبران)، محدداً إياها بأنها انتخابية، لأن جبران اختار من المناهج والمذاهب ما ينسجم مع المبادئ الإنسانية ويحقق سعادة البشر.
واعتبر أنَّ افكار جبران في هذا الإطار، تشير بوضوح إلى رفض النزعة الزهدية التقشفية السائدة عند أرباب التصوّف على العموم. وقد وضع جبران نفسه في مقدمة المعارضين لكل مسلك نسكي، يعتزل الحياة، ويدعو إلى إماتة الجسد وقهره.
جبر
(جبران المفترق) عنوان مقالة الدكتور جميل جبر المتمحورة حول أن (أدب جبران في معظمه، تعبير حي صادق عن تجارب شخصية، عن معاناة وجودية. هو نوع من التنفس الطبيعي لكائنات بشرية حساسة مستوحدة في محيط غريب).
واعتبر أنَّ اثره في الغرب فعالاً، (لأنه جاء بإنجيل جديد في عصر الصراع المادي على حساب إنسانية الإنسان).
رحمه
مقالة عاطفية مؤثرة، أوردها جوزف طوق في الكتاب ألقاها (طنوس رحمه) في 23 آب 1934 لمناسبة ذكرى وصول جثمان جبران إلى بشري مما قال فيها: (اسمح للزمن إن ينقل للأزمان أبدع ما انفرجت عنه شفتاك وأعجب ما رسمته يداك حتى يصيغ منك أبهى قدرة تناهت في صنعها معجزات الأيام ترسل من لمعانها للأبعاد الكامنة وراء مآتي الدهور).
كعدي
(الدكتور ميشال كعدي) يعتبر أنَّ جبران يحدّث في كل شيء، في الاجتماع والتاريخ على كثير من البراعة والدقة، كأنه مجموعة علماء. (كل ما قاله قد يصلح لكل أين وآن. إنَّ ما قاله، ينطبق على كل جيل، وتكلم بلغة كل جيل).
طوق
(جرجس طوق) رأى في مقاله أنَّ القضايا والهموم التي أثارها جبران في النصف الاول من القرن العشرين ما زالت تطرح نفسها بإلحاح، والمجتمع العربي لم يتجاوز فترة التململ بل فترة التشويش والضياع، بل فترة المراهقة ... والمسائل التي طرحها ما زالت هي نفسها بجوهرها وخطوطها العريضة، إنما تبدّلت الوجوه وتعدّلت الأدوار وتغيّرت الأسماء.
بطيش
(الأب الدكتور سمعان بطيش) غاص في عمق شخصية جبران ومما قال: (نابغتنا عقلٌ راجحٌ، خيالٌ واسعٌ، شاعريةٌ رقيقةٌ، مبدعٌ، مجددٌ، فاتحٌ، وصاحبُ الغرر الشوارد في الشعر والنثر). كذلك قارن بين فلسفة نيتشه وفلسفة جبران معتبراً أن الفلسفة النيتشية متأتية عن تصوّف وثنيٍّ يبحث عن الأهواء ويفتش عن إرضاء الميول البشرية، بينما الفلسفة الجبرانية نابعة من إنكار الذات والزهد في النفس والانتصار على الميول والاهواء).
صفير
(معمودية الكلمة الجبرانية)، عنوان مقالة (سيمون حبيب صفير) اعتبر فيها أنَّ كلمات جبران هي "لوحات سمو عقلك وقلبك في متحف الحياة"، وهي أيضاً "منحوتات رقي عقله وقلبه في متحف الخلود".
أمين
(جوزف س. أمين) رأى أن كثيرين رفضوا أقاويل جبران لماري هاسكل عن رؤيته للسيد المسيح في الحلم عدة مرات. "لماذا التعجب من كلام جبران? هذه هي التيوزوفية مدرسة باطنية من أهم المدارس التي أُسِّستْ على وجه الارض، فهي تُعلِّم الإنسان، تُلقِّنه أبعاداً عدة منها المادية الأرضية، وأبعاد الذَّات العليا..."
* * *
في مقال ثانٍ في الكتاب ركز د. ميشال كعدي على أن جبران نادى بالمحبة لتشمل الدنيا، وأبناء أمته، على أنها تمثل الحرية الإيجابية، والارتفاع بالذات، ونواميس الطبيعة وأحكامها.
بالإضافة إلى المقالات، يتضمن الكتاب مجموعة من القصائد استوحاها الشعراء من إبداع جبران ومن شخصيته المميزة: (إليك جبران) لجوزف خوري طوق، (الفيلسوف جبران) ليوسف فضل الله سلامه، (النابغة جبران) لسليم مكرزل، و(كأنك وعد) لسليم أبي عبدالله، و(نجمة الساري) لعصام حداد، (جبران) لجميل نجم، (هيدا النبي جبران) لكابي اسكندر الحداد، (على دروب جبران) للور كيروز و(الأمس الحي) لرفيها قهوجي حبيب.
* * *
في ختام الكتاب مقالة في عنوان (الولادة السماوية) اعتبرت فيها غادة زغيب أنَّ جبران جاء ليحطم التماثيل المحنطة في الناس، جاء لينزع نير العبودية الموضوع على رقابهم. لهذا وقف إلى جانب العامل في معمله.
يتضمن الكتاب مجموعة لوحات لجبران، إضافة إلى صورة نادرة له.
منقولة عن صحيفة الأنوار – صفحة ثقافة – 4 آب 2006