عاصي عن عاصي: الفـنان إنسـان قـلـق عليه الإلتزام بالـجـمـالـيـات أولاً

 

asse.jpg 


 

* الفنان هو انسان قلق. هناك عبارة استعملت بشدة في الفترة الاخيرة وهي: الالتزام. الفنان يجب ان يكون ملتزمًا مع الجماليات أولاً، ومن ورائها تبرز كل انسانيته. انا ضد "الالتواءات" والفذلكات الفنية. أحب الفن ذا الحدود الشاسعة الكبيرة. هذا الذي يمس قلوب العالم كله. لماذا في إعتقادكم يحبون فيروز؟ لأنها تخاطب الشعراء والناس البسطاء في آن واحد. لانها تغني أغاني في شعر يجمع بين الرفيع والملائم لجمهور في مختلف المستويات. وهنا يكمن سرها على ما أعتقد. (1968).

* العمل الفني الكامل هو أسطورة. ليس هناك عمل فني يمكن أن يخلق من الأخطاء، ولو وجد مثل هذا العمل الفني لكفّ صاحبه عن إنتاج شيء آخر بعده، ما دام قد وصل الى الكمال. لو أمكن عملا فنيا أن يكون كاملاً لخاف منه صاحبه. المبدع محكوم بالعجز عن خلق الكمال. لكنه قادر على الإقتراب من الكمال عملاً بعد آخر. إذًا من الطبيعي أن يقدر المبدع، وأن يكتشف أن هناك خطأ ما في عمله كي يعيد الكرة. وهكذا. كمال الفن نهاية له، نهاية للفن ونهاية لصاحبه الذي لن يحاول ثانية خلق عمل جديد، ونهاية للآخرين الذين سيرتاعون من كماله أولاً وسيجدون أنه لم تبق في القول بقية لمستزيد. (1970).

* الفنان كالفراشة يتصيد الجمال من كل مكان. والكلمة التي يريد أن يقولها تتنقل مثل هذه الفراشة من يوم الى آخر. عندي إستعداد دائم للبكاء أمام الجمال تمجيدًا للذي خلق. (1978).

* الفن للإنسان هوي تجارب، وحياتو بدّها تضل تجارب. ساعة اللي بيوقّف التجارب بيكون ختير رأسًا لأنو أنا بعتقد إنه الفن هو الخلاص. (16/10/1981).

* لم أكن معتادًا أنصاف الحلول في الفن، الكفاءة عندي أهم من كل شيء، كنت قاسيًا حتى على نفسي.

* تدخل الأغنية الى بيوت الناس كالنسمة، والضوء، والشمس، وهي تساهم الى حد كبير في بناء نفوس الناس. من هنا كان واجب الذين يضعونها أن يسهروا عليها لتكون نسمة خير. (1970).

* الفنان عندما يكتب، لا يسأل نفسه عن الجديد في ما يكتبه. المسرحية تلقي القصة والأشخاص يكتبون أنفسهم.  بالنسبة الى التأليف، أكتب أنا القصة أحيانًا ثم نقطعها الى مشاهد ونعيد الكتابة، ونضع الأغاني ثم نعيد الكتابة ونعيد توزيع الأغاني لجهة سبب وجودها أو عدمه في المسرحية. بكلمة، لا يمكنني القول أن هنالك قاعدة معينة، فليس لأي عمل فني قاعدة. (1970).

* الألوان الراقصة لا نقدر أن نعتبرها تطورا للموسيقى العربية القديمة. إنما هي موسيقى ولدت في هذا العصر وصارت ضمن الحاجات التي نشعر بضرورتها في مجتمعاتنا. بالإمكان خلق أغنية راقصة بتعتمد على الأسلوب الشرقي ويبقى الإيقاع فيها إيقاع راقص متل أغنية هلاليا. يا غزيّل، اغنية شعبية لبنانية، أضفنا عليها إيقاعا لم يبعدها عن شخصيتها الشرقية بل بالعكس غذّاها لأنها إيقاعات تتشابه في كل العالم. وتقريبًا مشاعر وأغاني الفولكلور في العالم تتشابه. (1956).

* كل الألوان التي نقدمها هي ضمن إمكانات العصر الحديث. كلمة حديث بمفهومنا نحن تعني أننا نطور الأغنية ضمن المحافظة على شخصيتها. ونعتبر أن لوننا الحالي الذي نعتز به هو لون الشيخ سيد درويش نفسه الذي نفذّه في مصر. (1956).

* الموسيقى تكلف، وأنا لا أملك الإمكانات المادية التي أستطيع بواسطتها أن أقدم مقطوعة موسيقية ذات توزيع عالمي أرضى به. (1969).

* دون ريب، وجود فيروز بقدر ما هو مساعد على إضفاء الجمال، بقدر ما هو متعب، لأنه يفرض على الأغنية أن تظل في مستواها. إنه يضايقني بقدر ما يريحني. لأنه بنسبة ما تؤدي لحنًا ممتازًا فهي تتطلب لحنًا ممتازًا ودائمًا ذا جدة كبيرة تقف ملحوظة أمام سيطرة شخصيتها في كل أغنياتها. (24/5/1964).

* أحب في فيروز المرأة، صراحتها. انها صريحة جدًا... وتحب البيت أيضًا. عندما تنهي حفلاتها، تعود امرأة الداخل الطيبة، المرأة التي تهتم بأطفالها كأي أم أخرى، وتدير شؤونها البيتية بنفسها. أحب أيضًا لسانها اللاذع، هذا اللسان الذكي دون لؤم. انها الرفيقة الطيبة والشريكة الودودة لكل الحياة. (1968).

 فيروز نبرة جديدة ومميزة، ومستمعوها صاروا يفترضون دائمًا فيها الجديد والمميز. إن أغنية فيروز تمتاز بأداء صوتي نظيف وأمين للحن، وفي الوقت نفسه هي تشحن هذا الأداء بطاقة شعورية داخلية من دون أن تمس شكل اللحن الخارجي. (1970).

* شخصية فيروز تتميز بالتركيز الفني. عدا أنها موهوبة صوتيًا وحسيًا للفن، كمان تمرنت كتير ومرقت بتجارب طويلة. هي فنانة مركزة وعارفة شو بدها تقول. وبعتقد إنها عندها ميزة من ربنا. لكن هي غذِت هالمسيرة بالدراسة وبالتركيز وبسلوك طريق فني صح. طريق فني حقيقي وفيه إخلاص.

* أحببت فيروز في "جبال الصوان" وفي "صح النوم". في "جبال الصوان" كانت رهيبة عنيفة. إختصرت كل المسرحية بكلمة "بنتو"، عندما سألها أهل جبال الصوان من تكون بعد عودتها من الغربة. وفي "صح النوم" كان الدور قريبًا جدًا من طبيعتها. كانت خفيفة الدم فاجتازت مرحلة التمثيل الى مرحلة الأداء الطبيعي! (1976).

* عشقت فيروز، ولا أزال حتى اليوم. حبها أوحى لي بكل هذه الأغاني. أعترف أني كنت قاسيًا عليها لأني معلمها، واليوم أشعر بالخطأ. (26/3/1982).

* زياد هو فعلاً إبن العائلة الرحبانية وقد انطلق منها. زياد لا يكون رحبانيًا إذا لم يكوِّن عوالمه الخاصة وشخصيته المميزة. (1980).

 زياد: علـَّمني إبراز الهوية الشرقية للموسيقى

البداية كانت في البيت حيث كنت اعيش مع والدي، والوالد يعمل على تأليف معظم الحانه الرئيسية في هذا البيت. صحيح كان مع عمي منصور وآخرين، يعملون في مكتبهم في منطقة بدارو، حيث يختبرون بعض التوزيعات ويتناقشون حولها، وحيث يجرون تمرينات للعازفين والفرقة. اما الجهد الاساسي والافكار الاساسية فكانت تتم في البيت. ومن هنا بدأت التأثيرات الاولى تتفاعل من خلال سماعي للوالد عندما يكون مشغولاً في البيت بتأليف شيء ما. ومن هنا أيضًا بدأت أحب الموسيقى صغيرًا، حيث كان عمري 4 سنوات. وهكذا نشأت العلاقة الموسيقية بيني وبين والدي المؤلف الموسيقي. (1992).

من الامور التي تعلمتها من عاصي، ابراز الهوية الشرقية الوطنية للموسيقى في تأليفاتي، وتأكيد هويتي الثقافية أينما وُجدت في العالم من خلال التركيز على المقامات الموسيقية الشرقية والمحتوية منها على أرباع الاصوات، وابرازها بطريقة مركبة وغير تقليدية من خلال الكتابة الهارمونية لهذه المقامات. وقد يكون أهم شيء تعلمته من والدي، كتابة جملة موسيقية بسيطة وغير معقدة، لكن كيفية الوصول الى هذه الجملة كان امرًا صعبًا ومعقدًا. فالوالد كان يؤمن بأن العمل التأليفي (على الطاولة) هو بالجهد والبحث المتواصل، وليس فقط بالوحي، مع أهمية هذا طبعًا. (1992).

كان اللحن الاساسي، الميلودي هو المهم. والاهمّ ان تنسجم الميلودي مع الناس. لكن اللافت هو، حتى اثناء دراسته ومنصور عند استاذهم روبيار، كان الوالد يشذ عن تطبيق القواعد الصارمة للتوزيع الهرموني، فكان مثلاً لا يطيق البعد الثلاثي ولا يحب استعماله ابدًا. واذا اردت ان تلاحظ هذا الشيء بوضوح فاسمع اغاني "البعلبكية" فهي مختلفة جدًا. هي من توزيعه هو وحده ويعتمد فيها أسلوب الـPédale. وباستعماله هذا الاسلوب، يدافع عن اللحن الاساسي ومبدأ تطابق الصوت، وطبعًا توزيع للآلات على اساس اللون. (1992).

فيروز: حزنه أكبر من مرضه وأخطر

عاصي في الفن، لا يتنازل عن أن يكون ديكتاتورًا. ديكتاتور على نفسه قبل أن يكون ديكتاتورًا على غيره. وهناك نعمة في ديكتاتوريته الفنية هي الشك. الشك الذي يساهم كثيرًا في عملية خلق الجمال الفني. من هنا نقول إن عاصي يحب "الصعب" الذي يخلق الجديد والبساطة، وراحته في الفن عظيمة لأنه عذابه عظيم. هناك أشخاص يقتربون من النهر، لكن عاصي أقرب الى النبع. (1983).

حزن عاصي، أكبر من مرضو وأخطر.

الإنسان لما بيشوف حلم عم يتحقق وفجأةً بينكسر هالحلم... بيحزن... وشي بداخلو بينزف، وما بيوقف...

عاصي هو اللي كان، وبعدو ما راح يكون...

عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية

الفرح فيها شي موقت، والحزن والألم هو الأساس

وفرحنا الموقت كان الحلم.

والحزن كان الحقيقة.

بس ما كنت أعرف هالشي!

ما كنت أعرف إنو الإنسان إذا ضحك، راح يبكي ألف دمعة مقابل هالضحكة.

(فيروز 6/3/1986)

لا رجل له دمعة بجمال دمعة عاصي. (12/1992).

كان دائمًا مشدودًا الى عالم آخر، الى وطن يرسمه أجمل من كل الأوطان. كان كثير الأسئلة يصيب الجميع بإرهاق وهو يشارعهم وكان يلقب نفسه بـ"المشارعجي". كان يحاول أن يجد جوابًا عن كل شيء. أجوبة الآخرين غالبًا ما كانت غير مقنعة وعميقة بالنسبة إليه. كان يستدرج الجميع عبر الأسئلة لأن جوابًا ما يريد أن يعرفه وحده. جاء ليعرف كما كان دائمًا يردد: جينا تا نعرف، لذلك كان كثير الشك والقلق وهو مأخوذ بأشياء لا يعرف ما هي. يتطلع دائمًا الى مكان غير موجود. (12/1992).

موقع الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة