فيروز: حيثيات دَين تربوي وجمالي وأخلاقي
I
لا أعرف سبيلاً إلى تشخيص تلك الجمرة النادرة التي تتوهج في داخلي دون مقدّمات، على هيئة غصّات شعورية متدافعة، كلما استمعت إلى سَحبة الـ «أوف» الأولى المديدة، في أغنية فيروز «يا طير». ومنذ البدء البعيد المبكّر لاحَ أن «السحبة» هذه لا تكتمل إلا بتؤدة، تماماً كما في الأغنية، قادمة من سحيقٍ عميق ظَلّ مبهم الملامح عندي، حتى شاهدت فيروز تؤدّي الأغنية في فيلم «سفر برلك»، فأدركت أن السحيق ثلجي في القاع، مجلّل بضباب شفيف، متلفّع بسحاب راكد.
لا أعرف، ولا يبدو أنني سوف أسعى إلى «معرفة» كهذه في أي يوم.
ولماذا! ألا يكفي ما تعرف أعصابي من استنفار أقصى، وجداني جوهرياً، ولكنه غامض في تسعة أعشار مكوّناته الجوهرية الأخرى؟ ألا يكفي أن السحبة تسحبني نحو حافّة مفضية إلى مغادرة نقيضة من نوع ما، بعيداً عن مطرح أعرفه لأنني أقيم فيه، إلى آخر لا أعرفه إلا غائماً منفلتاً قَصيّاً، لا أقيم فيه بعدُ، ولكنه حاضر طاغٍ على النحو النقيض إياه؟
ألا يكفي أن طرازاً فريداً من «المعرفة الارتدادية» يصبح في قبضة يديّ بغتة، فأعود إلى خبز أمّي وقهوة أمّي مثل محمود درويش، أو مثل أيّ محمود درويش معمّم و«مؤمّم» في نفوس قارىء القصيدة؟ أو أستفيق وسط غبش صباحات صحراوية لا يتقن توليف فتنتها سوى ائتلاف طمي الفرات وعِهن شجيرات «الغَرَب» التي أخذت عقل الشاعر السوري الحمصيّ عبد الباسط الصوفي ذات يوم؟
ألا يكفي أن هذا الإرتداد الطليق كفيل بإعادة تركيب رئتيّ هاهنا، والآن، فأعرف أن ما يعبق فيهما ليس سوى ياسمين الشام، بديل الروائح كلها في هذه البرهة العجيبة، بديل «الرائحة» كلها، بالتعريف الصارم؟
لا أعرف. ولعلّي فقدت أية لهفة خاصة لحيازة بعض تلك «المعرفة» حين عرفت، بعدئذ، أيّ امتلاء ثرّ ذاك الذي يجاور المعرفة الفيروزية ويجعلها حاضرة ممتنعة. لقد عرفت، مثلاً، تلك الوشيجة المدهشة بين «يا طير» وأكثر من «سحبة» صوفية واحدة في «الإشارات الإلهية» لأبي حيّان التوحيدي. ومثلاً أيضاً، كانت «يا طير» تقول:
روح اسْألُن عَ اللِّي وَليفو مِش مَعو
مَجْروح بِجْروح الهوى شو بْيِنْفَعو
مَوجوع ما بيْقول ع اللِّي بْيوجَعو
وتعنّ عَ بالو لَيالي الوَلْدَنِة
وكانت كيمياء التوحيدي في وصف الغربة الحقّة تقول:
«يا هذا! أين أنت عن قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه! وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة له على الاستيطان! (...) يا هذا! الغريب من غربت شمس جماله، واغترب عن حبيبه وعذّاله، وأغرب في أقواله وأفعاله، وغرّب في إدباره وإقباله، واستغرب في طمره وسرباله. يا هذا! الغريب في الجملة مَنْ كلّه حرقة، وبعضه فرقة، وليله أسف، ونهاره لهف، وغداؤه حزن، وعشاؤه شجن، وآراؤه ظنن، وجميعه فتن، ومفرقه محن، وسرّه علن، وخوفه وطن (...) يا رحمتا للغريب! طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب، واشتد ضرره من غير تقصير، وعظم عناؤه من غير جدوى».
وما لا أعرفه بخصوص «يا طير»، ثمّ ما عرفته من تجاورات بين فيروز والرحابنة وأبي حيان التوحيدي، تكرّر ويتكرّر بهذا القدر أو ذاك من التشابه مع «هَونيك في شجرة»، «وَطى الدوّار»، «إنت وأنا عم يسألونا كيف»، «الحلوة دي»، «إمّي نامت عا بكّير»، "بتتمرجح بقلبك"، "ضحك اللوز"...
II
في الشطر الشعري من تربية جمالية شخصية، أزعم ـ بتواضع أقصى ـ أنها كانت شاقّة وتعددية ومحظوظة، وشهدت تقلّبات دراماتيكية في طبيعة الذائقة والخيارات والإنحيازات مثلما في نوعية «التغطية» الإيديولوجية لذلك كلّه، أسجّل أن القصيدة الرحبانية، كما غنّتها فيروز تحديداً، كانت محطة كبرى في الأطوار التأسيسية الحاسمة. إنها، اليوم أيضاً، تظلّ مادة معيارية في دراستي للنصّ الرومانسي إجمالاً، وفي التأمّل النقدي للعلاقات الجدلية بين شعريات «اللغة العليا» وشعريات اللغة اليومية. كانت قصيدة الرحابنة تستولد جاذبية دلالية متوهجة أبداً، وظلّت تغذّي حالة من التوثّب التحليلي المقارن الذي أدين له بفضل تأهيب ما أزعم أنه عدّة نقدية «ديمقراطية»، متحللة من الثوابت المنهجية المسبقة أيّاً كانت اغراءاتها، منضوية في حقوق القصيدة ذاتها قبل واجبات المنهج، إزاء اللغة الشعرية عموماً، وبصدد الموضوع الغنائي في القصيدة العربية بصفة خاصة.
أسجّل، على سبيل المثال، أن انشدادي الأول لقصيدة «أقول لطفلتي» اكتسب محتوى «جنينياً» إذا جاز القول، لا يلوح أنه اكتهل معي أو رافق ما حمله مرور الأعوام من تطوّر في الذائقة وتبدّل في الحساسية. أطرب حتى الوجد عند سماع فيروز وهي تغنّي هذه القصيدة، وأتأهّب حتى الاستنفار حين تلقي لغتها اليومية أكثر من قفّاز تحدٍ واحد، وتُستفزّ ذاكرتي حين ترتد هذه ـ صاغرة ربما ـ إلى سياقات رومانسية إنسانية صافية، أليفة شفيفة دافئة، وبريئة لأنها شبه ساذجة أيضاً:
أقول لطفلتي إذا الليل بَردُ
وصمت الرُبى رُبىً لا تُحدّ
نُصلّي فأنت صغيرة
وإنّ الصغار
صلاتُهم لا تُردّ.
أقول لجارتي ألا جِئْتِ نسهرْ
فعندي تين ولوزٌ وسكّرْ
نُغنّي فأنتِ وحيدة
وإنّ الغناء
يُخلّي انتظارَك أقصر
شيء شبيه بهذه الحالة تكرّر على الدوام في أغنيات/ قصائد مثل «لاعبِ الريشة»، «لا يدوم اغترابي»، «عصفورة الشجن»، «قال يا بيتاً لنا»، «رجعتَ في المساء»... الفارق الوحيد بين هذه القصائد و«شآميات» فيروز والرحابنة، خصوصاً حين تكون القصيدة لسعيد عقل، يتمثّل في تبدّل موقفي من هذا النحت الرخامي السيمتري في فصحى بدا أن مقالعها عالية بعيدة عن متناول اليد العريضة. بعض التبدّل كان الإنتقال من انقياد جمالي أعمى صوب السطوة الخطابية الآسرة لتلك القصائد، إلى تأمّل نقدي ـ أكثر هدوءاً ربما ـ في طبيعة ما تنجزه هذه العمارة الرخامية من شعرية الحدّ الأدنى.
وإذا كنت اليوم أنظر على نحو مختلف لذلك البيت الشعري الذي يقول:
أنا صَوتي مِنْك يا بَرَدى مثلما نبعُكَ مِن سُحبِ
فلأنني ما أزال ذلك المفتون الأعمى بقصيدة «أقول لطفلتي»! الفارق هذه المرّة أنني في الماضي كنت أتماهى مع الطفلة موضوع الدفء الأمومي، واليوم أجدني في موقع المتلهّف على تدبّر ذلك الدفء لطفلتي!
III
التقارير الصحفية التي غطّت مهرجان جرش الأردنيّ، قبل سنوات، أجمعت على أن تفاعل الجمهور مع البند الغنائي في الفعاليات بلغ ذروة دراماتيكية غير مسبوقة في مناسبتين: حين غنّى مارسيل خليفة، ثم في اليوم الأخير حين احتشد المدرّج الجنوبي بأكثر من 4000 شخص تدافعوا بالمناكب للإستماع إلى المطرب السعودي الشاب عبد المجيد عبد الله.
وثمة مغزى سوسيولوجي أوّل في هذا التفاعل، ينتهي إلى نتيجة بسيطة أيّاً كانت تعقيدات التوصّل إليها: الجمهور العربي يستطيع ـ دونما عناء ودونما مخاضات شاقّة ـ أن يوزّع ذائقته الموسيقية الغنائية في مجرَيَين متباعدَين، بقَدْر مدهش من التكافؤ والمساوة والأرجحية المتوازنة. محتوى جماهيرية مارسيل خليفة ليس شبيهاً تماماً بجماهيرية عبد المجيد عبد الله، ولكن جماهيرية الأخير ليست بدورها شبيهة بجماهيرية وائل كفوري، بمصطلح البُنى السياسية والإجتماعية والفكرية والنفسية للحياة العربية الراهنة أولاً، وبمصطلح الذائقة الفنية الإجمالية ثانياً.
المغزى السوسيولوجي الآخر، والأهمّ ربما، هو أن تلك البُنى أخذت تعطي مؤشّرات قويّة على عودة ظافرة للعاطفة الذاتية الطليقة، التي قد لا تكون رومانسية بالضرورة ولكنها رغم ذلك لا «تخجل» من أيّ انسياق رومانسي إذا وقع، ولا تكبح جماح ما يتجمّع في القلب من مشاعر وانفعالات وأشواق وأفراح وأحزان، لا مناص من تصاعدها وصعودها إلى اللسان والحنجرة والعين واليد والقلم، خصوصاً إذا جاشت واعتملت وتكدّست طبقات فوق طبقات!
الأجيال العربية الراهنة (الشابة بطبيعة الحال، ولكن السائرة إلى الكهولة أيضاً، وهنا خصوصية المغزى ربما)، لم تعد أو هي لا تبدو مضطرة إلى استخدام الأقنعة القديمة التي برع العقل العربي في ابتكارها لكي تموّه حاجة الكائن إلى قَدْرٍ ما من الإنفلات الروحي والعاطفي والرومانسي (أقنعة الشخصية الصارمة، الجدّية، اللا ـ عاطفية، الكربلائية، المتفائلة عقلانياً فقط، العاشقة حسب الوصفة الفاشية أو الوصفة الستالينية، ...). وليس بجديد القول إن الرقابة الذاتية على العواطف، وفي الشطر الكابح من هذه الرقابة تحديداً، ليست سوى مظهر مَرَضي شبه سريري في سيكولوجية الإنسان المقهور.
فإذا صحّ هذا الإسقاط لتلك الأقنعة الجبّارة، فالأمر خير!
فما الذي يمنع مواطناً عربياً عاطفي المزاج من الإستماع إلى مارسيل خليفة وهو يغنّي عن البلاد، والشهيد، وصبرا وشاتيلا، والبحر والبحارة، وقهوة الأمّ البعيدة؟ وما الذي يمنع مثقفاً «ثورياً» أو «حداثياً» أو «طليعياً»، بمعنى مصطلحات أيام زمان على الأقل، من الإستماع إلى عبد المجيد عبد الله وهو يغنّي عن حبيب «رهيب» ذي «جمال عجيب»، جمع المحاسن حتى غطّى على القمر والغزال، فتحوّل إلى حبيب هو «الرجاء والنصير»؟
لا شيء بالطبع، أو لاشيء من حيث المبدأ، ولا شيء ـ لحسن الحظ ـ في منطق البُنى الراهنة للسيكولوجية العربية التي أخذت تختلف جذرياً عن سيكولوجية السبعينات والثمانينات، تلك التي بشّرت بها برامج الطبقة الوسطى العربية، في أحزاب اليمين وأحزاب اليسار على حدّ سواء، بل بصفة متعاضدة... للمفارقة!
كاتب هذه السطور، على سبيل ضرب الذات مثلاً، خضع قبل أكثر من 30 سنة لـ «محكمة حزبية» كانت التهمة فيها تنحصر في إدراج أغنيات عبد الحليم حافظ ضمن خانة الفنّ الملتصق بالروح الشعبية، والقول إن هذا الفنّ لا يحتاج إلى «أمارات» التزام رسمي تقليدي لأنه أصلاً ملتزم بهموم الإنسان الكادح، الذي قد يحدث أحياناً أن يكون كادحاً وعاطفياً وعاشقاً في آن معاً! آنذاك لم تكن الستالينية ضاربة الأطناب فقط، بل كانت أقنعتها الفكرية ضاربة الجذور أيضاً، متعددة متلوّنة مقدّسة، غائرة في القيعان الأعمق من مفاهيم الطاعة والإنضباط التنظيمي والنقد والنقد الذاتي.
غير أنني لا أجازف كثيراً حين أقول إن فيروز لم تكن في أيّ يوم مادّة اتهام في محاكمة حزبية عربية، يمينية كانت أم يسارية. على العكس تماماً! ويسهل عليّ أن أتخيّل التكتيك الخبيث الذي كنتُ سأعتمده لو أنّ فيروز ـ وليس عبد الحليم حافظ ـ كانت موضوع تلك المحاكمة. قد أبدأ من البراهين الدامغة حول الرموز الطبقية لشخصيات مثل «مدلج» و«راجح» و«هولو» و«سبع» و«مخوّل» وبياعة البندورة، والضيعة الرحبانية، والمقاومة، والوحدة الوطنية. وقد انتقل إلى براهين أخرى أرفع كعباً ـ لأنها فكرية وثقافية! ـ حول تطوير الرحابنة للذوق العربي في الإستماع، وحول الأغنية القصيرة بدل المطوّلات، وتقديم الموسيقى الكلاسيكية في صيغة «تعليمية» وقالب محلّي. وإذا عزّ ذلك كله، فيكفيني أن أحمل صفحة واحدة من مجلة «الثقافة الوطنية»، اليسارية التي كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي، حيث نُشرت قصيدة لعبد الوهاب البياتي، وأخرى مترجمة لناظم حكمت، وثالثة لمنصور الرحباني... جنباً إلى جنب!
IV
هذه محض شهادة حول فيروز السيدة العظيمة، وحول هذا التراث الفذّ، ثمّ ما أحمله لها وله من دَيْن تربوي وجمالي وأخلاقي جوهري. وأبصم تماماً على عبارة بارعة صاغها ذات يوم الناقد المسرحي اللبناني الصديق عبيدو باشا، في اختصار المنصة الرحبانية: تحوّل "الأوهام إلى سحر مزغول بالإيديولوجيا".