سبعون - إطلالة على تجربتي - يوميات نصراوي

نبيـــــل عـــودة قرأها 631

 سبعون - إطلالة على تجربتي - يوميات نصراوي

ولدت في 25 شباط  1947 في مدينة الناصرة التي احتلتها اسرائيل عام 1948، عانيت في شبابي الباكر من قيود التنقل بسبب نشاطي السياسي في صفوف الشبيبة الشيوعية، انهيت ثانوية صناعية ودرست سنتين في المعهد التكنولوجي "التخنيون" موضوع هندسة الميكانيكيات، ثم أوفدني الحزب الشيوعي للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو عام 1968.

مشكلة ابناء جيلي كان الحصار الثقافي والرقابة العسكرية الاسرائيلية على كل ما ينشر، وفقر مستوى التعليم بالمقارنة مع نظيرة في الوسط العبري.

في فترة سنوات الخمسين والستين فُصل عشرات المعلمين الوطنيين العرب وفُرض جوٌّ إرهابي على التعليم العربي، وكانت كتب التعليم تُقرُّ ايضا من جهاز المخابرات وأعتقد ان التعليم العربي مازال مراقَبا من نفس الجهاز. دراستي الثانوية كانت أساسا باللغة العبرية، كذلك في التخنيون، وطبعا سوق العمل تسود فيه اللغة العبرية. الأمر الذي ترك آثاره الكبيرة خاصة على ابناء جيلي.. جيل النكبة!!

والدتي أخذت على عاتقها مهمة تعليمي اللغة العربية قراءة وكتابة على صفحات الصحف والمجلات الشيوعية (الاتحاد والجديد والغد) منذ كنت في الخامسة من عمري، فعشقت القراءة  والكتابة، وبدأتُ أقلّد القصص التي أقرؤها او التمثيليات التي اسمعها بالراديو. ولم  اكن بعدها بحاجة الى كتب تعليم اللغة العربية التافهة التي فرضها جهاز المخابرات. وبسبب دراستي الثانوية والجامعية باللغة العبرية لم يتح لي ان ادرس قواعد اللغة العربية بشكل كاف، ومازلت اكتب اعتمادا على سمعي.. وأقع في بعض الأخطاء ..

لم أحظ بوظيفة تُسهّل لي نشاطي الثقافي، عملت موظفا في الحزب الشيوعي لمدة ثلات سنوات، ثم تركت الوظيفة الحزبية بسبب الوضع المادي الصعب الذي واجهته واشتغلت بمجال الصناعات المعدنية – حدادا.

خلفيتي المهنية فتحت أمامي أبواب العمل الاداري خلال أشهر قليلة من بداية عملي المهني، استلمت وظيفة مدير فحص جودة الانتاج في اكبر مصانع الحدادة في اسرائيل، بعدها مديرا للعمل ثم مديرا للإنتاج، ونفّذت مشروع بناء مصنع بتروكيماوي في شيراز الايرانية أيام الشاه، ومشروع بناء صهاريج ضخمة على شاطئ الخليج العربي في بوشير (بوشهر) الايرانية.

خلال كل فترة عملي المهني الذي استمر 35 سنة لم اتوقف عن الكتابة الثقافية والسياسية. تقاعدت عام 2000 من العمل المهني المباشر، وعملت محررا في جريدة نصف اسبوعية مع الشاعر والمفكر سالم جبران، ثم رئيسا لتحرير جريدة يومية صدرت لأكثر من سنة عام 2010- 2011، وهناك تخطيط جديد لأحرر جريدة يومية جديدة ستكون الأولى من نوعها باللغتين العربية والعبرية. لي 12 اصداراً بين الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والنقد الأدبي، واكثر من 20 كتابا تنتظر النشر..

*

تشغلني في السنوات الأخيرة العديد من القضايا الفكرية والسياسية والثقافية، وأشعر اني في سباق مع الزمن لأسجل كل ما في جعبتي من مواضيع، لكن سرعان ما تمتلئ جعبتي من جديد وبكثافة اكبر من السابق. يقف على رأس القضايا التي تشغلني مراجعة تجربتي الطويلة في الحركة الشيوعية، التي شكلت نصف قرن من حياتي، ثم تطورت قناعاتي الفكرية والفلسفية والثقافية بعيدا عن الإطار الذي وضعتُ عقلي وقلبي فيه لنصف قرن من الزمن..

ربما يصطدم  بعض القراء بنقدي  للواقع الشيوعي كما اراه اليوم، لذا اؤكد انّ نقدي لا يتناول الدور التاريخي للطليعة الشيوعية، ودورها الهام والعظيم فيّ تاريخ شعبنا الفلسطيني بالتحديد، الذي لم يهاجر او يُهجر من وطنه  خلال النكبة، رغم الجرائم التي ارتكبتها الحركة الصهيونية لدفع المواطنين العرب للهرب من وطنهم. اذ أسفرت النكبة عن تدمير ما يقارب او يزيد عن 520 بلدة عربية، وارتُكبت مجازرُ مختلفة، كانت مجزرة دير ياسين أبرزَها، والحديث يدور عن 50 مجزرة دفعت مليوناً ونصف من أبناء الشعب الفلسطيني للهرب من وطنهم.. ومازالوا مقيمين في الخيام في الأقطار العربية المحيطة بفلسطين، بانتظار حلٍّ انساني لمشكلة التهجير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.. ولا يبدو ان العالم العربي يأخذهم بالحساب.. ويدفعون ثمنا رهيبا نتيجة الأحداث الدموية في السنوات الأخيرة، أسوة بالمواطنين العرب الآخرين.

شكّلت أسماءُ هامّةٌ في تاريخنا الوطني والشيوعي القوةَ الدافعة والمحركة للحفاظ على هويتنا الوطنية، على تماسكنا الوطني والاجتماعي، على تطوير ثقافتنا، والدفاع عن حقوقنا القومية، ومواجهة مصادرة الأرض، وتثقيف ابناء شعبنا سياسيا وفكريا وثقافيا، بل وفتح صفوف لتعليم من فاته ان يتعلم في المدارس من الجيل الذي عصفت به النكبة.

بوضوح، كان قادة الحزب الشيوعي العرب، وطنيين مخلصين حملوا دمهم على أكفّهم بمواجهة سياسية التهجير والطرد من الوطن، واعادة بناء التلاحم الاجتماعي وكسر الحصار الثقافي والإرهاب السلطوي بحكمه العسكري الذي خصّ به المناطق العربية بالأساس، وهي قيود إرهابية من ايام الانتداب البريطاني، تفرض منع التنقُّل بدون تصاريح عسكرية خارج بلداتنا، والنفي والاعتقال الاداري الذي يمارس اليوم ضد ابناء شعبنا الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية (المناطق المحتلة عام 1967).

منذ بدأ وعيي يتشكل وانا أعيش حكاية شعبي الفلسطيني الذي تشرد.. وقصص التشريد والنضال البطولي للشيوعيين العرب لوقف شحن ابناء شعبهم وقذفهم وراء الحدود.. ومعارك الهويات، لإصدار هويات "للمتسللين" العائدين الى وطنهم ولمن فاته التسجيل لأسباب مختلفة. وقد خاض الحزب الشيوعي ومحاميه حنا نقارة الذي أطلق علية الناس لقب "محامي الشعب" معركة الهويات في المحاكم الاسرائيلية، وكانوا ينشدون له الأهازيج الوطنية فرحا بتحصيله للهويات عبر المحاكم الأمر الذي كان يعني البقاء في الوطن وعدم اعتبار الفلسطيني "متسللا" يجب قذفه وراء الحدود، وتحديا أيضا للحكم العسكري الذي فُرض على العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم .

ومن الأهازيج  النضالية في تلك الفترة:

طارت طيارة   من فوق اللية         الله ينصركـــــــو    يا شيوعية

حنا نقارة       جــــاب الهوية         غصبا عن رقبة  ابن غريونا

(اللية - اسم مكان في الجليل وبن غوريون- اول رئيس لحكومة اسرائيل)

وحسب مذكرات الشاعر والمناضل حنا ابراهيم (كتابه: ذكريات شاب لم يتغرّب)، كانت تمنح هويات حمراء لمن يُعتبروا "ضيوفا" بالتعبير الاسرائيلي، أي المرشحين للطرد من الوطن. أما غير الضيوف فكانوا يحصلون على هوية زرقاء. ويذكر حنا ابراهيم أغاني التحدّي التي كانت تُنشد في حلقات الدبكة، ومنها:

يا أبو خضر  يللا ودّينــــا     الزرقات والحمرا  ع صرامينا

(أبو خضر اسم شرطي كان بقمة اللؤم، والزرقات والحمرات لونا الهويات: الهوية الحمراء تعني مرشح للطرد من الوطن، الزرقاء ضمانة للبقاء في الوطن)

هذا وطنّــــا     وع تـــــرابه ربيـنـــا      ومن كل الِحْكومة     ماني مهموما

يقطع نصيب   ال قطّع نصيبي      لو انه حــــــــــــــــاكم     في تـــل أبيب

توفيق الطوبي  واميل حبيـــــبــــــي      والحزب الشيــوعي      بهزو الكـــــونا

(توفيق الطوبي واميل حبيـبي من قادة الحزب الشيوعي)

ويتلقف الشبان الكرة ويعلو نشيد المحوربه (نوع من الغناء الشعبي الفلسطيني):

لو هبطت سابع سما         عن حقنا  مـــــا ننزل 

لو هبطت سابع سما         عن أرضنا ما نرحل

لا يمكن ان اتنكّر لهذا التاريخ لأني جزء منه. للأسف اليوم يجري التنافس على المناصب والمكاسب. ويجري التآمر الواحد ضد الآخر ليبقى المكسب لصالح "الأقوياء"!!.

منذ سنوات الثمانين بدأ الانحراف عن النهج السليم، بدأ الحزب تحت قياداته الجديدة اشبه بقائمة انتخابية، لا حياة حزبية، لا تثقيف من قادة هم اصلا بحاجة الى تثقيف. كان الإنتكاس وبداية تفكك الحزب الشيوعي بالانقلاب ضد الشخصية السياسية البارزة في الحزب والأكثر تأهيلا لقيادته، برلمانيا وسياسيا، واعني بالأساس الانقلاب ضد سالم جبران المفكر، الشاعر، القائد الشيوعي في وقته، الاعلامي البارز والمحرر الرئيسي لصحيفة الحزب اليومية باللغة العربية (الاتحاد)، والقادر على تطوير خطاب سياسي مبدئي وعقلاني بمواجهة الخطاب الصهيوني، والشخصية المؤثرة بعمق وعقلانية عميقة على اوساط يهودية مختلفة. رغم قرار الحزب بهيئاته المركزية انتداب سالم جبران لقيادة قائمة الحزب الى الكنيست، الا انه جرى نقض قرارات الحزب بالعربدة والتهديد، للأسف قادة الحزب (العواجيز) قطفوا رؤوسهم، وبالتالي دمّروا مصداقية الحزب ربما هذه القصيدة لسالم جبران تعبر عن واقع الحزب بعد الانقلاب ضدَّ سالم وضدَّ قرارات هيئات الحزب العليا، الذي يشبه الانقلابات العسكرية العربية.

عاشق النهر- شعر: سالم جبران

عندما تدافعوا إلى المنصّة/ مثل قبيلة مندفعة إلى الثأر/ فيهم العربيد والمهرّج/ فيهم اللاعق والسارق/ فيهم السكران والنصّاب/ فيهم الحثالات التي تطرب لصوت تصفيقها/ فيهم الهتّافون المحترفون/ فيهم مشلولو التفكير العاجزون عن الحلم –/ قرّرت أن أنزل عن المنصّة/ لا مهزوما ولا هاربا/ بل رافضا أن أشارك في المهزلة/ رافضا المشاركة في المسؤوليّة عن الفضيحة/ هم صعدوا إلى رقصة الانتحار/ وأنا لم أنزل، بل صعدت/ صعدتُ إلى ذاتي الحرّة، صعدت إلى جبل الحريّة/ بقيتُ مع الناس، واحدا من الناس/ الشمس في قلبي/ لم أستبدل حلمي بحلم آخر/ بل نفضت عن حلمي الغبار/ ليس عندي وقت حتى لاحتقار/ القبيلة التي اندفعت للثأر/ بعد انعتاقي فقط،/ أعرف تماما الفرق بين المستنقع والنهر/ أنا حليف النهر/ أنا عاشق النهر!!

هذا ليس الحزب الذي قدمت له نصف قرن من عمري!!

طبعا بعد استقالتي قمتُ بمراجعات فلسفية واقتصادية قلبت الكثير من مفاهيمي، بدأتُ أرى بعض الحقائق بمنظار مختلف. هذا لم يجعلني رافضا للماركسية بل واعيا للدور الفكري العظيم لماركس الانسان والثوري والمفكر، وادّعي ان الماركسية لم تطبق إطلاقا.. وحقيقة ان بعض الطروحات الماركسية أراها بمنظار مختلف لا تعني اني تخلّيت عن قناعاتي، بل أطوّرها بالانفتاح على كلّ الفكر العالمي، بدون رأي سلبي مسبق.

نشاطي الابداعي

نشاطي الفكري والفلسفي والثقافي الذاتي أثمر اتجاهات عديدة في مجال الكتابة الإبداعية، رؤيتي تحرّرت من التصنيفات الأدبية العقيمة، قناعاتي الفلسفية انطلقت الى عوالم واسعة وجديدة، طوّرت قدراتي الإبداعية بمجالات عديدة، أهمها مجال الفلسفة، بدأت بكتابة حلقات عن الفلسفة المبسطة، ثم رأيت أهمية تقديم قصة تفسر بشكل ما الإصطلاح الفلسفي، هذا قادني لتطوير الكتابة الساخرة، وساعدني في اكتشاف طرق جديدة للكتابة القصصية بدون الثوابت والأفكار التي التزمت بها ايديولوجيا.

القصة القصيرة

في القصة القصيرة اتجهتُ نحو تجارب جديدة كليا بفكرة الصياغة والبناء القصصي، مثلا استعملت السرد الإخباري في بناء نصوص قصصية مثل قصة "انتفاضة" وقصة "عجيبة بيت ابو بشارة" وغيرها. كتبتُ قصصًا على لسان الحيوانات، نُشرتُ بكتاب على الشبكة العنكبوتية بعنوان "نبيل عودة يروي قصص الديوك"، كتبتُ عشرات القصص الساخرة، والأهمُّ اني وصلتُ لقناعات جديدة حول الكتابة القصصية تنازلتُ فيها عن التوصيف في القصة، من رؤيتي ان القصة تصبح أكثر تأثيرا. بل بتُّ أرى ان القصة قادرة ان تصبح مادة فكرية ممتعة ليس أقلَّ من أيّ نصٍّ قصصي خفيف، وكان استنتاجي ان القصة لم تعد سردًا للتسلية بل علمًا قصصيًّا يتعلّق بالقدرة على اختراق عقل الإنسان ودفعه للاندماج بالنصّ، لغة وفكرا، وان هذا اللون المتمثّل بطرح فكرة فلسفية، كجوهر للقصة، يخاطب قارئاً من نوع جديد، بمستوىً ثقافيٍّ ومعرفيٍّ ما فوق المتوسط. لخّصت رؤيتي بمقال عنوانه "القصة كمادة فكرية!".

واصلتُ رصْد الإبداع في ثقافتنا، فكتبتُ النقد رغم اني لا أعتبر نفسي ناقدا.. بل "عارضا" حسب تعبير مستحدَث صاغه الدكتور الأديب أفنان القاسم.

يوميات نصراوي

من أبرز ما أشغلني في السنوات الأخيرة  كتابة "يوميات نصراوي"، وهي تسجيل للذاكرة الجماعية لمختلف قضايا الحياة والنضال في واقعنا، لم أتجاهل دور الحزب الشيوعي التاريخي، بل سجّلته بأمانة تاريخية وهو تاريخي أيضا. في هذه اليوميات هناك عرض لتجربتي، منذ بداية تفتُّح وعيي.. اليوميات ليست شخصية، بل يوميات الحياة بكل ما مر على شعبنا من نضالات وتحدّيات، طبعا فيها الجانب الشخصي بحكم كوني شاهدا ومشاركا في الأحداث.

مقالات يوميات نصراوي نُشرت كلها في الحوار المتمدن وبعضها في موقع جماليا ومواقع أخرى..

الفلسفة


أشغلني وسحرني موضوع الفلسفة منذ عشرات السنين، ولا أبالغ اذا قلت اني منذ سنوات طويلة وانا أحاول نقل الفلسفة من طابعها البحثي المعقّد، الى طابع سهل وممتع، يعرضها بلغة ميسرة للفهم على أوسع الأوساط، محاولات لا عدَّ لها قمت بها ومزّقتها، حتى نجحتُ بكتابة اول قصة فلسفية وأطلقت عليها تسمية "الدرس الأول في الفلسفة".

كرّست قدراتي القصصية لجعل السرد الفلسفي قريب جدا من عناصر السرد القصصي، ثم بدأت بدمج قصة معبرة وساخرة لشرح مضمون النص الفلسفي الذي أطرحه في مقالاتي، وأطلقت تسمية "الفلسفة المبسطة" على هذه المقالات التي لفتت انتباها واسعا جدا، وقد انتبهت دار نشر مركزها في نيويورك لهذه المقالات وطلبوا مني المواد لنشرها في كتاب، وآمل ان يصدر الكتاب خلال أيام قليلة او ربما يكون قد صدر قبل نشر هذه المداخلة. في الفترة الأخيرة بدأت بإضافة "لقطات" فلسفية، تحت عنوان "شذرات فلسفية"، تشمل أبرز اقتباسات من أقوال مختلف الفلاسفة، الى جانب رؤيتي الخاصة، واعتقد انها تمدّ القارئ بالكثير من الأفكار التي أثرت الفكر البشري، وما يحرّكني هو جعل الفلسفة بمتناول الأوساط المختلفة من قراء العربية وخاصة الذين يجدون صعوبة في تناول الأبحاث الفلسفية بلغة أكاديمية مركبة وليست ميسّرة لفهم حتى أوساط واسعة من المثقفين. ايضا بسبب الاصطلاحات التي تفتقر لها لغتنا العربية، واذا وُجد الاصطلاح لا يكون من الدقّة والفهم المطلوبين.

رؤية جديدة

ارى ان تفرّغي للمراجعات الفكرية، الفلسفية والثقافية قادني الى تطوير ذاتي لوعيي ومفاهيمي بكل المجالات.

مثلا تناولُت موضوع الواقعية الاشتراكية بصفتها تيّارًا أدبيَّا، وهو موضوع شغلني منذ سنوات، ومازال بعض نقّاد الأدب يستعملون هذا التعبير بدون فهم مضمونه وإطاره وما هي عوامل نشوء هذا الاصطلاح وسقوطه. عنوان المقال: "رؤية فلسفية: الثقافة لا تنشأ بقرارات فوقية".

كذلك قمتُ بمحاولة لفهم واقع التطور في العالم الرأسمالي وهل يمكن البقاء في الاطار العتيق الذي تحدّد ولم يتغيّر ولم يجر تطويره منذ ماركس؟ ونشرت مقالا بعنوان: "عصر ما بعد الراسمالية، ما بعد الحداثة".

في مقالات كتبتُها في السنة الأخيرة عن تجربتي في الحركة الشيوعية، تناولت العديد من القضايا والانطباعات التي لفتت انتباهي الى ان المضامين التي تثقّفنا عليها غير قائمة في التطبيق العملي للماركسية في الاتحاد السوفييتي السابق وما كان يُعرف بالمجموعة الاشتراكية، حيت يتبين أن "نهجها الماركسي" لم يكن ماركسيا، بل نهج قمعي استبدادي وغير انساني في العديد من مجالاته، ساهم ثقافيا، فكريا وتاريخيا بسقوط تلك الأنظمة دون ان ينبري حتى ما كان يعرف بـ"جيوشها العقائدية" او كوادرها الحزبية التي كانت تعد بعشرات الملايين للدفاع عنها.. فهل كان وراء الانتساب لتلك الأحزاب دوافعُ انتهازية فقط؟.. وهذا عشتُه اثناء دراستي في الاتحاد السوفييتي!

لم يكن شيئا في التطبيق يخصّ جوهر الماركسية. وقناعتي ان مفاهيم الصّراع الطبقي، التي تُعتبر من أسس البنيان الفكري للماركسية، كانت قائمة في عقولنا فقط، طبعا من الصعب نفي التناقضات، لكن التناقضات ليست صراعا تناحريا. التناقضات هي ميزة للتطور تشمل العلوم والتقنيات والمجتمع والطبيعة والثقافة والفكر وجميع مجالات الحياة الأخرى وهي الدافع للتطور والرقي، وليس للدمار والعنف والنفي.

ان التطوّر بجميع المجالات يجري عبر النقد والنقض، وليس عبر التدمير لما سبق ونفيه، بل دفعه الى مراحل اعلى وأرقى. ومن الخطأ الفكري الفهم القديم ان النقد والنقض هو نفي الآخر او السابق، بل هو اضافة وتطوير لما سبق. أوجه القارئ لمقالي التالي: "تناقض البنيان النظري للماركسية والواقع القائم".

هل يجيء عصر تنوير عربي؟

القضايا الثقافية لمجتمعنا الصغير، المجتمع العربي داخل إسرائيل، ولمجتمعنا الأكثر اتساعا، المجتمعات العربية... تلفت انتباهي واهتمامي من زوايا مختلفة، بصفتها مقياسا لتقدم المجتمع المدني أولاً، كقاعدة لا يمكن تجاهل دورها في الرقي الحضاري، الذي يشمل تطوير الاقتصاد والعلوم، تطوير التعليم، القضاء على الأمية، توفير فرص عمل لعشرات الملايين العاطلين عن العمل، تطوير اللغة لملاءمتها لعصر الحضارات والعلوم والتقنيات.. وبالطبع الإبداع الثقافي هو الجانب  الروحي من حضارة المجتمعات البشرية... غيابه وركوده والفوضى التي تسود حقوله المختلفة، تشكل معياراً آخر لمستوى تقدمنا الاجتماعي والثقافي، أو تراجعنا كما هي حالنا اليوم..

العقل السوي المدرك يفهم ان المجتمعات البشرية تستهلك الثقافة بصفتها قيمة روحية تثري عالمها بجماليات مختلفة، وتثري الإنسان على المستوى الشخصي، فكراً ومعرفة، وتوسّع مداركه لحقائق الحياة، ولأساليب بناء العلاقات الاجتماعية، والتواصل الإنساني داخل المجتمع الواحد، بدل حالة التشرذم والعداء (لدرجة ارتكاب المجازر الدموية) التي تسود للأسف الشديد مجتمعاتنا على قاعدة دينية وإثنية. الثقافة لها اهمية قصوى في تعميق الوعي الفلسفي حول مجمل القضايا المطروحة.

ليس سراً ان ثقافتنا اليوم تعبّر عن واقعنا الاجتماعي، وهو للأسف واقع متردٍّ ومليء بالإشكاليات، وبعضها إشكاليات خطرة على مستقبل مجتمعنا ومستقبلنا. وبما أننا نعيش في عصر العولمة، الذي جعل العالم حيًّا صغيرًا، فإن الواقع الاجتماعي بات يشمل بترابط كبير مجملَ الفكر والنشاطات الاقتصادية والسياسية والتربوية والعلمية والأدبية والفنية والدينية، ويطرحها ضمن الصورة الكونية، التي تشمل الواقع في العالم الأوسع. من هنا رؤيتي ان التحدّي أمامنا أصبح أكبر، والمسؤولية لم تعد محددة بنطاق جغرافي، محلي أو أكثر اتساعا جغرافيا.

حين نُغيّب العقلُ نغيّب الفطنة، ونستبدلها بكليشيهات جاهزة، ملّها المتلقّي (القارئ) وبالطبع في هذه الحالة يصبح الادعاءُ أنّ واقعنا الثقافي يشهد نهضة ثقافية وانتشارا واسعا للثقافة، نوعًا من السخرية السوداء. قبل عشرة قرون قال الإمام الشافعي لتلاميذه: "اذا ذكرت لكم ما لم تقبله عقولكم، فلا تقبلوه، فإن العقل مضطر إلى قبول الحق"، فلماذا لا يكون هذا صحيح اليوم أيضا؟!

الموضوع الثقافي لا يحظى بمكانة ضمن أولويات مؤسساتنا الرسمية والشعبية، وانأ أظن أن للثقافة قيمةً بنيوية فكرية وتربوية واجتماعية لا تقل أهمية عن أي موضوع نضالي نطرحه على أجندتنا.

إذا لم نبن مجتمعنا قوياً، مثقفاً، عقلانياً، متنوّراً أخلاقياً ومليئاً بالجماليات وبالفكر الإنساني، وبالاستعداد للتعاضد والتكامل الاجتماعي، والتجنّد وراء مطالبه الحيوية، ولا أستثني السياسة من هذه المطالب، ستبقى كل ممارساتنا الثقافية والسياسية، تعاني من قصور في الرؤية، من العجز في فهم دور الثقافة الاجتماعي والحضاري، وكيفية توجيه ودعم وتطوير حياتنا الثقافية.

واجبنا، نحن المثقفين، ان نكون في الصف النضالي الأول، بأقلامنا ونشاطنا الميداني، وحريصين على قيمة كلمتنا، وقوة موقفنا، ومصداقيتنا.

صمتُ المثقف خيانةٌ لذاته الثقافية ولعقله.

كثيرا ما نسمع في ثقافتنا تعبير الحداثة، دون وعي من مستعملي هذا الاصطلاح أن الحداثة تعتمد فلسفة اجتماعية أفرزها عصر التنوير وما تلاه من تطور اقتصادي، اجتماعي وعلمي. يقول المفكر هاشم صالح: لقد سار الفكر التنويري في طريق وعرة، قال عنها الشاعر الألماني العظيم شيللر (1759-1805): "إن الإنسان يبتعد عن هدفه الأسمى بطريقتين: إما أن يصير ضحية العنف، وإما أن يصير وضيعًا ومنحلاً، ويجب على الجمال أن ينقذ الإنسان ويوصله إلى الطريق الصحيح، بعيدًا عن هذين الخطأين". ويتساءل هاشم صالح: "ترى، متى يكون لنا، نحن العرب، عصرُ تنويرنا؟!!

اجل.. هذا هو السؤال الذي يجب ان يشغلنا. ان تعوق التنوير، وغياب آفاق التطور الاقتصادي والعلمي واندماج العالم العربي بحركة الحضارة العالمية، يدفع مجتمعاتنا الى هاوية لا قعر لها من العنف الدموي والفكري!!

نبيل عودة –  كاتب، ناقد واعلامي ..

nabiloudeh@gmail.com