أميركا البائسة - أحداث نيويورك بعد خمسة عشرة عاما - يوسف هاسلنغر.. -

ترجمة وتعليق: وديع العبيدي قرأها 1,248

أميركا البائسة - أحداث نيويورك بعد خمسة عشرة عاما - يوسف هاسلنغر.. - 

يوسف هاسلنغر أديب مفكر وأكاديمي نمساوي من مواليد عام (1956م) حصل على الدكتوراه في الفلسفة واللغة والأدب الألماني عام (1980م)، ومنذ عام (1996م) يعمل في معهد الأدب الألماني في لايبزك. صدرت أولى مجموعاته القصصية عام (1980م) لتتبعها قصص وروايات ومقالات أدبية وسياسية، وهو أحد الرموز الأدبية المبرزة والفاعلة في النمسا. ويعتبر كتابه (Opernball) الصادر عام (1995م) بمثابة نبوءة مسبقة لما حدث في سبتمر 2001م وما بعدها حتى اليوم من عمليات عنف زادت لاحقا، وما زالت لليوم.  اصاعد موجة الغضب ضد الغرب والسياسات الدولية ظاهرة مألوفة في أيام الحرب الباردة.  لكن توقف تلك الحرب مع تنازل غورباتشوف وإلغاء النهج الاشتراكي، تغافل عن موقف الكتلة الدولية والشعبوية الثالثة التي كانتا تندرج تحت مسميات العالم الثالث وعدم الانحياز وغير ذلك.

وهنا.. عملت السياسة الاميركية من خلال مؤسساتها الاقتصالدية والمالية والمخابراتية والعسكرية والاعلامية على ربط كثير من دول العالم الثالث الفقيرة بعجلتها سياسيا، لكنها فشلت في استقطاب الشارع وتغيير اتجاهات الراي العام المثقف والشعبي.

وإزاء تمادي انظمة وحكومات العالم الثالث في الارتماء في التبعية، احتدّت الأزمات السياسية الداخلية في العالم الثالث، وزادت الهوة بين الشعوب والحكومات من جهة، ومنحت حركات المعارضة الداخلية مبررات وأدوات جديدة لتسعير نشاطها ضد الدولة والحكومة المحلية من جهة، وضد الامبريالية وأدواتها ومراكزها الستراتيجية.

ومع تفريغ حركات اليسار والتحرر الوطني والعلمانية من أدواتها ومعانيها، بقيت الساحة مكشوفة لافرازات الدين السياسي الاباحث عن الشرعية والسلطة على اعتاب قرن والفية جديدة. ان اكثر البلدان تخلفا وتناقضا وعمالة وقمعا، هي التي افرزت اكثر مظاهر وتيارات الاسلام السياسي عنفا وتطرفا. ومن هنا احتلت بلدان الشرق الاوسط العربية مركزية العنف والتطرف الديني على الصعيدين، الفاعل والمفعول. والواقع، كما برر بوش الابن انتصاره على الارهاب عقب احداث نيويورك، بتحصين الامن الاميركي الداخلي، وتصريف العنف خارج أميركا، وهذا يعني توزيعه بين المجتمعات العربية، وبعض البلدان الغربية غير المنسجمة جيدا مع تعليمات البيت الابيض. وهي الظاهرة التي يشهدها العالم خلال الخمسة عشرة الماضية. واستهداف الارهاب لفرنسا والمانيا أوربيا، والعراق وسيوريا عربيا، لا يخرج عن دوائر القرب والبعد والمناوأة والانصياع مع البيت الابيض.

قيب سبتمبر كانت احداث كينيا ونيروبي، واحداث مقاربة في بيروت وصنعاء ضد البحرية الاميركية، من قبل عدو غير واضح ومحدد. وكان من أولى وظائف احداث نيويورك، تحديد العدو وتسميته وتشخيصه، في صورة الاسلام السياسي الاصولي او المتطرف أو الارهابي. وكان أول اغراض خطاب بوش الصغير بالمناسبة تعليق مسؤولية الارهاب في شخص وبلد، كما حاول ربط الكموضوع بالعراق وصدام حسين اولا، من الاشكاليات الجدلية التي سوف تستمر حينا من الدهر، تقرير حقيقة الدور الاميركي وراء الارهاب الاسلامي  وتهيئة الاطر التنظيمية له عبر شخصية بن لادن أو سابقيه. ولكن الاكثر وضوحا هو نجاح السياسة الغربية الامبريالية في اختراق حركات الارهاب واعادة توظيفها لصالح سياساتها، وحماية مؤسساتها من أخطاره. وبعبارة وجيزة وافية، ان الارهاب الاسلامي والاسلام السياسي عاد وبالا ولعنة على المسلمين والبلدان والمجتمعات الاسلامية نفسها، وبشكل ألغى أية امكانية أو فرصة أو نافذة لها على المستقبل. واليوم ترزح المجتمعات والجاليات الاسلامية تحت التاثير المباشر والتهديد والخطر الداهم لعقائدهم وقناعاتهم الدينية.

وفي اعقاب احداث 2001 نشرت جريدة ستاندارد النمساوية – لأكثر الصحف النمساوية رقيا وتميزا- مقابلة مع يوسف هاسلنعر، هاته ترجمة جزئية لها.

 أمر جميل أن يلجأ الناس للكاتب، عندما يتعلق الأمر بالانتقاد، أو البحث عن العزاء والمشورة. يوسف هاسلنغر الكاتب النمساوي مؤلف كتاب (بؤس أميركا) و (كرة القش) في تعليق له على الأحداث الدولية الأخيرة (أحداث نيويورك 2001) من خلال حوار جريدة (DER STANDARD)  النمساوية معه، وأدناه نص الحوار المنشور عقب الأحداث؛ والمترجم عن الالمانية.

    * السياسيون يتحدثون، الصحفيون يكتبون، كثير من المثقفين يلتزمون الصمت!

[[]] الصحافيون يكتبون حاليا حول الأزمة. وكل ذلك موجه من قبل الاعلام الأميركي. هذا خطأ كبير. كما لو أن الناس تناسوا، انه في الولايات المتحدة الأميركية، تسود حالة حرب معلنة. الحكومة الأميركية تمتلك الأمكانية للسيطرة على الأخبار الصحفية، كان هذا كذلك في حرب الخليج. طالما هناك حالة حرب معلنة في البلاد، يوجد كذلك نوع من حالة الدعاية الرسمية الموجهة.

* لكن صور الجثث في س ن ن لا يمكن أن تقع ضحية الرقابة؟

[[]]   س ن ن لم تنقل كل شيء. لقد كان الصحافيون في مكان الانفجار الرابع. ولكن فجأة، اختفوا. لماذا؟ عندما تكون طائرة، بعد نصف ساعة من الانفجار الأول، ما تزال في الجو كطائرة مشاركة في العملية بوضوح. والطائرات الحربية الأميركية ما تزال لم تصل المكان. على المرء في هذه الحالة نسيان هذه الطائرات. حسب قناعتي الشخصية، ، أنه كان يمكن إسقاط الطائرة الرابعة.

*  ولكن أين هو دور المثقفين؟

[[]] لهؤلاء مهمات نوعية، وليس اعداد التقارير. التعليق على الأحداث جرى وضعه تحت اليد. المؤلف ليس له  دور آخر، غير دور الذين يجيدون القراءة والكتابة. وهذا صحيح. لماذا ينبغي على الكاتب أن يكون له فهم أفضل للأحداث!

* كمتعامل باللغة تكون لديك حساسية خاصة باللغة..

[[]]  سنقوم بـ " تبخيرك" حيّاً أو ميتاً. اللهجة التعبوية الانفعالية المتعارفة للأمة. لمعرفة ذلك لا يلزم المرء أن يكتب، يكفي أن تكون قارئاً. أنه من الجميل أن يتجه الناس للكاتب عندما يصبح الأمر خطيراً أو يحتاج للعزاء والمشورة، يصبح للكاتب دور الكاهن.  المرء يتمنى أن يجد الكلمات المناسبة، التي لا يستطيع الآخرون العثور عليها، أو على الأقل تقديم البركة الأدبية. وهذا متعلق، بكون الدين احتلّ مرتبة دنيوية وبدأ الفن يؤدي الوظيفة التعويضية.

* في كتابك ( كرة القش) تصف عملية انتحارية. ماذا لو أصبح ذلك حقيقة؟

[[]]   في حدود ملموسة أصبح الأمر حقيقة. منذ بدأت في تأليف هذا الكتاب، وذلك يتحقق دائماً. ما يميز العملية الانتحارية في نيويورك عن غيرها، هو الذكاء اللوجستي العالي المخيف، ويرتبط بذلك ارتفاع عدد الضحايا. الحادث له ثلاثة معادلات: أولاً: قدرة سياسية عالية على الإقناع/ صورة عدائية واضحة. هذا كان دائماً من خصائص العمليات الانتحارية. ثانياً: تنفيذ العملية في العلن المطلق، ذاك أن الصدفة قد تجعل كل شخص في مواجهة الحادث، أو تجعله ملاحقاً من أيّ شخص آخر. ليس فقط قبول المعطيات، ولكن المسألة تقدم نفسها من خلال (Massenpsycchologie ) لتقدير النتائج. هذه اللحظة تنمو مع انتشار وسائل الاعلام. هدف القاتل ليس فقط إصابة العدو، انما لتعريته كعدو حقيقي. وبطريقة بارادوكسية، تجد هنا دعماً من خلال اعلام غير مؤمّن. أخيراً، يقدم العدو نفسه، بالطريقة التي أُريد تقديمه فيها، كإنتقام عدو متعطش. مثل هذه الحوادث توجد منذ عشرات السنين. محطة بولوكنا، إحتفالات تشرين في منشن، محطة طوكيو، أوكلاهوما. في (كرة القش)، قمت فقط بتقديم هذا السيناريو الأساسي. الضحايا بالصدفة. من يذهب على طريق (كرة القش) هو ميت لا محالة، ولكن رغم هذه الاعتباطية، تحدث بالمقابل تطورات سياسية مرعبة، لأن الحادث حصل أمام مرأى الجميع. ثالثاً: التطرف الديني. العمليات الانتحارية تؤصّل الحالة. انها معالجة نبوءية نهائية، ذلك ان العدو ليس له فرصة النفاذ من العقوبة، وذلك لعدم وجود (بقاء) الفاعل الحقيقي. هذا يزيد من محاولة التعرية.

* ما هو خصوصية الموقف الأمريكي الآن؟

[[]] الأميركان الآن في وضع، مثل الذي تعيشه إسرائيل منذ سنوات، هم يعلمون.. كل شخص ممكن أن يقع ضحية، وهذا جديد بالنسبة لها، ذلك ان الحرب الأخيرة على الأراضي الأميركية، الحرب الأهلية، تعود الى مائة وخمسين عاماً. الناس ليس لهم خبرة في هذا المجال، لقد عاشوا في طور الروح الطاهرة، حيث مثلت الدعاية الجانب الخيّر للحرب ضدّ الشر. والى حدود معلومة، ثبت صحة ذلك. عندما تتجه الأمور نحو التعبئة الوطنية، يتم اعتماد مثل هذه الأساليب ثانية.

* الأفلام سحبت، عروض ألغيت، ما هو تعليقك عن ردود الأفعال هذه؟

[[]]  هنا مبالغة في الادعاء الأخلاقي. ذلك ان المرء، في كل العالم، أزاء مثل هذا الحادث، يهدئ نفسه، ذلك من الطبيعي ولحسن الحظ، يسرنا. لأنه ما تزال هناك إمكانية للفهم، فيما يتعلق بالخلافات الراديكالية، التي تواجهنا جميعاً، فليلاً أو كثيراً. ولكن من هنا أيضاً، تبدأ الصدمة والبلاغة بالتدريج، تأخذ اتجاهاً آخر.  عندها تبدو مثل هذه الانفجارات المسلسلة، فظاعة تأريخية، ليس اكثر من حوادث مرعبة. الادعاء، بأنه لن يكون بعد الآن مثلما سبق، هو في هذا الوقت بلاغة تأثرية (انفعالية). ان أية ردود أفعال غربية غير محددة، سوف توجه التطور الجديد في الاحداث.  

نشرت المقابلة عام 2001م عقب الأحداث مباشرة.